تأخذك إلى أعماق الفكر

لغة الأرض .. هل تنتج اللغة من العقل؟

هل تنتج اللغة من العقل؟ النظرية الرومانسية تقول خلاف ذلك: تأتي الكلمات من الكون الذي يعبّر عن روحها

في حوار ضمن مهرجان هاي (Hay festival) المنعقد في ويلز في شهر أيار من هذا العام، ذكر الشاعر الإنجليزي سيمون أرميتاج ملاحظةً لافتةً للنظر. وفي معرض مناقشته لطبيعة اللغة وقدرتها على وصف تجارب الحياة، قال: “أشعر أن الكثير من اللغة التي نستخدمها، خصوصًا لغة الشعر، تأتي مباشرةً من الأرض”. كان أرميتاج يضع نفسه ضمن تفسيرات التقاليد الرومانسية لأصول اللغة التي تجادل بأن الكلمات والقواعد ليست مجرد اختراعات عشوائية لأدمغة البشر وعقولهم، ولكنها بطبيعتها ذات صلة بالبشر والكون نفسه. اللغة هي مدخلٌ ممتازٌ لفَهم الكون، لأن اللغة تنبع من الأشياء التي تصفها.

وانطلاقًا من طبيعة عمله كلغويّ، أيَّدَ الفيلسوف الإنجليزي أوين بارفيلد -عضو في أكسفورد إنكلينجس وهي مجموعة نقاش أدبية غير رسمية مرتبطة بجامعة أكسفورد في الثلاثينات والأربعينات- الاعتقاد الرومانسي، ويُجادل بأن الكلمات لها روح وتمتلك حيويةً تعكس الحياة الداخلية للعالم، وأن هذا الرابط الذي تعبّر عنه جميع أشكال اللغة ضمنيًا هو مصدر قوتها. ويمكن القول أن الشعراء أكثر انتباهًا لذاك الرابط كونهم يدركونه ويسعون لإظهاره.

إنها نظرةٌ ثاقبةٌ ذات دلالات جوهرية على نظريات حول أصل اللغة، ويعود ذلك في المقام الأول لكون الفرضيات السائدة في العلم الحديث تعتبر الكلمات مختلفة من ناحية كونها علامات بلا روح تعمل كتسميات للأشياء والرموز التي تسهّل الفهم الإدراكي. يلخّص عالم النفس التطوري الإنجليزي روبن دونبار النهجَين الرئيسيين: “من الناحية التاريخية، كان الإجماع هو أن اللغة تطورت للسماح للناس بتبادل المعلومات الواقعية حول العالم المادي، لكن ثمة وجهة نظر بديلة هي أن اللغة تطورت -على الأقل عند البشر المعاصرين- لتحسين الروابط الاجتماعية”. باختصار، ظهرت اللغة كما نعرفها بسبب ما يمكن أن تقدمه للنوع البشري من منافع. كما زادت من فرص أسلافنا في البقاء على قيد الحياة بتمكينهم من الصيد بشكل أكثر نجاحًا أو التعاون على نطاق أوسع؛ كون اللغة تعني أن الأمور يمكن تفسيرها وأن الخطط والخبرات السابقة يمكن مشاركتها بكفاءة.

ومع ذلك، فإن هذه المنافع لا علاقة لها بروح الكلمات، خصوصًا عندما تعزو الكلمات الشخصيات أو الأشياء إلى ظواهر، مثلًا بوصفنا الرياح بأنها “عليلة” أو الجبال بأنها “شامخة” فإنها لا تعكس الحياة الداخلية للعالم ولكن تفتعل ذلك. إذ أن مثل هذه الاستعارات تضيف لونًا
للحياة لكنها خياليةٌ ومخترَعةٌ في الأساس، وكثيرًا ما تؤدي إلى استنتاجات خاطئة عن الواقع حتى لو افترضنا أن الريح هي روح أو أن جبل هو إله. ويعد المؤرخ الإسرائيلي يوفال نوح هراري من أبرز المدافعين عن هذا الرأي قائلًا: “السمة الفريدة حقًا للغتنا هي القدرة على نقل المعلومات حول الأشياء التي لا وجود لها على الإطلاق”، كما يذكر في كتابه الأكثر مبيعًا “تاريخ الجنس البشري المختصر”: “إنّ القدرة على التحدث عن أحداث خيالية هي الميزة الفريدة من نوعها للغة البشرية”. وانطلاقًا من وجهة النظر هذه، فإن اللغة لا تأتي من الأرض بل من العقول البشرية.

ويدَّعي كلٌّ من دانبار وهراري ما يمكن أن يُطلَق عليه “الفرضية الإيمائية” عن أصل اللغة. تشير هذه الفرضية إلى شيء من هذا القبيل؛ إنَّ البشر الأوائل أو ربما أسلافنا القدامى بدؤوا يشيرون إلى الموز أو الأُسود ويطلقون أصوات عشوائية، والتي أصبحت فيما بعد علامات، في عملية مشابهة لمختبرات تدريب الشامبنزي على علامات مثل “حذاء” أو “تناول الطعام” ليصبح قادرًا على التعرف عليها بعد تدريبات تدريجية وعلى مدى سنوات عديدة.

