تأخذك إلى أعماق الفكر

مرحلة المرآة في فيلم الجوكر: لاكانيات سينما التحليل النفسي

تبصّر واستثمار في مرحلة المرآة

يُعتبر الإنسان الكائن الأكثر مقدرة على إدراك انعكاس صورته في المرآة، وباعتباره كذلك، فهو يَسقُط في شراك الفتنة البصرية واستيلابات جمّة، تمرّ تحت جسر المتخيّل وأهواءه. نُشير بداية، أن ما قد يغيب عن كثير من الناس، هو عدم اقتصار وظيفة المرآة على التمرئي البصري المعكوس لشكلنا الخارجي في الزُجاج المطلّي، بقدر ما هي تخلُق على صعيد جدل الكينونة والمظهر – أن تنظُر لنفْسِك من خارج نفْسِك – تلك الرابطة الأولية بين صُورة الجسد وتشكُّل الأنا ضمن رحى قُطبي “الذات” و”الموضوع”.

كما أن الجسد لا يُحدّد في هذه الرابطة كمنطقة عُضوية صمّاء، مُتماسفة عن اللاشعور. وإنما يُينظر له – الجسد – كنطاق مرآوي ملغوم، تنشُط في مُعتركه دينامية ليبيدية، من مفاهيمها البارزة: التماهي؛ الصورة الهوامية؛ الآخر؛ النرجسية؛ العدوانية؛ الغيرة، الجدل المُتعلق بالموضوع. فالذات المُنعقدة اللّسان والمُتواجدة خارج نظيمة اللغة في طفولتها المُبكرة، لا تجد لها تحديدًا في الواقع، سوى من خلال مُعجم الجسد، وانطلاقًا من وظيفته الأصلية باعتباره دالًا.

لقد سبق للمُحلل النفسي الفرنسي جاك لاكان “Jacques lacan” أن كشف لنا بفذاذة عن سرّ المرآة وسحرها ودخلها في تفعيل سرديات السجل الخيالي، الذي يُعتبر أول مطرح مُستقبِل للأنا. داعيًا إلى ضرورة الالتفاتة المشحونة بقلق فلسفي، إلى مرحلة المرآة باعتبارها مُشكِّلا لوظيفة “الأنا” (1). ومن أهم الخلاصات التّحليلية النفسية والفلسفية الحاسمة لمرحلة المرآة في نظر لاكان، والتي أذكت قوله بصبغة أنطولوجية: هي أن الأنا هي موضوع، وليست ذات (2). بمعنى آخر، أن الأنا – على الرغم مما تُحس وتعي بعكس ذلك – ليست عاملًا مُستقلًا ذاتيًا، أي أنها ليست مقرًا “لأنا” تتمتع بالحرية، وقادرة على تحديد مصيرها بنفسها. بناء عليه، ينظُر لاكان إلى “الأنا” على أنها تتسم كليّة بعُصابية فاضحة، ومتأصلة في صميم جوهرها، باعتبارها دفاعًا مُتّقدا ينجم عن جهل تكويني حيال اللاوعي (3).

أمّا مجهودنا في هذه الورقة المُقدَّمة، فسينصب على سحب أهم الأفكار – ولو بشكل مُكثّف – من الأطروحة التحليلية النفسية المُدعاة بـ: “مرحلة المرآة” mirror stage (4)، لغرض تحليل مظاهرها وتداعياتها على شخصية “جوكر”. يتعلق الأمر إذن، بإظهار الأهمية الخاصة بمرحلة المرآة في “فيلم الجوكر”، من خلال الضوء الذي تُلقيه على “تشكل الأنا” ضمن التجربة التي تُعطينا التحليل النفسي عنها. مُعتمدين في ذلك، على البيانات التي يُمكن العودة إليها في أحداث الفيلم.

إعلان

1. المرآة .. ذاكرة بدون “أنا”

إن مساعي توظيف النظرية اللاكانية في فهم شخصية “الجوكر”؛ تنْتسِبُ من حيث الإطار التحليلي النفسي إلى التّعديل الذي أجراه لاكان على الطور المرآوي (5)، حيث لم تعُد تُعتبر المرآة لحظة في حياة الرضيع، ولكنها تمثل بنية دائمة من الذاتية. أو كنموذج ذهني “لنظام تخريبي”، تُغذّيه هوية مُستلبة، تسِمُ بنيتها الصلبة النمو الذهني للذات برُمته (6).

