تأخذك إلى أعماق الفكر

لا تفهمنا بالغلط يا بابا!

الساعة جاوزت السابعة مساءً. لم تُظلِم الدنيا تمامًا، فنهار يونيو يطول عن ليله. وصل أحدهما بالفتاة إلى شقة صاحبه المنتظر، أوالمملوكة لوالد صاحبه. الأمر سيان، فالشقة باقية أصلًا لأجل الابن. تنفّس الأب الصعداء بطرد المستأجر بعد نزاعٍ طويلٍ أمام القضاء ومماطلات من المستأجر المتمسك بالعقد القديم وأجرته البَخْسَة، لكنه لم يبعْ الشقة أو يؤجّرها إيجارًا جديدًا نزولًا على رغبة ابنه فى أن يبقيها له يذاكر فيها سنته الجامعية النهائية بعيدًا عن صخب أخواته البنات الأربع الصغار. طلبات الولد الوحيد المدلَّل أوامر. كان الله في عونه، فالكلية ثقيلة وأخواته لا يتركونه ساعة على بعضها يذاكر فيها. هكذا أوحت أمه إلى أبيه، وما لبث الأب أن وافق وإن تحفظ على فكرة المذاكرة الجماعية، لكن سرعان ما أقنعه الفتى أنَّه لا يصطحب إلا زميلًا واحدًا مجتهدًا مثله.

الولدان يذاكران فعلًا ويحرزان تقديرات مرضية. لكن الحياة ليست كلها مذاكرة، فهما يقضيان أيامهما بمبدأ ساعة للكتاب وساعات للنفس تذهب في إشباع شغفهما بمباريات كرة القدم في تليفزيون القهوة المجاورة للشقة، وفي إرضاء غريزتهما بأفلام البورنو على الإنترنت. شهر يونيو شهر امتحانات، فتطوَّر المبدأ إلى ساعات للكتاب وسويعات للنفس.

جذوة الشهوة تتوقد ولم تعد الأفلام نافعة في تهدئتها. الحل في فتاة. الشقة موجودة والوضع مهيأ. ضميرهما يؤرِّقهما. مشاهدة الأفلام الإباحية والاستمناء ليسا كالزنا، لكن تدينهما الرخو ابتلع العرض الشيطاني. نحن في أيام امتحانات وقد يحل علينا غضب الله ونسقط. عصينا قبلًا ومع ذلك نجحنا. لكننا لم نزنِ. كلاهما ذنب، العبرة بالمذاكرة والتوكل على الله، ونحن نذاكر بجد ولن يضيع الله لنا تعبًا. وهكذا فُنِّدت هذه الحجة هي الأخرى، وانعقد العزم خاصة مع الخوف من فوات الفرصة، فبقاء الشقة رهين بالدراسة، فإذا ما انتهت الامتحانات قد تباع أو تُؤجَّر.

رغم تمكنهما في موضوع الأفلام ومن قبله اقتناء المجلات، كانت خبرتهما صفرًا في مجال المومسات. من يسأل لا يتوه. لكن لماذا نذهب بعيدًا؟ الحل في بائعة اللب. في الميدان الصغير الواقعة به الشقة كان ثمة فتاة تفترش موقعًا لبيع اللب والسوداني والترمس. شابة في عشرينياتها. الجميع يعرفها ولا سيما الشباب. أبوها ميت وتتولى هي وأخواها عاملا اليومية الإنفاق على أمهما المريضة صاحبة الفرش بعد أن تقاعدت تاركة الفرش لابنتها.

نُسِجت الحكايات حول البنت. خطبتها تفشل دائمًا. قيل إنها كانت حاملًا وأجهضت. كثيرٌ من شباب المنطقة لهم مغامرات معها، لكنهم ينفون المواقعة. لم تكن جميلة ولا قبيحة. لكنها بيضاء فارعة بجسد متفجر المفاتن ونظرات ناعسة مغرية. سريعة الاستجابة، فلم يكن من الصعب أن تصاحبها، مصاحبة تمتد إلى ترك جسدها للمعابثة بدون مقابل!! عز الطلب. الموضوع سهل جدًا. لن نضطر إلى مضيعة الوقت بالبحث في سوق الزائرات وما قد يجلبه من مشكلات. لكن ثمة مشكلة أثارها ابن صاحب الشقة: ماذا لو علم أبوه المتدين؟ يا خبر أسود. سيقلب الشقة فوق رأسه؛ لكنها محلولة، الفتاة معتادة أن تقضي طلبات لسكان العمارة، فلن تلفت الأنظار إذا ما أحضرت إليهما بالشقة. أما البواب الشاب فهو سمسار عقارات ويغيب عن العمارة لساعات طويلة من بعد المغرب في أعمال السمسرة وليست له زوجة، فلنحضرها بعد المغرب مباشرة ما إن يغادر البواب.