إعلان

ثم ومع استمرار البحث في هذه الفرضية، كانت هناك ثورة معرفية أو “قفزة كبيرة إلى الأمام” كما يسميها عالم الأنثروبولوجيا الأمريكي جاريد دياموند في كتابه “أسلحة وجراثيم وفولاذ”. مما أدى إلى امتلاك الدماغ الورقة الرابحة في القضية، الأمر الذي أحدث نقلةً في الطريقة التي ننظر فيها إلى تطور بعض العلامات، لتصبح أكثر ارتباطًا بتفاصيل الكلام وقواعد اللغة. مما سهَّل سلامة اللغة  لتساهم في عمليات مثل: حل المشاكل، والبقاء على قيد الحياة، والتصرفات العملية. كان ذلك مثل إعطاء العقل الأولوية والقوة بحسب ما قال العالم المعرفي الكندي-الأمريكي ستيفن بينكر في كتابه غريزة اللغة (1994).

بعد مرحلة القواعد، جاءت الاستعارة في فترة يطلق عليها أحيانًا “مرحلة الاستعارة” حيث بدأ الدماغ البشري النامي في تحقيق دلالات وهمية من الكلمات التي أوجدها للأشياء المادية، وفي استخدامها لتسمية المشاعر غير الملموسة، وتباعًا، في تشكيل الحقائق الروحية غير المادية. حيث يبدو الأمر كما لو أن مجموعة كبيرة من شعراء ما قبل التاريخ عملوا سويّة من أجل استحداث دلالات إبداعية تنتشر في جميع أنحاء العالم.

إن الخيال في هذه المرحلة هو جزء أساسي من النظرية الإيمائية، التي تفترض بشكل عام أن البشر الأوائل كانوا مؤمنين بالخرافات إلى حد كبير، ولذلك قاموا باختلاق قصص خاطئة حول طبيعة الواقع. فهم ظنوا أن الرياح كانت أرواحًا، أو الجبال كانوا الآلهة، ويُفترض أنهم قاموا بربط هذه الدلالات معًا من خلال أحلام اليقظة والأوهام، والتي في كثير من الأحيان ساعدتهم على البقاء على قيد الحياة إذ أنه من الأفضل الاعتقاد بأن الأوراق في البستان تتحرك بسبب وجود شيطان ومن ثم الفرار، بدلًا من عدم الفرار والتعرض لخطر حيوان مفترس قد يكون حرّكها. يفسر هذا النوع من الافتراضات كيف أن معنى كلمة pneuma في اللغة اليونانية القديمة “روح” و”ريح” وأحيانًا “نَفَس”؛ فاشتراك الكلمات في معنى واحد أمرٌ شائع في اللغات القديمة.

وأخيرًا جاء دور الأدب؛ عندما تم تخصيص الكلمات لتعبر بشكل رئيسي عن مشاعر الإنسان وحالته النفسية. هذه هي الحالة الأكثر دراماتيكية التي نعرفها عن تلك الظاهرة الاستثنائية المسماة “الوعي”، والتي انبثقت بطريقة ما عن كون غير واعٍ.
من الجدير بالذكر أن العديد من تفاصيل المسار المتّبَع من قبل هذا النوع من تطور اللغة يحظى بمنافسات عديدة مع بعض الذين يعملون في المجال، معترفين جميعهم بأن أصول اللغة في الحقيقة تظل غامضةً مثل أصول الحياة. لكن لا يزال هناك افتراض واسع الانتشار أن الكلمات واللغة ظهرتا في مسار تطوري، على الأقل مثل ما تشير إليه الإيمائية أو أي شيء من هذا القبيل.

تشير النظرية الرومانسية إلى مسار بديل. حيث يجادل مؤيدوها (الأقلية المعترَف بها) بأن الفرضية الايمائية لا تضيف شيئًا نظريًا وأن الكثير من الأدلة تقف ضدها. فهنالك اعتراض منطقي واضح: إذا كانت اللغة في الأصل وسيلة للتحدث عن الخيال، من الذي يقول إن ما نتحدث عنه الآن -بما في ذلك العلم- ليس في حد ذاته كذبة تفصيلية؟ وبالتالي، فإن العلم لا يعد فعالًا لأنه صحيح، بل لأنه يوفر للمجتمع التكنولوجي خطابًا مشتركًا يسهل الارتباط الاجتماعي والبقاء على قيد الحياة من خلال المنتجات. باختصار، إذا خُدعنا بخصوص أصل اللغة فسوف يفيض العلم بالأوهام أيضًا. أو بعبارة أخرى، فإن النظرية الايمائية تضر بالأساس الذي تستند عليه.

