تأخذك إلى أعماق الفكر

علي جمعة.. مَدْخَلٌ إلى فهم التراث الإسلامي

يرى د. علي جمعة في كتابه (الطريق إلى التراث الإسلامي) أنَّ هناك فجوةً ملحوظةً بين كثير من الباحثين وبين التراث العربي والإسلامي؛ فجوةً لا تُمَكِّنُهم من فهم دلالات المقروء، ولا الاستفادة منه، ولا يمكن لباحث كهذا؛ لا يملك الأدوات المناسبة لفهمه أن يقوم على نقدِه أو تطبيقه دون الإلمام به.

من أجل ذلك يبحث كثيرون عن تلك الحلقة الواصلة بين الموروث وبين العلوم التي أنتجها العصرُ الحديث.

التراث الإسلاميّ: ما هو؟

يُعَرِّف علي جمعة التراث الإسلاميَّ اصطلاحيًّا بأنَّهُ: “المُنْتَجُ البشريُّ المنقول؛ الشفويّ والكتابيّ للأمة الإسلامية قبل مائة عامٍ من الزمان[1].

يُخْرِجُ هذا التعريفُ القرآنَ والسنةَ عن وصف التراث؛ لأنهما ليسَا بشريَّيْنِ، ويجعل التراث الإسلاميَّ شاملًا لكلِّ ما أنتجه العقل ذو الثقافة الإسلامية من علم وفكر وفنٍّ في جميع التَّخَصُّصَات، ويُخْرِجُ أيضًا التراثَ الأثريَّ (الآثار) للأمة الإسلامية؛ لأنه ليس شفويًّا أو مكتوبًا، ولقد حدَّدَ علي جمعة التراث بمائة عامٍ مضتْ جريًا على قانون الآثار المعمول به في بعضِ الدول.

وللتراث الإسلامي خصائص عديدة منها: تنوعه بين الفكر والنص والعرفان، وامتداده على مساحة واسعة من الزمن قُرابة أربعة عشر قرنًا، واختلافه درجةً من ناحية التوثيق، وبشريته القابلة للأخذ والرد، وعالميته؛ إذ فيه العربي والفارسي والتركي والهندي وغير ذلك، كما أن له لغة ومنطقًا يميزانه، بجانب أنه يمثل تجربة فريدة لتطبيق النص على الواقع بكل معانيه.

إعلان

حضارة نَصِّيَّة

كان المسلمون يُوَلِّدُونَ العلومَ لخدمة النَّصِّ[2].

يرى علي جمعة أنَّ التراثَ الإسلاميَّ تراث نَصِّيّ في أساسه، ويدور مع النصِّ حيثُ دار؛ فــ “محور الحضارة الإسلامية الذي بُنِيَتْ عليه هو النصّ (الكتاب والسنة)؛ أي أنَّ العلومَ كلَّها خادمةٌ له”[3].

إنَّ النِّتَاجَ الفكريَّ لدى المسلمين عبر التاريخ له مَحَلٌّ يعمل الفكرُ فيه؛ هذا المَحَلُّ هو القرآن والسنة كمصدرٍ أساسٍ للمعرفة الإسلامية، وإعمالُ الفكرِ في هذا المَحَلِّ أدَّى إلى ثَمَرَةٍ هي ما أنتجه العقلُ الإسلاميّ من معارف في تَفَاعُلهِ مع النَّصِّ.

يضربُ علي جمعة مثالًا بعقل الأصوليّ؛ كيف يفكر؟ إنَّه أوَّلًا يتساءلُ عن الحُجَّةِ؛ فيرى أنها القرآن والسنة، وبعد ذلك يحتاج إلى توثيقهما؛ فيؤسِّسُ علومًا لذلك، ثم إنه بعد ذلك يريد أن يفهم ما توثَّقَ منه، فيضع ضوابط للاستدلال؛ فيُفَرِّق مثلًا بين ما هو قطعي وما هو ظني، ومن ثَمَّ يُوَاجِهُ مُشْكِلةَ تناهِي النصوص وعدم تناهِي الوقائع؛ فيُؤَسِّسُ لمبدأ القياس؛ مُلْحِقًا الجديدَ بالقديم، وهكذا تسير عمليَّةُ تفكيرِه على هذا المنوال.

إنَّ الإبداعَ في السياق العربي والإسلامي كان ينطلق من خدمة النصِّ في شتى العلوم والمعارف والفنون؛ فالنصُّ كان “مُحَرِّكًا للآداب والعلوم ومُنْشِئًا لها”[4].

