ما هي الطريقة الأمثل لتدريس اللغات

كان أليكس رولينغ طالبًا مثاليًا كحلم لكل مدرسي اللغات. فقد أحب اللغات من عمر الثامنة، وتعلم اليونانية ثم الألمانية ثم الهولندية. واليوم يدرس في جامعة أوكسفورد. وهو الطالب الذي يتحدث أكبر عدد من اللغات بين طلاب المملكة المتحدة، إحدى عشرة لغة تحديدًا. فما سر تميزه؟

أتذكر رؤية الناس على شاطئ في اليونان وأنا طفل صغير. لم أكن قادرًا على الحديث معهم. لذا فكرت وقتها أن من اللطيف امتلاك القدرة على الحديث مع أي شخص في العالم. وهذه الفكرة لم تفارقني من حينها.

هذا ما قاله أليكس رولينغ. لكن الحماس الذي يملكه لشيء نادر للغاية.

فقد وجد بحث للأكاديمية البريطانية وجود تراجع متزايد بمهارة اللغات الأجنبية. حيث إن الأطفال لا يرغبون بتعلم اللغات خارج مقررهم الدراسي. وأن 9% فقط من التلاميذ يكملون دراسة الفرنسية بعد المقرر الدراسي، ليصلوا لمستوى متقدم.
“إننا نفشل بإلهام الناس لتعلم اللغات”، يقول أليكس. “لقد كان لديّ العديد من المدرسين منهم الجيد ومنهم السيء. لكن أولئك الذين ألهموني اعتادوا التركيز على منحي الثقة للتحدث. وبعد ذلك تابعت تطوير نفسي خارج الدرس، بمشاهدة الأفلام والقراءة والعثور على كلمات جديدة.”
لقد تطور علم أصول اللغة كثيرًا. فقد كان يومًا تكرار النحو ووسائل الترجمة يعتبر الطريقة الوحيدة للتعلم. أما اليوم فهناك طرق منتشرة في المدارس البريطانية تعتمد على إنجاز المهام. وتركز هذه الطرق على التواصل وممارسة اللغة.
تقول كويستلي بيرنارد، وهي مدرّسة للفرنسية والإسبانية في مدرسة سانت جيما الثانوية، أن هذه الطرق تسمح لها بتجاوز المنهج حيثما تستطيع. موضحةً: “بالطبع نحتاج لتعلم قواعد اللغة، لكن طريقتي في التدريس تركز على المواضيع أكثر، مع تركيز قليل فقط على النحو.”
تشمل طريقتها المعتمدة على إنجاز المهام أفكارًا تتراوح من الدروس على الحاسوب إلى الشرائط المرئية والصوتية وتعلم الحس الحركي المرتبط باللغة.
“على سبيل المثال إذا كنت ألقي درسًا عن الحيوانات الأليفة، سأجلب معي مجموعة من الألعاب على شكل حيوانات لأستعملها للتوضيح خلال الدرس”، تقول كويستلي. “بالكاد أستعمل الكتاب المنهجي. حتى أني أستعمل موقع تويتر أكثر منه.”
في أحد دروسها تطلب كويستلي من الطلبة مناقشة منشورات على موقع تويتر باللغة الفرنسية.
“هذه الطريقة تسمح لهم بالتعاون. لكنها تعطيهم إمكانية اختيار الوسيلة. ولأنهم يعرفون كيفية استخدام الحاسوب؛ فهذا يخلق منطقةً آمنةً كي يركزوا على اللغة.”
التعليم المعتمد على إنجاز المهام يحتوي فجوة معلوماتية. لذا على الطلاب أن يتشاركوا المعرفة ويتواصلوا بشكل مفيد. أو أن يبحثوا عن قواعد اللغة بأنفسهم قبل استعمالها.
يفضل هيو جارفير، وهو محاضر أقدم في كلية الإنسانيات واللغات والعلوم الاجتماعية بجامعة سالفورد، هذه الطريقة. ويقول، “نحن نعرف أن الطالب يتعلم بشكل أفضل حين يعاني ليتمكن من التواصل. لذا يجب أن يكون هذا أساسيًا في منهجنا.”
إن الهدف الأساسي للغة هو التواصل. أما النحو فليس بذات الأهمية. لكن هناك صورة أكبر للموضوع. فلم يعد ينظر للغة على أنها شيء تتعلمه عبر تمارين آلية. بل شيء يتطور عبر التواصل والتعامل مع الآخرين.”
لكن هناك مشكلة في التركيز على هذه الطرق بشكل كبير وفقًا لريتشارد هادسون، وهو أستاذ فخري لعلم اللغات في كلية لندن الجامعة. فهو يقول:

لقد نتجت ردة فعل كبيرة ضد طريقة التركيز على النحو والترجمة. فظهرت تلك الفكرة القائلة بأنك تستطيع توفير اللغة للأطفال غير الأكاديميين عبر التواصل. لكن بدلًا من أن يستبدلوا الطريقة فحسب، تخلصوا من الأطفال كذلك.
إن الأمر غير عادل. فلا يمكن أن تضع على عاتق طفل مهمة العثور على القواعد النحوية بنفسه.
ما نتحرك نحوه هو تعليم يهدف لأن يتحدث المتعلمون اللغة بطلاقة. وفي الوقت نفسه يدركون الواقع بالتركيز أكثر على تعليمهم كيفية عمل اللغة.

