تأخذك إلى أعماق الفكر

كرة القدم والسياسة والتابو الجديد

مفهوم التابو-Taboo- يرجع تاريخه لزمن القبائل البدائية والتي ارتبطت بعقائد الطوطمية -ديانات بدائية تعتمد على الإيمان بقوة غامضة سارية في الكون- وتمتلك كل قبيلة رمزًا لشكل طوطم يكون على هيئة حيوان أو نبات، ومع وجود أشكال من القداسة وجدت الأنماط المُحرّم فعلها داخل كل قبيلة، فالتابو يشير إلى الأشياء المحظورة القيام بها من عضوّ القبيلة لأنّ هذا يغضب الأرواح الشريرة الموجودة داخلها -الخوف من المانا-[١] وبذلك يكون مفهوم التابو ملازمًا لكلّ شكل ما، له حدّ لا يصح تجاوزه، فهو كل محظور أو خطّ أحمر عند أي مجموعة من البشر.

فإذا نظرنا إلى نماذج التابو التي مازالت معاصرة للبشرية فتتمثل بشكل رئيسي في الثلاث محظورات الأشهَر .. “الدين .. الجنس .. والسياسة”، فنلاحظ هنا أنّ التابو مرتبط بظواهر جماعية، وتتعدّد أشكال التابو في الظواهر الأخرى ولكن لا تصل للحدّ الجماعي السائد والمهيمن في جذر البنية المجتمعية.

والتساؤل الذي أحاول طرحه هنا، هل يتسق وصف نشاط كرة القدم بالتابو! 

فمن خلال منطلق وضع تعريف موجز للتابو وهو “كلّ ما هو محظور ومحرّم في نظر مجتمع ما”.

نجد هنا أنّ التعريف يتطلب عنصر هيمنة واتفاق المجتمع على حظر أو عدم تقبل الكلام والفعل لأمر ما، بمعنى فرض شيء من القداسة أو التفضيل والألفة لمنظور ما، فتكون كلّ نظرية مغايرة مرفوضة من حيث المبدأ.

ونبدأ بالنظر التحليلي لظاهرة لعبة كرة القدم، مع الوضع في الاعتبار ضرورية فهم التماييز بين مواضيع وأمثلة التابو، فلا يوجد تطابق وتجانس بين الظواهر وبعضها البعض فلكل سماته وخصوصيته، ولابد أن نتجنب القياس من خلال التفاصيل لا الجوهر المجرد المشترك بين ظواهر التابو.

إعلان

نشاط كرة القدم في البنية السياسية والاقتصادية:

لعبة كرة القدم هي نشاط رياضي واسع الجماهيرية انتشارًا في غالبية الكرة الأرضية ، فهي لم تعد مجرد ممارسة وهواية رياضية، فالأنشطة الرياضية صناعة احترافية ربحية وظاهرة اجتماعية تعكس جوانب من سيكولوجية المجتمع، وكما أنّ الأنشطة الرياضية قللت من وطأة وحدة الانغلاق القومي، ولكنها تُرى بشكل أوسع كظاهرة ترتبط بالسياسة والاقتصاد ولا سيما السوق الاقتصادي العالمي.

كرة القدم كلعبة رياضية من المفترض أن تنفصل عن أيّ ارتباط سياسي، فالرياضة بكلّ أنشطتها ومجالاتها هي نشاط إنساني مشترك بين الأمم والمجتمعات لا تُحيز تحت قيد اعتبارات عرقية/إثنية أو قومية أو دينية إنما تعبّر عن ثقافة إنسانية تحمل ألوان التنوع والاختلاف الثقافي.

ولكن مع تقنين النشاطات الرياضية وخروجها من الإطار الثقافي والممارسة الشعبية كهواية إلى العالمية بأدوات العولمة، أصبحت جزءًا من الكيانات السياسية، تمثّلها وتخضع لسيادتها. فنحن لا نعتبر الفريق الفرنسي مثلًا على أنه مجموعة اللاعبين الفرنسيين وكفى.. بل هو فريق وطني يمثل فرنسا كدولة. 

علاوة على ذلك، كلّ النشاطات الرياضية هي نظم قائمة على اقتصاد السوق الربحي ولذلك تخرج لنا بشكل قانون احترافيّ -التعاقدات والدعايات وعمليات التسويق الإعلاني الضخمة وأقصى تسليع للأنشطة الرياضية وتحوّل الرياضي إلى وظيفة- ولذلك، القول أنّ النشاط الكروي لا يمتّ بصلة بالتأثر بالسياسة هو تجاهل للبنية السياسية والاقتصادية والهيكلية للدول والمجتمعات ويشير إلى تغاضٍ واضح عن التاريخ الرياضي.