كان ابنُ مقلة مثلًا فنَّانًا مسلمًا وعالمًا بالرياضيات، وقد قام بقراءة النصِّ القرآني قراءة تفاعليَّة؛ فانفعل بنَظْمِهِ وأسلوبه ومعناه، ورأى أنَّ مثل هذا النصِّ ينبغي أن يُكْتَب بخَطٍّ يلائمه؛ فاعتمد على معارفه الرياضية والفنية ليبتكر خطًّا يُكْتَبُ به القرآن يليق بما استشعره من نسبةٍ إلهية فيه.

العقيدة نموذجًا إسلاميًّا للمعرفة

نقطةُ الانطلاق

ينطلق التراث الإسلامي -في رأي علي جمعة- من نموذج معرفي يُحَرِّكُه يُعَبَّرُ عنه بالعقيدة؛ فالمسلم حينما يتوجَّه بالدراسةِ نَحْوَ العالَم بما فيه؛ فإنه يؤمن بأوَّلِيَّات مبدئيَّة ينطلق منها مثل معرفته ماهيَّتَه، وسبب وجوده، وما ينبغي عليه فعلُه تُجاه هذا الكون.

ولعلَّ تلك الرؤية تخالف تمامًا ما عليه الغربيُّون اليوم، بل إنهم يسمون مثلَ هذا الإيمان مصادرات لا يمكن القولُ بها إلا بعد امتحانها، ودراستها، والتحقق منها عبر أساليب البحث العلميّ أو الفلسفيّ، لكنَّ المسلم لا مشكلةَ عنده أن يبتدئ بهذا النموذج المعرفي في عمليَّة فهمه للعالَم حوله، أما الغربيُّ فإنه لا يبتدئ منها، بل ربما ينتهي إليها ما إنْ يراها مُسْتَحِقَّةً للبحث والدراسة.

معالم النموذج المعرفي في الإسلام

يوجز علي جمعة معَالِمَ النموذج الإسلاميِّ للمعرفة (العقيدة) في أنَّ “الإسلام عقيدة ينبثق عنها نظام”[5] فكريّ يشتمل على:

  • نسبة خلق هذا الكون لله.
  • إرساله الرسل، وإنزاله الكتب هداية للبشر وإرشادًا.
  • خَلْقِ الخَلْقِ من أجل أمرين؛ هما:
    • عبادته.
    • عمارة الأرض.
  • جَعْلِ الإنسان من جسد وروح بما بينهما من صلة وارتباط.
  • أنَّ الإنسان مفطور على الخير، وليس الشر إلا طارئًا عليه.
  • تحديد مصادر المعرفة في:
    • الوحي، وهو قسمان:
      • القرآن: كتاب الله المنقول إلينا بالتواتر بين دَفَّتَي المصحف.
      • السنة: ما صح روايةً عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم).
    • الوجود، وهو قسمان:
      • الواقع: ما يُدْرِكُه الإنسانُ بحواسِّه دون حاجة إلى شيء آخر، وجاء خطاب الوحي طبقًا لهذا الواقع المُدْرَكِ بالحواس.
      • نفس الأمر: وهو ما لا يُمْكِنُ إدراكُه بالحواس البشرية كالحياة المجهريَّة، سواء كانت ميكروسكوبية أو تلسكوبية.

يرى علي جمعة أنَّ الفلسفة الغربية قد انهارت أمام ما يسميه نفس الأمر على حساب الواقع المُدْرَكِ بالحواسِّ، و”الحقّ أن الواقع حقيقة ثابتة وأن الطريق إلى معرفة نفس الأمر هو المتغير”[6]، ويرى كذلك أنَّ الفرق الإسلامية التي أعْلَتْ من شأنِ الواقع المحسوس على حساب نفس الأمر قد جانبتِ الصوابَ أيضًا؛ فقد أوقعهم فهمُهم في مشكلاتٍ معرفيَّة قادحةٍ كإنكارهم دوران الأرض اعتمادًا على الواقع وظاهر النصِّ.

المقابلة بين النموذجين: الغربي والإسلامي

إنَّ النموذجَ المعرفيَّ الذي ينطلق منه المسلم في فهمه للعالم يخالف النموذج المعرفي الغربي في فلسفاته وتطبيقاته؛ ففي الوقتِ الذي يرى فيه سارتر أنَّ “العذاب هو الآخر”، يرى فيه الإسلام أنَّ الآخر ليس محَلَّ عذاب ولكنه مَحَلُّ دعوة، وأنَّ الأمة منقسمة إلى قسمين: أمة الدعوة (غير المسلمين)، وأمة الإجابة (المسلمون)، وفي الوقت الذي يقدِّمُ فيه النموذجُ الغربيُّ فكرةَ المصلحة أساسًا لضبط الاجتماع البشري، يقدم الإسلامُ فكرة التَّكليف الإلهيّ أساسًا مُهَيْمِنًا لحركة المجتمع في التاريخ.