إذن هل يكمن سر تعلم اللغات بالدمج بين الطريقتين؟

درس مايكل إيرارد متحدثي اللغات العديدة أو ما يعرف باسم “hyperpolyglots” في كتابه “لم يعد إنجيلًا”. حيث يذكر أنهم استعملوا طرقًا متنوعة تركز على إنجاز المهام. سواء كانت تواصلية أم تتعلق بالترجمة. لكن ما يوحدهم هو كيفية تعلمهم للغة. فكل منهم قد عثر على طريقة تناسبه. فلا يوجد وصفة سحرية أو طريقة مثالية يمكن لأي منا الاعتماد عليها.

كما تقول لوكا لامباريو -وهي مستشارة لغوية وتتحدث اثنتي عشرة لغة-:

“الطريقة الأمثل لتعلم اللغات هي الطريقة التي تفضلها. لا يمكن تعليم اللغات بل يجب تعلمها. أي أن أفضل طريقة تكمن في إخبار الطلاب بأنهم مسؤولون عن عملية التعلم. وأن دور المدرس الأساسي هو الإرشاد والتشجيع.”

أما ريتشارد سيمكون -وهو أحد أكثر متحدثي اللغات في المملكة المتحدة؛ فقد درس أكثر من ثلاثين لغة ويتحدث عشرين منهم جيدًا- فيقول: “بدأ اهتمامي باللغات بعمر صغير. وعادة ما أجد كتابًا تعليميًا مناسبًا لي، ثم أحاول العثور على مواد أخرى أهتم بها مثل برامج التلفاز وشرائط الفديو والموسيقى والمواقع الإلكترونية كمصادر إضافية.
لا يرى العديد من الطلاب العلاقة بين هذه الأشياء والتعلم. لذا يجب أن نوضح ذلك لهم في الدرس. أرغب برؤية طرق تدريسية تساعد الطالب على إدراك حقيقة تحدث لغة ما.”
ورغم أن البريطانيين معروفون بكسلهم حين يتعلق الأمر بتعلم اللغات الأجنبية، إلا أن المشكلة قد تكمن جزئيًا في عدد الساعات التي يقضيها التلاميذ بتعلم اللغات.
“إن اطفالنا يقضون نصف الوقت الذي يقضيه تلاميذ الدول الأوروبية الأخرى في تعلم اللغات”، يقول الأستاذ هادسون.
كما يظهر تقرير المفوضية الأوروبية لعام 2007 أن المملكة المتحدة تحتل المرتبة الأخيرة بتعداد اللغات التي يتم تعليمها في الدول الأوروبية.
لقد تقرر تحسين المناهج الوطنية السنة القادمة؛ كي يتم تدريس اللغات الأجنبية من عمر السابعة. وهذا قد يساعد المملكة المتحدة بتحسين موقعها في تقارير مشابهة. لكن الطريق ما يزال طويلًا للحاق بدول أوروبا الأخرى. حيث تظهر الإحصاءات بأن أطفال الدول الأوروبية الأخرى يبدؤون بتعلم اللغات بين عمري الثالثة والسادسة. وأن الكثير منهم يبدأ بعمر أصغر حتى.
في بلجيكا مثلًا يبدأ الاطفال تعلم اللغات بعمر ثلاث سنوات، ويستمر بشكل إجباري حتى الثامنة عشرة. بينما في إسبانيا وإيطاليا والنرويج فيبدأ بعمر السادسة. وعلى بعض الطلاب في لوكسمبورغ تعلم أربع لغات في التعليم الثانوي.
تقول تشيستل بيرنارد أن طرق تدريس اللغات في أوروبا ما تزال تعتمد على دراسة النحو. لكن إدراك أهمية اللغات في عمر لاحق تشجع الطالب على التعلم. وتوضح بالقول: “إذا لم نسعَ لمعالجة الجانب المهني للمسألة فلن يدرك الطلاب أهميته.”
ومع كل الطرق التي يوفرها علم أصول اللغة، قد يبقى التعليم متعثرًا في المملكة المتحدة بسبب عدم فهم الطلاب للغتهم الأم.
يقول أليكس رولينغ معلقًا على الموضوع: “يقضي الطلاب في الكثير من الدول الأوروبية وقتاً أطول في دراسة القواعد النحوية للغتهم الأم بعمر مبكر. وفي الوقت الذي يصلون فيه إلى تعلم لغة أجنبية يكون وعيهم قد تكيف للشروط وكيفية استعمالها.”
ويقول الأستاذ هادسون موافقًا: “إن الاعتماد على إنجاز المهام التواصلية والمنهجية عند دراسة اللغات الأجنبية يعود بالأساس لعدم قدرة الأساتذة على شرح القواعد النحوية. فهي لم تعد تدرس باللغة الإنجليزية. إن الموضوعين مترابطان بشكل وثيق.”

مصدر المقال

إعلان

إعلان

أفادك المقال؟ شاركنا رأيك في التعليقات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.

فريق الإعداد

إعداد: دعاء كريم

تدقيق لغوي: أبرار وهدان

اترك تعليقا