-تسيس الأنشطة الرياضية

منذ تأسيس الأندية الرياضية كان الارتباط مع المنظومة الاجتماعية والسياسية وثيقًا، يصاحبه مسار التطورات العامة في البنية خطوة بخطوة.

فنادي الزمالك المصري تأسّس عن طريق جورج مرزباخ رئيس أحد المحاكم المختلطة -النادي المختلط- ومع إعجاب الملك فاروق بالفريق، تغيّر اسمه إلى نادي فاروق. كما يرتبط مسمّى النادي الأهلي بنادي الوطنية، وذلك يرجع لأنه أول نادٍ يكون للمصريين فقط وقت الاحتلال البريطاني، كما أنه تمّ تأسيسه من قبل مجموعة من الرموز الوطنية المصرية -مصطفى كامل وسعد زغلول وغيرهم- فذلك تداخل واضح بين الرياضة والمواقف السياسية.

ونجد أنّ تسمية فريق ريال مدريد الإسباني جاءت بتعديل مسمّى الفريق من قِبَل ملك إسبانيا ألفونسو الثالث عشر ليصبح ريال مدريد، حيث مُنح لقب “ريال” والتي تعني “ملكي” للفريق. 

أما نادي برشلونة فلديه تاريخ يهيمن عليه الطابع السياسي، خصوصًا قبيل وبعد الحرب الأهلية الإسبانية، فكان النادي في صميم بنية المقاومة لإقليم كتالونيا، ففي عام ١٩٢٥ كان هتاف جماهير برشلونة ضدّ النشيد الملكي وديكتاتورية بريمو دي ريفيرا والذي أدى إلى إغلاق الملعب لمدة ٦ أشهر.

وعندما اندعلت الحرب الأهلية الإسبانية، كان هناك العديد من لاعبي البرسا في كفاح مسلح مع السلطة العسكرية، وتم إعدام رئيس النادي جوسب سونال، الذي كان في حزب ينادي باستقلال كتالونيا، وفي عام ١٩٣٨ في ظلّ القمع العسكري لجنرال فرانكو على إقليم كتالونيا ساد الوضع في فرض الشروط على النادي ومحو كلّ ما يمثل هوية الكتالونية.

وفي لقاء ١٩٤٣ الشهير بين برشلونة وريال مدريد في لقاء الذهاب من كأس إسبانيا عندما هتف جمهور برشلونة  ضدّ الجنرال فرانكو والنظام العسكري، ونادى باستقلال كتالونية، وحيث فاز برشلونة 3-0 أمام ريال مدريد في نصف نهائي البطولة، لكن تهديدات الترهيب والوعيد الإسبانية، نذرت اللاعبين بالتعذيب والتنكيل في حال فازوا في لقاء العودة، لتكون نتيجة فوز الريال المشهورة 11-1 تاريخية.!

صحيفة الماركا تنشر عن نتيجة 11-1

ومن الأمثلة الاخرى على توجيه الرغبات السياسية من خلال كرة القدم هي المباراة التي كان على أثرها حرب بين الهندوراس والسلفادور عام ١٩٦٩، فكان وضع البلدين رهن أزمات ونزاع حول هجرة السلفادوريين للهندوراس وتمليك الأراضي، وتأتي مباراة الكرة ذريعة في يد الساسة لتوجيه الحدث الرياضي لأغراض الصراع السياسي، وكانت المباراة الفاصلة في تصفيات كأس العالم ١٩٧٠ حدث خلالها بعض أحداث الشغب بين الجماهير تحت شحن الخلاف السياسي، وبعد فوز السلفادور على الهندوراس، نشبت حرب راح ضحيتها الآلاف.

ومن النماذج المشهورة على تسيّس الرياضة -على غرار استغلالها كما حدث آنفًا لصالح أنظمة فاشية عسكرية، كمونديال موسوليني عام ١٩٣٤، أو أوليمبياد هِتلر في ١٩٣٦- ما حدث في بطولة كأس العالم ١٩٧٨ في الأرجنتين، حيث كانت البلد تحت وطأة انقلاب عسكري وسلطوية دموية تقتل وتقمع المواطنين والمعارضين، ففي ظلّ أجواء إقامة مبارايات المونديال ومباراة الأرجنتين، كان الديكتاتور فيديلا يقتل معارضيه، وتوجت الأرجنتين بالبطولة وفي الذاكرة نتيجة فوز مباراة بيرو بالسداسية والفوز العريض المثير للجدل! والذي بحثت الفيفا لفتح التحقيق حوله [٢]، ومع كلّ الأحداث المأسوية كانت البطولة تجميلًا لنظام الديكتاتورية.