• فهل من تفسير لسلوكيات الجوكر من داخل نظرية المرآة اللاكانية؟ وكيف تعيش هذه الشخصية الموسومة بالغرابة تراجيديتها الخاصة مع المرآة؟

لقد أشار جاك لاكان في la relation d’objet؛ بأن “مرحلة المرآة” هي أبعد ما تكون من مُجرّد ظاهرة تحدُث أثناء نُمو الطفل. إنها تُوضح الطبيعة المُتعارضة للعلاقة المزدوجة. هذه العلاقة الثنائية لا تُشير فقط إلى العلاقة بين “الهو” و”الأنا” و”الأنا الأعلى” و”جسم الإنسان”، والتي تتميّز دائمًا بأوهام التشابه والمعاملة بالمثل، ولكن أيضًا إلى العلاقة بين الخيال والحقيقة. تُوفِّر الهوية المرئية التي يتم الحصول عليها من المرآة “شكلًا خياليًا” لتجربة حقيقية مجزأة (7). انطلاقًا من هذه الأرضية، يُمكن أن نتحرك صوب زمن مُتقدم من عُمر شخصية “جوكر”، زمنًا يُمثِّل ذاكرة بلا أنا، وتاريخًا بلا ذات، ووجهًا بلا هوية.

من المُلاحظ أن للمرآة مكانة شاخصة في كواليس شخصية “جوكر“، واختلاءاته مع نفسه حتّى يَظهر لنفسه. إنّها الأحُجية الأكثر غُموضًا واستغلاقًا من النُكتة التي اشتهر بها الفيلم، والتي يُمكن أن نُقحمها كذلك في سبر هوامات سيكولوجية البطل الفوضوي. يختار المُخرج مدخل لاكاني بامتياز، عندما جعل كلمة السر الأولى، مُصاغة في خطاب سيميائي “لآرثر فليك” مع المرآة، والتي يلج بنا من خلالها إلى العُلبة السوداء بلاوعيه، ومن جوفها تُفتح النوافذ وتنطلق الأحداث التي قد تكون مُجرّد حُلم يقظة أو هذيان شديد الهزّة أو تجربة ذهنية خيالية، كتلك النُكتة التي شكّلت قبل نهاية العرض لغزًا محيّرًا بالنسبة للجمهور، بل وكانت نواة التّشويش الذي أقحم عُنصر الوهم بين المشاهد الواقعية وما يدور في رأس “جوكر” من ذُهانات صعبة المنال. فقيمة الخُدعة – حتى من زاوية التحليل النفسي – تكمُن في حقيقتها، بحيث يكون الخيال أبلغ تعبيرًا عنها من الواقع. إن المرآة و النُكتة هما الرموز المُوظفة إخراجيًا من أجل التعبير عن أوهام ذات الجوكر التّخيلية، ولربما عن أوهام الجُمهور كذلك، المُنعكسة في عدسة الكاميرا، كخلفية تُضاعف وهم المرآة.

وفي سياق ربط الأفكار ببعضها البعض، يظهر على سُلوكيات “جوكر”، أنه كان يجد إنتشاءه الخاص عندما يُراقص ذاته، وهو يُطلُّ عليها من خلال المرآة، أو في حالات ترميمه لوُجوهه المُستبدلة، أو عندما يقف مُتأملًا ذاته المشروخة. دومًا هنالك مرآة يُخْرِجُ منها ويرمي فيها شيئًا ما، مِثل قُبعة الساحر، التي تجعلنا نُصدق أنها تستطيع أن تُنجب الأرانب أمام أنظارنا. إن المرآة بمثابة سطح عاكس لنفسية “آرثر فليك”، وفي نفس الوقت عُمق يُخفي ويَحْجُب حقيقة الأعراض التي تنفجر بطرق فظيعة في العراء، عندما تقع الذات الرمزانية فريسة تبعثر الدوال، و لا يبقى أمام الأنا سوى الإلغاء التخيلي.

