تأخذك إلى أعماق الفكر

ماذا سيحدث لصوتك إذا توقفت عن الكلام؟

ماذا لو استيقظت يومًا ما وقررت فجأة أنك ستتوقف عن الكلام! ليس ليوم واحد أو حتى لأسبوع، ولكن لمدة عشرين سنة مثلًا! كيف سيتأثر جسمك؟ وما هو التأثير على عقلك؟

قبل أن نبدأ، من المهم التوضيح أننا نتحدث هنا عن آثار صمت طويل الأمد مفروض ذاتيًا، وإن الإقلاع المتعمد عن الكلام يختلف اختلافًا جوهريًا عن الظروف المرضية التي تؤثر على قدرتنا على الكلام كما في اضطرابات Dysarthria و Dysphonia و Aphonia وهي اضطرابات يمكن أن تعزى إلى إصابة الدماغ، أو إلى خلل في الجهاز العصبي أو ضعف العضلات التي تساعد على إنتاج الكلام.
وإنما من أجل مقالنا سنفترض أن شخصًا يتمتع بصحة جيدة واختار بإرادته -ولأي سبب كان- أن يتوقف عن الكلام.

ما هو الصوت ؟

يعتمد الصوت، أو إنتاج الكلام، على تنسيق معقد للعديد من الوظائف والأجهزة العضوية في الجسم، ومن الأسهل أن تفكر فيه كعملية تعتمد على التسلسل… تبدأ في دماغك، وتنتقل عبر صندوق الصوت، وتنتهي في تجاويف الحلق والفم والأنف… وإن التشوه في أي جزء من هذه السلسلة سيظهر (سيُسمع) عند نهايتها “أي عند خروج الصوت من الفم”

عندما سُئلت المغنية باربرا سترايسند (المشهورة بقدراتها الصوتية المثيرة للإعجاب وأيضًا بشكل أنفها الطويل!) عما تعتقد أنه يجعل صوتها فريدًا جدًا، عزت ذلك إلى التحوير الصوتي الناتج عن الانحراف في حاجزها الأنفي، وقالت: لو كان لديّ أنف صحيح لكان من شأنه أن يدمر مسيرتي المهنية!

إعلان

ولكن الأهم من الأنف هو الحبال الصوتية والتي تُعرف أيضًا باسم الطيات الصوتية وهما حاجزان (حزامان) من العضلات الملساء مقابلان لبعضهما البعض في الحنجرة “صندوق الصوت” وعندما تقرر أن تتحدث، فإن دماغك يرسل إشاراته لتلك الحبال الصوتية فتلتصق ببعضها بحيث يتم دفع الهواء من الرئتين بينهما بواسطة الحجاب الحاجز الخاص بك “وهو عضلة موضعية أسفل رئتيك” وهذا يسبب الاهتزاز في الحبال الصوتية…. كما في الصورة المتحركة:

تنتج هذه الاهتزازات صوتًا يتم تشكيله بواسطة تجاويف الحلق والأنف والفم قبل أن تغادر جسمك، ويتم تحديد درجة صوت وحجم ونغمة صوتك من خلال قوة وحجم وشكل الحبال الصوتية، والقوة التي يتم إصدار الهواء من خلالها، وحتى شكل التجاويف .

يقوم المغنون بتدريب العضلات المطلوبة للغناء بشكل جميل بنفس الطريقة التي يدرب بها لاعب القوى العضلات اللازمة لبناء جسمه، فإذا كان الاستخدام المكثف والتمرين والتدريب يمكن أن يزيد من قوة العضلات وحجمها وشكلها وطريقة استخدامها وقيادتها، فإنه من المنطقي أن يكون للإهمال تأثير معاكس، فإذا استيقظت غدًا وقررت ألا تتحدث للسنوات العشرين القادمة ثم استئناف الكلام لاحقًا في حياتك، فمن المنطقي أنك سترى بعض الاختلافات.

عضلاتك الصوتية متعددة الوظائف

لم نتمكن من الحصول على أي دراسات فحصت التأثيرات الفيزيولوجية طويلة المدى للتوقف عن الكلام الطوعي، لذلك تحدثنا مع بعض الخبراء بدلًا من ذلك، وعلى الرغم من أن أيًا منهم لم يتمكن من إحالتنا إلى بحث تمت مراجعته إلا أنهم كانوا لطفاء بما يكفي لإخبارنا بتكهناتهم بشأن الأمر.

عندما سألنا كاتي بلاتنر الأخصائية في علم لغة الكلام في منطقة لوس أنجلوس ، ماذا سيحدث لصوتك إذا توقفت عن الكلام طواعية؟ كان جوابها : “ربما لن يحدث الكثير” والسبب بحسب قولها يتعلق بحقيقة أن معظم العضلات التي نستخدمها للتحدث اعتادت مع الوقت على وظائف أخرى غير الحديث، فنحن بحاجة إلى الحجاب الحاجز للتنفس، والعضلات التي نستخدمها لفتح وإغلاق حبالنا الصوتية تدخل في كل شيء، من السعال إلى تصفية صوت المرء إلى البلع، إلى غيره…

وتشرح قائلة: “قد تصبح لديك مشكلة في التحكم الصوتي، فقط لأنك ابتعدت عن ممارسة الكلام، ولكن غالبًا ستكون حبالك الصوتية في حالة جيدة، فهي لا تعاني من الضمور كغيرها من العضلات لمجرد التوقف عن الكلام”.

