تأخذك إلى أعماق الفكر

محاورة البرج العاجي

أكَّد لي أنها لم تَنَمْ إلا مع أربعة رجال فقط قبله، ولهذا قرَّر أن يتزوَّجها؛ فهي – خلافَ أغلب بنات جيلها – ملتزمة أخلاقيًّا، وليست من هواة العبث والتهالك على اللذَّات، ولم ترضَ يومًا عن سلوك الفتيات الفاجرات اللاتي يستبدلن رفيقَ الفراش كلَّ أسبوع؛ إضافةً إلى أنها مهذَّبة، ولا تزال مُصِرَّةً على عدم استخدام التعبير البذيء الشائع (جامدة نـ..ك)، والتعبير الأبذأ (جامدة بـعـ…ص)، مستعيضةً عنهما بالتعبير الرَّصين المحترَم (جامدة فشخ)!

قال لي ذلك في أحد أيام مارس عام 2024. لم يجمعنا لقاءٌ منذ أواخر عام 2023، وأظنُّ أن من أسباب انقطاعه عن زيارتي في برجي العاجي طوال هذه الأشهر، انشغاله بمواعدة صديقته الخَلُوقة التي ملأتْ فراغَه العاطفيَّ بقامتِها الفارعةِ التي تكاد تناطِحُ سعرَ الدولار!

لم أعقِّبْ على كلامه، فابتسم مُحرَجًا، وتململ في مقعده، قبل أن ينهض متردِّدًا، ويتوجَّه صوب النافذة المُغلَقة دائمًا. فَتَحَها فأصدرت مفاصلُها صريرًا، وأطلَّ منها لحظاتٍ، ثم عاد، وسألني مغيِّرًا الموضوع:

– برجك العاجي قريب جدًّا من أبراج الآخرين العاجية! كيف تجد بالًا رائقًا للتفكير، وأنت لا تستطيع أن ترى الأفق؟

ضحكت، وقلت له ساخرًا:

إعلان

– أُدَلِّي عينيَّ إلى السَّماء بِـ (سَلَّة) سِحْريَّة!

فهزَّ رأسه وقال مازحًا:

– ببصيرةٍ مثل بصيرتك، يمكنك أن تطلَّ على كواكب مجرة (المَرأة المسلسلة) وأنت قابعٌ في جُحرٍ، يا كاهننا الأعظم.

– ليتني أملِكُ بصيرةً كهذه يا صديقي، فأعلم الساعة والدقيقة التي ستغرق فيها الإسكندرية. لا علم عندي حتى الآن إلا بتاريخ ذلك اليوم القريب! ربما أكتسبُ مصداقيةً عند أتباع الإلـٰه الأعور ذي الشاشة الكريستالية، إنْ أبلغتُهم بموعد تلك الكارثة بالثانية والدقيقة.

واستطردتُ قائلًا:

– دعنا من هذا الآن. أنت تريد أن تتكاثر، وأن تتحوَّل من مشروع (مستأجِر) في برج عاجي (إيجار جديد)، إلى (مقيم دائم) في أحد أحياء البشر العاديين.

أومأ معلِّقًا عينيه فاقدتَيِ البريقِ بوجهي، فسألتُه:

– وتيَّمَتْك هذه الفتاة المحترَمة؟

قطَّب وقال:

– أشمُّ رائحة السخرية في كلامك!

– لا تظن بي سوءًا يا صديقي. لا تنسَ أنني من جيل قديم، ينظر إليه جيلك، كما كنا ننظر نحن إلى الدينوصورات. كان أقصى تحرُّر عندنا هو اختلاس القبلات على الكورنيش، وفي الصفوفِ المتأخِّرة في السينمات، وفي الـ…

قاطعني صائحًا:

– أنت تكذب. لستَ قديمَ العهدِ إلى هذا الحد. كما أنني قرأتُ تاريخ هذه الأمَّة بواسطة البحث في أكونتات الأصدقاء على الفيس بوك، وأعتقد أن زمنكم شهد بداية ظهور رسل التحرُّر الجنسي.