لننتبه إلى أن الفيلم لا يُقدم لنا تاريخًا طفليًا مُعيّنًا، كركيزة لاستبطان علاقة “آرثر فليك” بالمرآة أثناء نشأته. بمعنى أدّق؛ يغيب عنّا التّمرحل المرآوي لأنا “آرثر فليك”. لكن يبدو أن هذا التاريخ الذي نبحث عنه مُدّون بشكل ما على المرآة ذاتها، إنها تكاد تكون الأرشيف الوحيد الذي يُطالعنا به الفيلم، لكأنها تحمل بصمات سيرته الذاتية بكل أعماقها وأسرارها وأبعادها الداخلية. لقد غار وسفل فليك – جراء نُكوص مُتخيل – من نفس البوابة “المرآة”؛ لكي يعثر عن أصول فلتانة “لأناه المجهول”، أو عن حقيقة تخصُّه، وهي في غالب الأحيان “تكون قد كُتبت في موضع آخر” بتعبير لاكاني.

لقد شكّلت المرآة ذلك النطاق الجراحي لاختلالات البناء التجبيري للأنا، وهو النطاق الذي عبره يُحاول “آرثر فليك” تشريح رغباته وهواماته ومكبوتاته الطفلية. وهو أمام المرآة يرسُم البسمة المُخاتلة على وجه التعاسة، المدفونة تحت جلد كلّ وجه من وجوهه الهووية، يُسقط حركاته المدفوعة باختناق ليبيدي على تصلّباته العقلية والجسدية، يتجوّل بذاكرة المرآة بين مواقع النّفي والحرمان والإحباط المُدمسة والظّليلة في عقله الباطن. لقد كانت المرآة تُريه ما لا يراه الجمهور، تُريه هوية مُستحيلة وحقيقية غائبة ووجها مؤجل النظر إليه. وهو ما قد يحلينا إلى مسألة النرجسية وبناءاتها في مرحلة المرآة عند هذه الشخصية. كما أنّنا كُنا نرى “جوكر” من مرآة المجتمع، أما بالنسبة له، فقد عنت المرآة كلّ شيء، إنها الطريد والمأوى، رمز للخداع والمعرفة، قناة للظهور والاختفاء، حقل للهدم والبناء، مكان للمحو والتّسجيل.

2. قلق الجسد المجزأ عند “الجوكر”

المرآة

إن مرحلة المرآة “stade de miroir le” عبارة عن مأساة ينتقل اندفاعها الداخلي من عدم الاكتفاء إلى الاستباق، والتي تُحرِّك بالنسبة للذات الواقعة في خُدعة التماهي المكاني الاستيهامات التي تتلاحق بدءًا بصورة مُجزأة للجسم، إلى شكل تجميعي وترميمي للجسم في كليته (8). فمرحلة المرآة – دراما تُدبّر للذات، الساقطة في وهم التماهي المكاني، الهوامات التي تتابع انطلاقًا من صورة مجزأة للجسد، إلى شكل سنُسميه تجبيريًا orthopédique في كُليته – إلى تقمص شكّتها armure أخيرًا. وهي هوية ستُطبع، من خلال بنيتها الجامدة، كل تطور الذات الذهني (9). وعلى إثر ذلك، ينبغي لنا أن نُسلّم بأن وحدة الجسد ليست أولى، بل هي إفضاء لغزو طويل. أمّا ما يبدو أنه أول، وعلى العكس من ذلك، فإنما هو قلق الجسد المجزأ. هذا القلق الذي نجده لم يُغادر لاوعي “جوكر” واستحوذ على مُتخيّله بالكامل.

• لماذا كان الجوكر على هذا الحجم من الارتباط بالمرآة؟ هل في الأمر تنقيب خائب في الفراغ، عن صورة غير موجودة؛ أم تشكيل لشتات الذات؟

لمرحلة المرآة تداعيات واضحة من زاوية التحليل النفسي اللاكاني على نفسية “جوكر”. ففي كلّ رقصة يُطل فيها على ذاته أمام المرآة، تحمل إيقاعاته الحركية، رفضًا وتحطيمًا للجسد المجزأ– كلوحة تكعيبية بريشة بابلو بيكاسو– ونقصد هنا صورة الجسد المُقسَّم والمُفتت والمخصيّ، كما تم تخليقُها وحشوُها من قبل خيّلاته في مرحلة المرآة. وتظهر هذه المرحلة وفقًا لما افترض لاكان، أن الأنا هي نتاج سوء فهم مُعبرًا عنه بمصطلح سوء التّعرف méconnaissance، حيث يتضمن اعترافًا كاذبًا. بالإضافة إلى ذلك، فإن مرحلة المرآة هي المكان الذي يُصبح فيه الشخص مُغتربًا عن نفسه (10).