إعلان

***

انصرف المصلون من صلاة العشاء. خرج الرجل الخمسيني الممتلئ ذو اللحية والشارب المشذبين من المسجد ممسكًا مسبحته وطفق لسانه يلهج بالأذكار، وتوجه إلى مطعم الفول والطعمية المجاور. خمسة فول وخمسة طعمية والنبي ولا تنس المخلل. الشقة ليست جديدة. ومع هذا سرى الرضا في نفسه عن موقعها. مرافق وخدمات كثيرة اجتمعت بالقرب منها في هذا الميدان. مسجد ومطعم ومخبز وصيدلية وسوبر ماركت. الحمد لله. دقائق واستلم طلبه، وانصرف بكيس السندويتشات في يسراه والمسبحة في يمناه، ومضى إلى الشقة معاودًا الذكر والتسبيح.

***

في حجرة النوم الوحيدة استلقى الصديق بجسده الطويل النحيل عاريًا فوق السرير واضعًا ساقًا فوق الأخرى بعدما قضى وطره مع بائعة التسالي. انخسف بطنه الضامر وبدا شعر عانته كثيفًا. الفتاة في الحمام المقابل تزيل آثار اللقاء وتتجدد استعدادًا للوصلة الثانية مع ابن صاحب الشقة. ما إن خرجت الفتاة حتى اندفع صاحب الدور متجردًا من ملابسه إلى الغرفة. اضطجع على جانبه بجوار صاحبه ومدد جسده المتوسط قامة وبنية فتدلت بطنه على السرير، وأخذ يسأله بشغف عما فعل، والآخر يجيبه مبتسمًا في فتور بنفس لاهث وعرق متصبب إثر ما بذله من جهد وبسبب ما يتشبع به الجو من حر ورطوبة.

***

الرجل يصعد سلالم العمارة في سكينة وما انفك لسانه يذكر الله حتى وصل إلى الشقة بالدور الثالث. ضغط الجرس حتى يعلم من بالداخل رغم أنَّه صاحب البيت، فهكذا تعلم من الشيخ في البرنامج التليفزيوني. تذكر عطل الجرس فبحث عن المفتاح في ميداليته حتى وجده وفتح الباب. الصالة مضاءة وخالية. ثمة كتب كثيرة ودفاتر مبعثرة فوق منضدة السفرة. ملابس مخلوعة فوق الأنتريه.  فكر ربما أنهى ابنه وصاحبه مذاكرتهما وانصرفا، فنظر بأسف إلى كيس السندويتشات وقال في نفسه: “من سيأكل هذا كله؟!”، ووضع الكيس على أحد الكراسي وهمّ بالجلوس لكنه سمع صوتًا قادمًا من ناحية الطرقة، وتحديدًا من غرفة النوم، فقام مبتسمًا وأخذ الكيس وتوجه إلى الحجرة. كان بابها مفتوحًا، لكنه ما إن وصل إليها حتى تسمر وانبهرت عيناه وشهق شهقة عالية وسقط الكيس والمسبحة من يديه. هب الابن وصديقه العاريان مذعورين، وصاح الابن منفعلًا وهو ما زال مرتكزًا على السرير رافعًا سببابته:

“لا تفهمنا بالغلط يا بابا. معنا بنت في الحمام والله”، وأمَّن صاحبه الواقف منفعلًا أيضًا: “آه والله يا عمي. البنت في الحمام”. استدار الرجل ناظرًا إلى الحمام، النور مشتعل كما يبدو من أسفل الباب وثمة صوت حركة بداخله. هدأ انفعال الرجل بعض الشئ واسترخت ملامحه المتوترة وإن لم يزايلها الغضب. رفع المبسحة والكيس من على الأرض. هرول الصديق إلى الحمام قائلًا بخوفٍ: “ها هي يا عمي ها هي يا عمي والله”. لم يكن مغلقًا من الداخل فانفتح الباب ما إن أدار مقبضه، فصرخت الفتاة العارية الممسكة بالفوطة للمفاجأة ومرأى الأب. عينا الأب تنبهران من جديد والتوتر يعود إليه. لكنه توتر مختلف. توتر الظامئ والماء ينساب أمامه الزلال. نظر إلى ابنه نظرة مستعظمة. قال بصوت غاضب محتبس والشرر يطل من عينيه: ” امشوا من هنا يا أولاد الكلب”، وأردف متوجهًا إلى ابنه فتصاعدت حدة الصوت وتطاير الشرر من عينيه: “يا كلب يا ابن ستين كلب اتبعني على البيت”. أومأ الابن انصياعًا بعدما انعقد لسانه وهو يكاد يبكي حسرة على مغامرة لم تتم.

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: حسين علام

تدقيق لغوي: أحمد المسيري

تدقيق علمي: دينا سعد

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.