تأخذك إلى أعماق الفكر

من سقراط إلى نظام التفاهة.. لماذا لا تعود الفلسفة كقوّة مؤثّرة؟

طالما أنّني أتنفس وأملك القوة؛ لن أتوقفَ عن ممارسة الفلسفة وإسداء النصح لكم، وتوضيح الحقيقة لكل من أصادفه. وبذلك أيها السادة، سواء برّأتموني أو لا، أنتم مدركون أنني لن أغير سلوكي، حتى لو متّ مائة مرة.[1]

سقراط

لا يمكن أن تتكرّر مقولة سقراط معنويًا -كما حصل في حواره مع الأثينيّين- في محاكمة من محاكمات القرن الواحد والعشرين. نتساءل، ما الذي حصل؟ إن نزعة التفلسف هذه، ونزعة التنوير والموت في سبيلها وتحقيقها، أو يمكن أن نقول “شهيد الفلسفة” كما سمّى بعضُ المؤرّخين  سقراط، آخر ما يمكن أن يُصَدَّر في “نظامِ التَّفاهة” القائمِ على الاستعباطِ والتَّسطيحِ والتَّسليع. لم تعد الفلسفة تملكُ قداسةً يمكن أن تدفعَ أحدهم لمقولةٍ مثل مقولةِ سقراط. كل ما قد بقيَ لدينا في هذا القرن هو أيديولوجياتٍ سياسية ودينية تحملُ قداسةً لمفردةِ الـ “شهادة” دون غيرها، حتَّى أن مفردة “الشهادة” فقدت قيمتها في كثير من المواضع، وأهمّها موضع التنوير.

يقول الفيلسوف آلان دونو:

إن التفاهة تشجّعنا بكل طريقة ممكنة على الإغفاء بدلًا من التفكير، والنّظر إلى ما هو غير مقبول على أنه حتمي، وإلى ما هو مقيت وكأنه ضروري. إنها تحيلنا إلى الأغبياء..” ويقول أيضًا: “إن نظام التفاهة يقودنا إلى تسليم مَلَكة الحكم السليم إلى نماذج اعتباطية مسوّق لها من قبل السلطة..

إذن، من الممكن القول أن سبب عدم وجود سقراط جديد يعود إلى انحلال قِيَم أثينية في جوهرها،  وهذا حصرًا في حال اعتبرنا أن أثينا هي أهم أعمدة الفلسفة ومهد الحضارات، كما قدّمها الفنان دا أوربينو (بالإيطالية: Raffaello Sanzio) المعروف باسم “رافائيل” في لوحته “مدرسة أثينا” [2]، وكما قدمها فلسفيًّا روّادُ الفلسفةِ الغربية في القرن الثامن والتاسع عشر. مع العلم أن استخدام مفهوم “قيم أثينية” في هذا السياق لا يتجاوز كونه مثال إجرائي، وليس لحصر الفلسفة وأصولها في الغرب.

مدرسة أثينا
لوحة مدرسة أثينا

قد نبتعد قليلًا عن محور المقال لنذهب إلى قول الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه في كتابه “الفلسفة في العصر المأساوي للإغريق”؛ لدراسة الوجه الآخر لفكرة أن المعلّمين الغربيين يحتكرون أصل الفلسفة:

وقد برز مشهدٌ طريفٌ، بحيث تم مقارنة المعلمين الشرقيين وتلامذتهم الإغريق، ومقارنة زرادشت وهيرقليطس، والهندوس والايليين، والمصريين وانبداوقليس. وتوصّلت المقارنة حتى إلى رد انسكاروغاس إلى اليهود، وفيثاغورس إلى الصينيين. إن محصلة هذه المقارنة كانت ضحلة، ولكننا سنقنع أنفسنا بمجمل هذه الفكرة شرط ألّا يفرض علينا أن نستنتج منها أن الفلسفة كانت مجرّد استيراد قام به الإغريق، وإنّما لم تنبت على أرضهم. وأن نذهب لقول أن الفلسفة كجسم غريب قد خربت الإغريق أكثر مما شحذت عزيمتهم.[3]