ابتسمت وقلت بهدوء:

– لا أختلف معك في شيءٍ من هذا. لقد نظر كثيرٌ من (التنويريين) في عصرنا إلى المجتمعات الغربية، فاستشفُّوا بنواظرهم القاصرة، وبواطنهم المحرومة، ورغباتهم المكبوتة، أن الفرقَ الجوهريَّ بيننا وبينهم، أنهم لا قيودَ على الجنس لديهم. فأسقطوا هذا التابوه، ولم يضعوا في اعتبارهم ضرورة التأسيس المعرفي للثائرين على التابوه، وإيجاد نَسَق أخلاقي جديد يكون بديلًا للمنظومة الأخلاقية التي شكَّكوا الناس فيها ونفَّروهم منها. فكانت النتيجة أننا تحوَّلنا من دولة متخلِّفة لا تمارس الجنس إلا عن طريق الزواج، إلى دولة متخلِّفة يمارس شعبها الجنس بجنون، وتنكَّبْنا أسبابَ التقدُّم والتحضُّر في الحالتين.

صفق بيديه متعجبًا، وقال:

– إذًا، أنت ترى أن الكبت لم يكن مشكلة؟!

هززت رأسي قائلًا:

– بل كان مشكلةً ضخمةً تنحطُّ إلى درك الجريمة. لكن سوء فهم دعاة (التنوير) لظروف المجتمع، أدَّى بهم إلى المشاركة في كارثةٍ لم يدركوا أبعادَها. إن الشخص الذي يتصلَّب البلغم في حلقه يشعر بضَيْقٍ شديدٍ، وقد يعجز عن مواصلة حياته بصورةٍ طبيعيةٍ. لقد أعطى العلمانيون المجتمعَ مذيبًا للبلغم، وظنوا أن الناس سوف يرتاحون نفسيًّا بعد أن يُعالَجوا، ويتفرَّغون للعلم والسعي إلى تحقيق النهضة؛ لكننا للأسف تحوَّلنا إلى مجرد قومٍ مغرَمين بالبَصْق، بعد أن ساعدَنَا الدواءُ على تليين بلغمنا المكبوت منذ مئات السنين! وإلى الآن لا أعرف وجه اختلافنا كمصريين في عام 2024 عن قِرَدَة البونوبو التي لا تهتم إلا بالطعام والشراب والتناكح! ربما نختلف عنهم في أننا نمارس القتل ونرتكب الجرائم الفطرية الغريزية بأدواتٍ أكثر فعاليةً وأسرع في إزهاق الأرواح. مثل طالب الثانوية العامة الذي قَتَل الشهر الماضي بمسدس مسروق، زميلَيْن له خانته معهما حبيبته في عَلاقةٍ ثلاثيةٍ! ومثل المهندس الذي قتل زوجته خنقًا بعد أن فقد السيطرة على نفسه أثناء عَلاقةٍ ساديَّةٍ، فاتَّجه مدفوعًا بنشوة القتل إلى غرفة أطفاله التي كانوا بها نائمين، وفَصَلَ رؤوسهم عن أجسادهم واحدًا في إثر الآخر! والأمثلة لا تنتهي يا صديقي. لقد تحوَّلنا إلى مسوخ. حيوانات الغابة أكثر منا انسجامًا مع أنفسها ومع الوجود. وها نحن بعد مرور نحو ربع قرن من أكثر عصور البشرية تطوُّرًا، لا نزال نتلمَّس طريق الأخلاق فلا نكاد نبصر فيه موطئًا لأقدامِنا، التي لم تعد صالحةً إلا للمشي على الطين والرَّوْث!

أشاح بوجهه عني، وقال في غضب:

– ما زلتَ تفلسف الأمور كعادتك، وتنسى في غمارِ تفكيرك في الحياة، أن تمارسَ الحياة. قل لي متى كانت آخر مرة زرتَ فيها (المنتزه)؟ هل جرَّبْتَ يومًا معانقةَ فتاةٍ أو حتى اختلاسَ قبلةٍ، حين كان اختلاسُ القبلات هو فضيلتكم الكبرى؟! هل جرَّبْتَ حتي قيادة سيارة أو دراجة، وهو سلوكٌ يفعله ما لا يُحصَى من البشر؟! تحسب أنك أفضل من المجتمع الذي تباعدت طبقاته بعضها عن بعض، وانعزل المتزمِّت منها عن المتحرِّر، وغاب جميعُها في درك الانحطاط الاقتصادي وسوء توزيع الثروة؟ تحسب أنك أفضل منَّا لأنك تحيا في برجٍ عاجيٍّ، رغم أن دخلك الشهري أقل من دخل سائق (تُكتُك)، ومؤلَّفاتك لا يقرؤها إلا أشخاصٌ معدودون تعرفهم بالاسم؟! أنت في الواقع مدفون في قبرٍ عاجيٍّ يُشبه فضلات متحجِّرة لقمرٍ يأكل نفسه!

