لأجل النبي.. محمد صلى الله عليه وسلم في الثقافة الشعبية المصرية

في كتابه الأمثال العامية، يورد أحمد تيمور باشا، مثلًا شعبيًا يعبر عن العلاقة بين المصريين والنبي محمد -صلى الله عليه وسلم-، “ما لها إلا النبي”، ويعقب “تيمور” فيقول: “كلمة جرت مجرى الأمثال، يقولونها في الأمر العظيم، أي: ليس لهذه النازلة إلا النبي -عليه الصلاة والسلام- نلتجئ إليه فيكشفها عنا”، والمثل والتعقيب عليه وإن كانا موجزين للغاية، إلا أنهما شارحان بشدة لعمق العلاقة الشعبية بالنبي عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، ففي الثقافة الشعبية المصرية، النبي هو منتهى الكمال الإنساني، ومنبع النور ومصبه، وليس لأحد عند المصريين مكانة تقترب من مكانته، فكل الأشياء العظيمة عندهم “ما لها إلا النبي”، وكل الرجاءات الحارة والشفاعات التي لا ترد هي باسم النبي، افعل هذا وحياة حبيبك النبي، أو توقف عن هذا لأجل خاطر النبي، وسوقت عليك النبي وكل جمال لديهم هو من نور النبي، وعليه فإذا كانت الثقافة الشعبية تحتفي بالنبي بهذا الشكل، وبمئات التعبيرات وجمل المحبة الصادقة في الحياة اليومية، فكيف بها في المناسبات، والنسك، والاحتفالات؟.. الحق أن الثقافة الشعبية المصرية تحول كل مناسبة، مهما كانت، إلى حدث محتمل يذكر فيه اسم النبي، كأن الود الواصل بين الناس، طائعهم وعاصيهم، للنبي، هو ود لا بد من ذكره، كل وقت وكل حين، ولا يرتبط هذا بمقدار معين من التدين، إنما يرتبط بالأساس، بمقدار عظيم من المحبة والإجلال الشديد..

الأطفال والتعارف الأول بالنبي

“بسم الله الرحمن الرحيم اللهم صل ع النبي” يقولها المصريون عندما يرون الوليد للمرة الأولى، ويحرسونه من الشرور “باسم النبي حارسك وصاينك”، ويرقونه من العين بـ “رقيتك واسترقيتك من كل عين شافتك ولا صليتش ع النبي”، وتهدهد الجدات في القرى صغارهن فيغنين “حج حجيجة بيت الله، والكعبة ورسول الله”، “ونفسي أشوفك يا نبي يا اللي بلادك بعيدة/ فيها أحمد وحميدة”، ويروين الحواديت فيبدأن بذكره -صلى الله عليه وسلم-: “كان يا مكان يا سادة يا كرام، ما يحلى الكلام إلا بذكر النبي عليه الصلاة والسلام…”، وحين يدافعن عن أحفادهن من غضبة الآباء يقلن بحسم: “وحياة النبي ما أنت ضاربه، ولا مادد ايدك عليه”

ووقت يشب الأبناء، ويحين موعد ذهابهم للمدرسة، توصي الأمهات مدرسيهم، “النبي على قلبك تاخد بالك منه”، فكأنها حياة مدارها النبي واسمه، حتى أنه ليندر في القرى أن تجد بيتًا لا يحمل فيه فرد أو أكثر اسم “محمد”، أو “أحمد” أو “طه”، أو “محمود”، أو “مصطفى” أو غيرها من الأسماء المرتبطة بالنبي وكأن الكل يريد بالنبي انتسابًا، والكل إليه مشتاق..

المصريون والاشتياق إلى النبي

وبالحديث عن الاشتياق، فهو -ولا شك- واحد من أكثر العناصر وضوحًا، في الثقافة الشعبية المرتبطة بالنبي، وربما من أقدم التعابير عن هذا الشوق ما أورده ابن إياس من ذكر لخروج المحمل إلى أراضي الحجاز عام 1504م، في زمان قنصوة الغوري، وكيف كان المصريون يودعونه بالغناء: “بيع اللحاف والطرّاحة/ حتى أرى ذي الرماحة/ بيع لي لحافي ذي المخمل/ حتى أرى شكل المحمل”، والرماحة هم فرسان المماليك الذين يتقدمون المحمل، وللمحمل والحج عند المصريين موسوعات من الأغاني، تدل كلها على الشوق الشديد، بل إن الحج لديهم في الدارج هو زيارة النبي، وفي المعتقد الشعبي، لا يتم الحج إلا بزيارة قبر الرسول وصاحبيه، ونقل السلام والتحية، وهي زيارة تشفي -في المعتقد الشعبي- أوجاع الجسد والروح، “جابو الطبيب يكشف عليّ/ قلت له إيه يا طبيب اللي فيّ؟ / واللي توصفه يمشي / قال لي دواك تزور النبي/ قلت أروح على القدم أمشي”، و”رايحة فين يا حاجة يا أم شال قطيفة/ رايحة أزور النبي والكعبة الشريفة”، وهم في حجهم أو عمرتهم ضيوف على النبي، لا على أحد غيره “يا رب لأجل النبي، والبيت وعماره/ تكرم ضيوف النبي، وتراعي زواره”، و”يا رايحين للنبي خدوني خدام ليكو/ أشاهد نور النبي وابقى من مراعيكو”

إعلان

ليس الحج فقط!

ولم يحصر المصريون احتفائهم بالنبي محمد -صلى الله عليه وسلم- في المناسبات الدينية وحدها، بل إن كل مناسبة لديهم -كما ذكرنا سابقًا- هي مناسبة يصلح فيها جريان اسم النبي على ألسنتهم، حتى إن اسم النبي تواجد في أبيات الغزل، ومناسبات الزواج، فإن أقسم أحدهم على حبيبه قال: “سايق عليك النبي إن كنت باقيني/ تضحك بسن الرضا ساعة تلاقيني…/ وسر تربة نبي زين أحمد شهر دينه/ إن كان غيرك قمر ما تنظروا عيني”، وإن تزوجوا غنوا في أفراحهم “يا صلاة الزين..”، وإن مات لهم ميت وأرادوا مواساة أقاربه قالوا “النبي مات.. يعني هيكون أعز من النبي؟”، فلا عزيز لديهم إلا النبي، ولا مستحق للمدح -بحق- سوى النبي، وهو محل كل معجزة وخارقة، فـ “من معجزات النبي باض اليمام ع العز/ والورد فتح كرامة للنبي المختار”، و”الورد كان شوك، من عرق النبي فتح”

كل متصل بالنبي حبيب

ولأن للمحبة جذور ضاربة، فكل قريب للنبي أو منتسب إليه حبيب، فلأمه حضور في الثقافة الشعبية، “أم النبي خير الأنام، شافت منام يوم مولده، قالت كلام بنردده، يا بركة الله الأحد”، ولمرضعته حضور “فرحت حليمة وقالت: آدي اللي عليه الناس بتدور/ ولولاك يا زين ما كان القمر نور”، ولآل بيته الكرام أعز وأجل حضور، فكأن المصريين أحبوا النبي، وأحب كل بشر وحجر وشجر أحاط بالنبي

إعلان

اترك تعليقا