نعود إلى مثالنا الإجرائي: الـ”أثينية” كقيم حضارية تدعو لقداسة الفلسفة. ولو فيما بعد قد انحدرت، وهنا العلامة الفارقة. هكذا نذهب بصورة أوضح لقول أنه ليس بسبب أن سقراط كفكر وفلسفة وعقل أعظم من أن يوجَدَ مرّةً أُخرى، وليس لأنه لا يمكن الاستنساخ والتطوير عنه -فكريًا وفلسفيًا- أو شيء من هذا القبيل. في النهاية، إنّ فلسفة سقراط بدائيّة جدًا نسبةً لما نحن فيه اليوم من معارفٍ وأبحاث ونقد ومعرفة، ويمكن القول أنها خاطئة جزئيًا نسبةً لما نعرفه اليوم عن العالم، وقاصرةً منطقيًا نسبةً لاتّساع علم المنطق اليوم. وهذا الأمر برمّته يعود إلى نوعية هذا النظام الذي لا ينتج سقراط معاصر في نفس المكانة والتأثير وبصيغة ما بعد حداثوية، أي لأن بنية أثينا كقيمة لا تُسْتَحدث بدلًا من تمييع وتتفيه النظام الحالي. نحن في انحلال قيم تشبه تلك القيم الأثينية، وحين نتحدّث عن “الفلسفة” والـ”الفلاسفة” لن نجد التأثير ذاته الذي لعبه الأثينيّون في الأصول وترجمتها وحضارتهم، أو عند التنوريّين وثورتهم ونهضتهم. في أفضل الأحوال، قد يكونوا -من ينتجهم نظام اليوم- منظِّرين، لهم كتبهم التي لا يقرأها إلّا جمهورٌ ضيقٌ نسبيًا، وفعالياتٍ ضخمة شكليًا، لكنها غير قادرة على التأثير في الوسط السياسي أو الاقتصادي. مدرسة فرانكفورت مثلًا! 

يقول المؤلّف علي حسين في كتابه الممتع “دعونا نتفلسف”:

إعلان

إنَّنا بطبيعة الأمر كثيرًا ما نواجَه بهذه العبارة “يا أخي لا تتفلسف”. كيف شاعت هذه العبارة، ومن يغذّيها في وجدان الناس؟ وهل هناك حقًّا ما يمنع الإنسان من أن يكون له فلسفته الخاصة تجاه الحياة، وأن يكون له موقف نقدي لما يجري حوله؟ هذا الموقف من نفسك ومن الحياة، هو الضمانة لتجديد الحياة نفسها.[4]

الأنظمة دائمًا في بنيتها وتركيبها السلطوي، وهكذا يمكن القول أن الأنظمة دائمًا -دون استثناء- تقف في وجه التفكير النقدي وبروز الفلاسفة والمفكرين في الوسط كأفراد لهم تأثيرهم الفعلي وليس الشكلي. نتساءلُ في هذه النقطة أيضًا: ما مشكلة الأنظمة مع الفلسفة؟

لن يحافظ نظامٌ على تماسكه دون فرض وحدانيته أمام أكثر الأمور رفضًا للوحدانية، وهي الفلسفة. عمليًا، قد حدث هذا الدفاع المستمر عن مفهوم “الوحدانية” مع كل الأيديولوجيات التي شكّلت العمود الفقري لنظامٍ ما. الوحدانية المسيحية والبابوية في الحكم، والوحدانية الإسلامية والنصوص القرآنية والتشريع المستمد منها، والوحدانية السياسية للحكم الشمولي بدءًا من النازية، إلى الستالينية، وصولًا إلى الدكتاتوريات الغربية والشرقية، والوحدانية الاقتصادية يمينًا ويسارًا. حتى الأيديولوجيات التي ترفض -شكليًا- مفهوم “الوحدانية” تقوم عليه في تسييسها لمحيطها بقوة ناعمة لتفرض نفسها لا سواها، مثل الليبرالية الفنية، والليبرالية الاقتصادية والسياسية، والليبرالية ما بعد الكلاسيكية. من هذا التعداد الموجز، يمكن الذهاب بنا إلى القول بأنّ الفلسفةَ لن تتنفس الصعداء طويلًا كقوّةٍ مؤثرةٍ في النظام، ولن تتكرّر القيمة الأثينية لاعتبار الفلسفة، ولا الجهاد السقراطي.