نستعيد من خلال شخصية “جوكر” صوت الأطروحة اللاكانية حول الجسد المجزأ؛ بحيث يبدو لنا جسد “آرثر فليك” في صورته الهوامية كقطاع غير مهيكل بالمرة، وحاملًا لشتات “أنا” منظور له كموضوع لا كذات (من زاوية لاكان). فمن حالات الانقسام البادية على هذا الأخير عندما يُواجه المرآة، وهو يُحاول استجماع شتات أعضاء جسده، يبرُز لنا بجلاء “هوام الجسد المجزأ”. وبإمكان الوقوف – من الناحية التحليلية للتخيلات – على وجود هذا الهوام ضمن ذهانات عديدة، ومن ضمنها الفصام (11). وهو يُعد من بين أهم قسمات شخصية آرثر فليك، المشكوك حتى في حقيقة اسمه الشخصي والعائلي.

تظهر لنا فائدة الأطروحة اللاكانية في تحليل التماهي وتصدعات المرحلة التجبيرية عند “جوكر”. إذ يتعيّن التأكيد على أنّ التّماهي البدائي الخاص بمرحلة المرآة {يشكل} أصل جميع تماهيات الذات الآتية فيما بعد. وفي أغلب الأحيان، فإن تفكيك التبنين الذي ستحدثه الصيرورة الذهانية، سيصاحبه تفكيك لتَبنْيُن صورة الجسد (12)، الشيء الذي نجده يُواقع اضطراب آرثر فليك المُحدّد في تنافر الصلة بين الموضوع والصورة، ليعيش على رصيد التّوثر العدواني لهذه المرحلة. حتىّ أن مجموعة من الصور العدوانية التي تكسو أفعال “جوكر”، من عُنف وقتل ودماء وتمزيق وسواد إلى آخره، يُمكن أن نقرأها كاستعادات لقلق الجسد المجزأ، من خلال الصور التي يحويها (13). إن هذا المنحى من التحليل – حسب لاكان – يُلقي الضوء في جوانب أخرى على المازوشية الأصلية وغريزة الموت من خلال مرحلة المرآة (14).

3. القناع وتوترات “الوجه المرآوي”

تُصاحب الأقنعة تطور شخصية آرثر فليك، إنها خارج لداخل التحولات النفسية العميقة التي يُمسي ويُصبح عليها هذا الأخير، كما تتضاعف هذه الأقنعة، وتبتلع إحداها الأخرى، في عملية تشظي الجسد وتشتته.إنها المحلُول الذي يُفتِّت إمكان وجود أي هوية ذاتية للجوكر. لقد كان القناع رمزًا لانقلاب راديكالي عرفته الشخصية. فمن المُهادنة إلى الرفض والتّمرد، من التّمزق الداخلي إلى التناغم الذاتي، من الإحساس بالخوف إلى التّحرر منه، من التّخفي إلى الظهور. أن يصبح المرء “ما هو”؛ يفترض أن لا يكون لديه أدنى دراية ” بما هو”. إنها الصيغة التي تكشفت بها هوية جوكر المُبهمة. هوية أصبح يغزوها سؤال “ما أنا” وليس “من أنا”.

• فهل لآرثر فليك من وجه؟ ولماذا يعرِفُ الوجه توترًا خاصًا عنده؟ ألم يقل بعظمة لسانه بأنه غير موجود، أو على الأقل لا أحد يشعره بوجوده! وإلى ماذا يعود إذن هذا الخواء الجوهري في ذات البطل؟

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: يوسف عدنان

تحرير/تنسيق: خالد عبود

تدقيق لغوي: مصعب محيسن

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.