يُؤدِّي النموذج الغربي -في نظر علي جمعة- إلى تشييء الإنسان؛ لأنه لا يفهم العالم إلا على أنه أشياء يمكن اختبارها وتطبيق الأساليب الإمبريقية التجريبية عليها، خاصة بعدما أعلن نيتشه موتَ الإله، وأعلن فوكو من بعده موت الإنسان؛ فلم يَعُدْ باقيًا إلا الشيء، الشيء فحسب! أما الإسلام؛ فإنه لا يُشَيِّؤُ العالَم، ولكن، ينظر إليه على أنه مخلوق لله، مُسَخَّر للإنسان، ذلك المخلوق الفريد الذي كَرَّمَه الله، ووهَبه عقلًا وشعورًا يمتاز بهما عن باقي الخليقة.

ولا يمكن أنْ تقوم الحضارة الإسلامية مرة أخرى -من منظور علي جمعة- إلا عن طريق ما يسميه عملية إعادة الصياغة، والتي تعني “عملية كشفٍ عن النموذج المعرفي الإسلامي، لا إعادة إنشائه”[7]،و”استقراء ما فيه من معانٍ يمكن إعادة صياغتها بمضامين وأشكالٍ مهمة”[8].

لا يحاول علي جمعة تعميق الخلاف بين النموذَجَين الغربي والإسلامي، ولكنه يحاول التَّمييز بينهما، وتوضيح أوجهَ الخلاف بينهما، لا في التطبيقات فحسب، ولكن في الأصل الذي ينطلقان منه، ويرى أن إعادة صياغة النموذج الإسلامي ستؤدِّي إلى “فهم أعمق متبادل”[9]، إلى”مقارنة عادلة يبن التراثين: الذاتي والمقابل”[10]؛ “فعندما أصوغ النموذج المعرفي الخاص بي، وأتفهم أبعاد النموذج المعرفي للآخر، يمكنني ساعتها البدء في الحوار والأخذ والرد”[11].

يضرب علي جمعة مثالًا يوضِّح أوجهَ التمايُزَ بين النموذجَين بعلم الاجتماع الحديث الذي يرى أن الحقوق منقسمة إلى حق عام (حقوق المجتمع)، وحق خاصّ (حقوق الفرد)، ورغم أنَّ الحقوق تنقسم إلى نفس القسمين من المنظور الإسلامي إلا أنَّ الحق العام يتعلَّق بالله لا بالمجتمع، والحق الخاص يتعلق بالأفراد بوصفهم عبادًا لله.

هذا التقسيم له تفريعات تطبيقية عديدة منها أن المذنب طبقًا للنموذج الغربي لا ينبغي أن يُمَسَّ بدنيًّا مطلقًا، بل يُعاقَبُ بالعقوبة غير الجسدية التي يُقِرُّها القانون، أما من المنظور الإسلامي فلا ضَيْرَ في إيقاع العقوبة الجسديَّة على المذنب بالقطع أو الضرب أو غير ذلك حسبَ جريمته.

ولأنَّ ممارسة الجنس شأن شخصي؛ فإنه لا يصحّ التدخُّل فيه من المنظور المعرفيّ لدى الغربيّين، ولكنه من منظور الإسلام المعرفي حق من حقوق الله التي لا ينبغي أن تُنْتَهَكَ، فالله قد قَنَّن للمجتمع المسلم الأُطُرَ التي من خلالها يمكن للمرء ممارسة الجنس في نطاقه المشروع، فتكون ممارسته خارج هذه الأُطُر انتهاكًا لحرمات الله.

حول عناصر العقلية التراثية

يرى علي جمعة “أنَّ فهمَ الموروث الحضاري الإسلامي يحتاج إلى إدراكِ عناصر تكوين العقلية التراثية”[12]، ويحاول وضع يديه على أهم هذه العناصرِ التي كوَّنَتِ العقلية المسلمة في كافة العلومِ والمجالات، ومن أهم هذه العناصر:

1- الرؤية الكلية:

أول هذه العناصر التي يطرحها علي جمعة هو الرؤية الكلية؛ بمعنى أنَّ العقل المسلم لم يكن يتعامل مع المعارفِ من طريق التَّخَصُّص فحسب كما هو الحالُ الآن في العصر الحديث. إنه لم يكن يعترف بشيء اسمه التَّخَصُّص من الأساس؛ فنرى الطبيب والرياضي والمهندس والفقيه وغير هؤلاء يمتلكون رؤىً كليَّة عن الوجود والعالَم يفكرون فيها، ويكتبون عنها، ويحاولون تطويرَها.