 من رؤيةٍ أخرى، ما حصل تحديدًا إلى جانب عشرات النقاط التي لن يُتطرّق لها هذا المقال لاتّساعها، فإن إشكالية “أين الفلسفة اليوم؟” إشكالية شائكة، ومن هذه الإشكاليات -الإيجابية في رأيي- تأثير العلم التجريبي على الفلسفة، وهو ما يمثّل نقطة هامّة في هذا التحوّل. فإننا -حسب رأي التجريبيين- لم نعد بحاجة الفلسفة لنعرف أنّ الأنظمة السياسية والاقتصادية -التسليع- تطوّرت في آليات تهميشها للفكر وتسخيرها لوعي الجمهور دون أن يلحق بها الأكاديميّون والنخبويّون الجدد؛ إذ أنهم -كما يقول آلان دونو أيضًا- صاروا جزءًا من اللعبة القائم عليها نظام التفاهة، “نظام قائم على البهرجة والابتذال”.

في الانتقال إلى الفيلسوف “راينر فونك” نقتبس من كتابه (الأنا والنحن؛ التحليل النفسي لإنسان ما بعد الحداثة): “النتيجة النهائية لهذا التطوّر هو عالم يُصبح فيه كلُّ نشاطٍ معاشًا وتجربة مصنوعيْن يمكن امتلاكهما.  أصبحت الحياة ذاتها سلعة [5]. بعد مراجعة الاقتباس نذهب لتساؤل آخر: هل الفلسفة والتفلسف كقيمة مؤثرة، هي سلعة رائجة في هذا النظام؟ هذا السؤال ينقلنا لرؤية الفلسفة من رؤية اقتصادية، ويبدو ذلك غريبًا للوهلة الأولى، أي مثلها مثل سوق السياسة والبورصة والفضاء الرقمي. فإننا -كما وضّح فونك في كتابه- في نظام قائم على امتلاك كل تجربة ونشاط معاش. وهذا ما يدفعنا للتفكير أيضًا أن سوق الفلسفة بحد ذاتها ضد الفلسفة؛ فلا يمكن أن ينتج النظام العالمي نشاطا يؤثّر عليه سلبًا، يفكّكه، ويحيده عن طريق الملكية والتسليع والتسخيف والتفاهة.

في مجتمع أضيق من النظام العالمي، مع ذكر أن كل المجتمعات متأثرة فيه، حتى تلك التي لا تختلط معه مباشرةً، نتطرّق لمجتمعنا الشرقي الذي هو ما قبل نظام التفاهة الغربي -وجهٌ مستحدث للعصور الوسطى، ومع تتالي الأسباب التاريخية منذ عصر الخلافة حتى اليوم (راجع مقالة: “من قتل الترجمة في الإسلام للمفكر” جورج طرابيشي) [7]، نعزي كل هذا الانغلاق على الفلسفة إلى محاولة استبدال الفلسفة باعتبارات أيديولوجية دينية تفوق قداستها قداسة الفكر الحرّ. إن أعمدة الدين قائمة على تسليم العقل والفكر، ومهما خضع الدين لضغوط موجّهة ضد انغلاقه على ذاته لن يخرج عن أعمدة التسليم تلك. إذًا، نحن أمام إحكام ضد بديهيات التفلسف، وهي كما قال المفكر جورج طرابيشي في كتابه (هرطقات): “أن لا تعلو على سلطة العقل أيُّ سلطةٍ أخرى”.

المراجع:
[1] عزاءات الفلسفة (2016). دو بوتون. ترجمة: يزن الحاج.
[2] http://totallyhistory.com/school-of-athens/
[3] الفلسفة في العصر المأساوي للإغريق (1873). فريدريك نيتشه صـ 40.
[4] دعونا نتفلسف (2019). علي حسين.
[5] الأنا والنحن؛ التحليل النفسي لإنسان ما بعد الحداثة (2016). راينر فونك. ترجمة: حميد الشهب. صـ 56.
[6] هرطقات؛ عن الديمقراطية والعلمانية والحداثة والممانعة العربية (2011). جورج طرابيشي.
[7] http://alantologia.com/blogs/15222/

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: مجد حرب

تحرير/تنسيق: نهال أسامة

تدقيق لغوي: سلمى عصام الدين

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.