اكتشف بارفيلد في عمله كعالم لغوي، أن الكلمات في أصلها لا تشير أبدًا إلى الأشياء المادية وحدها أو تعمل كرموز عشوائية. فلم تتواجد  “مرحلة الاستعارة” في اللغة، وقد يعود ذلك لحقيقة أن الكلمات لم تكن جرد علامات بل نتاج الإيماءات والهمهمات. تبدو الكلمات وكأنها امتلكت كل من المعاني المادية والداخلية، وكان لديها مهمة شعرية متأصلة أيضًا. وقد كتب بارفيلد في كتابه “إعادة اكتشاف المعنى” : “لم يلاحظ الإنسان الأول الطبيعة بالطريقة المنفصلة التي ننظر بها الآن. لقد كان جزءًا من عملياتها الداخلية والخارجية قلبًا وقالبًا”. كما وأنه ليس العالِم الوحيد الذي لاحظ ما سبق؛ حيث أيّده مفكرون آخرون مثل الأمريكي رالف والدو إمرسون – المُؤيِّد للفلسفة المتعالية- والفيلسوف النفعي  جيريمي بينثام.

فلخّص بنثام الأمر كما يلي في مقاله عن اللغة المنشور بعد وفاته (1843): “في جميع أنحاء مجال اللغة، بالتوازي مع ما يمكن أن يطلق عليه اللغة المادية يوجد خط يمكن أن يسمى لغة غير مادية. فلكل كلمة أصل غير مادي حيث تنتمي، أو على الأقل أصل آخر مادي”.
كلمة Pneuma تعتبر مثالًا على كلمة قديمة كان لها في الأصل معنى مادي وغير مادي. لكن ضع في اعتبارك مثالًا آخر: الكلمة القديمة جدًا “القلب” – cardium في اللاتينية، kardia في اليونانية وما سبقها.  فلهذه الكلمة في عصرنا الحاليّ معنيان مختلفان؛ أحدهما يشير إلى عضو مادي، شبيه بمضخة ويوجد على الجانب الأيسر من تجويف الصدر، والآخر يشير إلى الشعور، كما هو الحال في قولنا “القلب الدافئ”، “القلب البارد”، “القلب الرقيق”، “القلب القاسي”.

وتدّعي الفرضية الإيمائية أن المعنى الثاني مجازي أو وهمي، أي أنه إضافة لاحقة للمعنى المادي الحرفي للكلمة. ولكن ما تشير له الأدلة هو خلاف ذلك؛ فالمعنى الذي يشعر به الإنسان قديم قِدم الكلمة نفسها؛ لأنه بحسب الاستخدام القديم لا يعتبر القلب كمضخة ولكن كمصدر للعواطف، بينما يعتبر المعنى الميكانيكي -والمعروف هذه الأيام-  نتيجة لاحقة؛ إذ لم يُعرف القلب كمضخة حتى أوائل القرن السابع عشر، وذلك بعد اكتشاف الطبيب الإنجليزي وليام هارفي للدورة الدموية (الذي أصرَّ على اعتبار القلب عضوًا روحيًا).

وبالتالي، فإن الكثير من الأدلة تشير إلى أن تطور اللغة يسير في الاتجاه المعاكس للفرضية الإيمائية، وهذا لا ينفي وجود معانٍ ضمنية منذ البداية، فهذا أمر منطقي بطريقة أخرى لأنه إذا أيدنا التاريخ اللغوي لتحول الدلالات الحرفية إلى تعبيرات مجازية وهمية، فقد نتوقع أن نجد أساليب استعارة أقل في أعمال هوميروس – المؤلف الأسطوري للإلياذة والأوديسة وهي قصائد ملحمية ذات قيمة هامة في الأدب اليوناني القديم- وأساليب استعارة أكثر في أعمال فرجينيا وولف – كاتبة إنجليزية وواحدة من أيقونات الأدب الحديث للقرن العشرين ومن أوائل من استخدم تيار الوعي كطريقة للسرد- وهارولد بينتر – الكاتب المسرحي البريطاني ذو اسلوب يتسم بالغموض – لكن هذا ليس صحيحًا.

ويمكن دحض هذا الرأي المُخالف؛ فمن الصعب العودة أكثر من بضعة آلاف من السنين لتتبع تطور الكلمات مباشرة. ولكن ثمة سبب آخر يمكن أن يساهم في رفض الفرضية الإيمائية؛ وذلك من خلال إدراك طبيعة الاستعارة، فيُلاحَظ عدم وجود فائدة مرجوّة من وجود تشبيه أو استعارة ذات معانٍ دلالية أو إيحائية لشخص واحد فقط. لنقل مثلًا أنني أريد تشبيه حبيبتي بالباذنجان، فسيبدو ذلك وكأنني أتحدث عن هراء؛ الأمر الذي لن يحدث إذا قارنت حبيبتي بالقمر. وهذا يعني أنه إذا كانت الاستعارات في أصلها مجرد أوهام في دماغ شخص واحد -وبالتالي تكون فوضوية ومحدودة- كيف يمكن أن يقوم باقي الأفراد بإدراكها؟ بالإضافة إلى أننا لو افترضنا أنها كذلك، فعندئذٍ سنكون جميعًا نتحدث بلغاتنا الخاصة.

إعلان

مصدر مصدر الترجمة
فريق الإعداد

إعداد: أفنان أبو يحيى

تدقيق لغوي: أبرار وهدان

تدقيق علمي: راما ياسين المقوسي

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.