لم يكن العقلُ المسلم إذن يحصر نفسه في مسائل جزئية لا يخرج عنها إلا إليها باسم التَّخصُّص؛ لذلك رأينا في تاريخنا مثلًا ذلك الطبيب الفيلسوف الذي يمتلك رؤية فلسفية ومعلوماتيَّة عن الله والوجود والعالَم.

2- ضرورة إدراك المطلق:

أما العنصر الثاني المُكَوِّن للعقليَّة التراثية فهو أن العقل التراثيَّ كان يرى إدراك المطلق ضرورة معرفيَّة لا يمكن إنكارها. كان العقل التراثيُّ إذن مُصَدِّقًا بوجود الله، قادرًا على إدراك المُطْلَق في خفائه؛ لأنَّ الكونَ يدل عليه، وهو أصل الخليقة؛ أوجدها من عدم دون أثرٍ فيه، وهو لا يتناهى، ولا يَحُدُّه حد، ولا يحويه مكان ولا زمان؛ لأنه الإله المطلق.

يرى علي جمعة أنَّ هذا الإنسان الذي كان قادرًا على إدراك المطلق كان يفهم معانيَ مثل “العدل المطلق، والصدق المطلق، والحق المطلق على خلاف النموذج الغربي الذي يزعم أنَّ الأشياء كلها نسبية”[13].

ثم إنه يضرب مثالًا مُوَضِّحًا لأثر الإيمان بالمطلق على هذا النحو في إنتاج المعارف بالموسيقى؛ فالعقل التراثي الذي أبدع علم الموسيقى في التراث الإسلامي نظر إلى الموجودات ورأى أنها إما أن تكون ساكنة وإما أن تكون متحركة، ورأى أنَّ الموسيقى مثل اللغة من جهة التعبير وفيها مُتَحَرِّك وساكن؛ فبناها على جزأين أساسين: الحركةوالسكون؛ (تِنْ، تِنْ…).

وكانت الموسيقى ذات دلالة نسقية؛ إذ كانت “تصعد إلى ما يُسَمَّى بالجواب (أعلى درجات الصوت)، ثم تهبط إلى ما يُسَمَّى بالقرار (أدنى حالة للصوت)”[14]، هذا “الاتِّساقُ يعني المطلق، ويعني أنَّ الذي أنتج هذا كان مؤمنًا بالمطلق”[15].

3- مصادر المعرفة: الوحي، والوجود، والعقل:

والآن،يتساءل علي جمعة: كيف يتلقى العقلُ التراثي معارفه، ومن أين يستقيها ويطلبها؟

يرى علي جمعة أن مصادرَ المعرفة تتمثَّلُ في الوحي، والوجود (الواقع – نفس الأمر)، والعقل؛ فالمعارف التي استخرجها العقل المسلمُ إما أن تكون نابعةً من النصِّ مباشرة، وإما أن تكون نابعةً من الوجود كالعادة والعُرْف والحسِّ، أو من التفكير العقلي الخالص.

عندما يقولُ العقل التراثي مثلًا: “إنَّ الصلاة واجبة”؛ فإنه قد قال بهذا الوجوب اعتمادًا على الوحي، أما عندما يقول: “إنَّ النار مُحْرِقَة”؛ فإنه يكون قد استقى هذه المعرفة من الوجود، وعندما يقول: “إنَّ واحد زائد واحد يساوي اثنين”؛ فإنه يكون قد استقى ذلك من العقل.

أنواع التعامل مع التراث:

يرى علي جمعة أن هناك أنواعًا عدَّة للتعامل مع التراث، من أهمها:

1- النشر والتحقيق:

بدأ التعامل مع النص عن طريق النشر والتحقيق مع ظهور المطابع في العالم العربي والإسلامي، و”تحول الكتاب المخطوط ذو النسخ النادرة، والمختلفة الصفحات والخطوط إلى كتاب مطبوع كثير النسخ نسبيًّا”[16]، “وفي بعض الأحيان كان نصيبُ الكتاب هو النشر فقط، وفي بعضها كان النشر والتحقيق (مقارنة النسخ، عمل فهارس، الشرح، الترجمة، دراسة حول الكتاب).

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: عبد العاطي طلبة

تحرير/تنسيق: نهال أسامة

تدقيق لغوي: حسن أحمد

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.