ويدعم رأي بلاتنر النظري هذا قصصًا مثل قصة “تيري واليس” التي استيقظت في عام 2003 من غيبوبة دامت 19 عامًا (لم تتحدث خلالها إطلاقًا) ، وتمكنت من قول كلمات مثل “أمي. بيبسي. حليب” , فإذا كانت ألسنة الوالز الصوتية قد أضعفتها نوبة الصمت التي استمرت 19 عامًا، فإنها كانت لا تزال قوية كفاية لطلب المرطبات!
وقد لوحظ أيضًا الانتعاش الصوتي في المرضى المصابين بفقدان الصوت النفسي (وهو شكل غير مفهوم من اختفاء الصوت يحدث عادةً في المرضى الذين يعانون من مشاكل نفسية كامنة)

تقول بلاتنر: “اعتمادًا على علم وظائف الأعضاء، سأقول إن التأثير الوحيد قد يكون انسدادًا محتملًا، أو ربما إرهاقًا صوتيًا عندما تبدأ بالحديث مرة أخرى بعد انقطاع” وتضيف: “ما أعنيه تقريبًا أنك عندما تقوم بركوب الدراجة للمرة الأولى منذ سنوات فأنت ستعاني نوعًا ما، ولكن يمكنك القيام بذلك، ويمكنك إعادة إتقان ذلك بطريقة أسرع مما لو كنت تتعلمه لأول مرة… لذلك قد تصبح طريقة كلامك في البداية مضحكة قليلًا لكنها ستعود طبيعية فيما بعد.

أما بالنسبة للإجهاد الصوتي (شعورك بتعب بالحنجرة بعد الكلام) تقول بلاتنر إن ذلك قد يكون القضية الأكبر فإن إحدى فوائد التمارين الصوتية اليومية هي مقاومة متطورة للتوتر الذي تعانيه أنسجة صندوق الصوت أثناء نوبات الغناء أو الحديث المطولة.

حتى إذا كان البلع، والسعال، والتقلص يحافظ على تذبذب صوتك، لكن من الممكن أن يؤدي الحد من استخدام هذه العضلات إلى جعلها أكثر عرضة للإرهاق…. وهو أمر يمكن تدريبه من خلال التحدث (وحتى أكثر من خلال الغناء).

التغييرات في الدماغ

ماذا عن التغييرات العصبية – هل يمكن أن يؤدي عدم الكلام إلى تكيف الدماغ مع هذا الحال ؟

وفقا لبيجان بيساران (الأستاذ المشارك في مركز العلوم العصبية بجامعة نيويورك وخبير في دور الدماغ في الكلام) فالموسيقيون ذوو المهارات العالية يملكون باحات تمثيل عصبي موسعة من أجل معالجة تطور مهاراتهم، الرياضيون أيضًا يملكون باحات تمثيلهم للإدراك المكاني.

وإن قدرتنا على الكلام والتحدث بشكل جيد لا تختلف عن المهارات المتطورة، فاستخدام الأجزاء المخصصة للكلام في الدماغ سيجعلها أقوى وإهمالها سوف يجعلها أضعف.
يتابع بيساران: إذا كنت غير قادر على استخدام وظيفة جسدية، أو اخترت عدم استخدامها، فمن الممكن أن تعاني من انكماش في مناطق الدماغ المرتبطة به، وهذا يختلف عن نوع “انكماش الدماغ” الذي يأتي مع الشيخوخة على سبيل المثال … فالكلام هنا عن عدد الخلايا العصبية المتوفرة والمتخصصة في أداء مهمة محددة…. فإذا توقفت عن الكلام، فسيصبح عدد الخلايا العصبية النشطة -أو التي يمكن أن تكون نشطة- لعملية التحدث أصغر حجمًا، وستصبح الخلايا العصبية التي كانت تنشط في وقت ما من أجل الكلام محجوزة للقيام بأشياء أخرى!
الأمثلة الأكثر لفتًا للنظر لهذا النوع من إعادة التنظيم العصبي تحدث عندما يتم قطع الأعضاء الخاصة لوظيفة معينة تمامًا…. فإذا فقدت إصبعك على سبيل المثال، فإن التمثيل العصبي للأصابع المجاورة يكبر… وهذا هو أحد الأسباب التي تجعل الأشخاص المكفوفين يتمتعون بحاسة صوتية ممتازة.

لكن بنفس الوقت، من البديهي أن نفترض أن إعادة التنظيم العصبي التي يختبرها شخص يختار عدم التحدث ستكون أقل أهمية من شخص غير قادر على الكلام -سواء كان بسبب إصابة الدماغ أو تلف الأعصاب-، فحتى لو توقفت عن الكلام، فلن يتوقف الاستماع إليه من الغير ومن المحتمل أن تتقلص المناطق التي تتحكم في القوة المحركة للعضلات، والأخرى التي تسهل إنتاج الكلام والأشخاص الذين يتمتعون بإدراك حسي جيد وتفاعل مع الوسط المحيط ربما لن يتغيروا كثيرًا خاصة إذا كانوا يعيشون حياة اجتماعية طبيعية.

إعلان

مصدر مصدر الترجمة
فريق الإعداد

إعداد: بشار منصور

تدقيق لغوي: ندى حمدي

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.