أطرقت حزينًا، وقلت له:

– تلومني لأنني أحمي نفسي؟! أنت صديقي الوحيد، وتعلم جيدًا أنني مصابٌ بحساسية من الحياة؛ ولذلك لا أتناول منها إلا القدر الأدنى الذي يحافظ على تتابع أنفاسي! أنا أحمي نفسي في البرج العاجي ولا أتعالَى عليكم. لم أعد أطيق المشي وسط الشوارع المرصوفة بالتراب! ولا أملِك ما يمكِّنني من التسكُّع على أسفلت (العواصم) الجديدة المصقول! وُجُوه الناس تضنيني كلما نظرت إليها. التحوُّل التنغيمي واللغوي في لهجات المصريين لا أستسيغه ولا أفهمه. اتساع الفجوة بين الطبقات يفزعني. انغلاق الجماعات السلفية على نفسِها في مواجهة المد الإلحادي يُنذر بالسُّوء. عجز المجتمع عن الاتفاق على قيمٍ مشتركةٍ ونَسَقٍ أخلاقيٍّ واضحِ المعالم وطريقةٍ فعَّالةٍ للتعايش السلمي وتقبُّل الآخر، يثير جنوني. استسلام الناس لغرائزهم واضطرارهم للانشغال بدائرة (الشهادة الجامعية – الوظيفة – الزواج – الإنجاب – الإنفاق – الموت) دون نيةٍ للتفكير في جدوى الحياة أصلًا، يُصيبني بالغثيان. الإرهاب الديني والإرهاب الوطني والإرهاب (السَّرْسَجِي)، أشباحٌ تظهر لي كلَّ ليلةٍ وتتوعَّدني بالهلاك إن خطوتُ في أيِّ شارعٍ أو مصلحةٍ حكوميةٍ، وإن نشرتُ كتابًا أو مقالًا، وإن أردتُ حتَّى ملاقاة صديق قديم ترهَّلَتْ أعصابُه وعشَّشَت العناكبُ في أحلامِه. أستطيبُ البقاءَ في برجي العاجي خوفًا من تلك الأشباح. وبرغم أنني أعلم السبب الرئيس لكل هذه الكوارث، إلا أنني لا أستطيع أن أنطق، خوفًا من الانتقال من السجن العاجي إلى سجن خرساني. هذا يغيظني جدًّا، ويضيف أكوامًا من اليأس إلى أطلال روحي، ولا سيَّما بعد أن بشَّرَتْ سنة 2011 بالخلاص، وبقرب تحوُّلِنَا إلى دولةٍ حديثةٍ، قبل أن يفعل نظام مبارك معنا (الريمونتادا)! أنا لا أتعالى على أحدٍ يا صديقي، بل أحمي نفسي؛ ولكي تعلمَ أنني صادقٌ في مودَّتي لك، سوف أنصحك الآن بصدد ما حدثتَني عنه قبل قليل.

بدا متلهفًا على سماع رأيي، فصمتُّ بِضْعَ ثوانٍ، حتى اختمر شغفُه، وقلت له:

– تزوَّج الفتاةَ المحترمةَ التي اخترتَها، بشرط أن تقدر على حماية ذيل بنطال منزلك من مياه البحر!

– أفندم؟!

– وأن تهتمَّ بلياقتك البدنية أنت وزوجتك وأبنائك المستقبليين، لأن الهجرة القادمة ستكون على الأقدام وبالأطواف الخشبية.

– أفندم؟!

– وأن تعلم أن قوانين الغابة مهما بدت متوحِّشة، فقد حافظَتْ – معَ ذلك – على وجود الغابة ومخلوقاتها ملايين السنين، وإنْ لم تؤدِّ إلى ظهور موبايل يعمل باللمس!

– أفندم؟!

– ولا تنسَ يا صديقي أن تُغلق النافذة التي فتحتَها. إن بعوض الأبراج العاجية – كما تعلم – لدغاته لا تُحتمل!

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: محمد أحمد فؤاد

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.