الديكتاتور الأرجنتيني فيديلا يسلم كأس العالم لمنتخب بلاده عام 1978

فإسعاد الجماهير يعطي قبولًا للوضع بالإضافة للشرعية الدولية، وكما يُنقل على لسان جوبلز وزير إعلام النظام النازي “إنّ الفوز بمباراة دولية أهم من السيطرة على مدينة ما”. 

الوقائع والأحداث كثيرة ومتعددة وترسم صورة جلية لعملية استغلال الأنشطة الرياضية لخدمة المزاعم السياسية، فكرة القدم تحوّلت للعبة الشعبية الأولى بعد أن ارتبطت بالنظام الرأسمالي والذي جعل منها هدفًا لربحية وإنتاج رؤوس الأموال.

والمنافسة لم تعد رياضية بل منافسة سوقية ربحية، ولم يعد للأندية التي لا تتبع متطلبات السوق القدرة على البقاء في المنافسة، فقد أصبحت الأندية مؤسسات سوقية، ومع توافر عناصر الاستدامة والتنظيم لكرة القدم تحولت من نشاط رياضي واجتماعي إلى سلعة تروج الترفيه والتسلية من أجل السوق الربحي والدعاية والتسويق، ومع الحثّ على التنافسية لإلهاب حماس الشعور، أصبحت الكرة ولع وعشق أغلب الجماهير حيث أصبح التشجيع ثقافة شعبية عالمية وشغف غير منقطع النظير، وبالطبع لن يتغافل رجال السياسة عن كلّ فرصة وتربة جيّدة ومناسبة للهيمنة والتماس عواطف وانفعالات الجماهير لأهداف سياسية.

-مصر والمونديال

كما أشرنا سابقًا إلى اهتمام الساسة بالنشاط الكروي في مصر من عصر الملك وعصر يوليو، إلى عصر مبارك فكان التواجد والاهتمام بكرة القدم ملحوظًا وكان التعويل عليها موجودًا كأحد الثقافات الشعبية المحببة في تخفيف حدة الاحتقان المجتمعي وفي اكتساب حالة من الاستقرار والرضا على الوضع العام الذين يمثّلان مكسبًا سياسيًّا مهمًّا، فلا أسمى للساسة من القدرة على التأثير في الانفعال الشعوري والخيال العام.

فحالة الشغف والهوس التشجيعي ذات دلالة مرتبطة بالنسق السياسي والاجتماعي، فتظهر العلامات التي تشير لما هو  مفقود ومكبوت في الطموح الإجتماعي والمتبدي لا شعوريًا في ظاهرة التشجيع، فترى التمسّك بالأمل ولحظات الاهتمام بالنجاح ولذة السرور ملتفّة حول الكرة.

والحضور السياسي في الظاهرة الرياضية غير مفارق على الدوام، مادام ارتبط بالقدرة على الالتحام مع الوعي الجماهيري، وخلق تصورات داخل مخيلة الجماهير. وفي ظلّ الوضع الحالي الذي استشرت به الأزمات على كل الأصعدة، وتحت حكم الاستبداد العسكري، تكون حالة التغاضي عن استغلال السلطة للكرة -بل التماهي مع النشاط الكروي باعتبارية أنه غير ذا صلة بالواقع السياسي- لَمِن الوهن النفسي والهروب من حنق الواقع أو الانحياز للميل الشخصي في حب كرة القدم، وذلك لا يعبّر عن موقف نقدي وتحليلي لظواهر التشجيع والكرة سواء سيكولوجيًا أو سوسيولوجيًا. 

وفي فقرة من مقال للباحث والمفكر السياسي المصري عمار علي حسن يسرد فيها تحليل حضور الوجه السياسي السلطوي على النشاط الكروي:

” قبل ثلاثة أيام تابعت مباراة مصر ونيجيريا، ليس لأنها مواجهة فى الكرة، بقدر ما هى اختبار سياسى، فالسلطة كانت حاضرة ببعض المسؤولين، وجهاز الأمن كان محل اختبار بعد سنوات من غياب الجماهير عن الملاعب، والجمهور نفسه كان واعيا لانعكاس حضوره على الوضع السياسى، وفى النهاية لا يمكننا إغفال أن الفوز والتأهل لبطولة كأس الأمم الأفريقية، ثم تقدم مصر لتكون فى التصنيف الأول للمجموعات التى ستتبارى بغية الوصول إلى كأس العالم فى روسيا 2018، سيسهم ولو بنسبة ضئيلة فى تحقيق قدر من الرضا النفسى، على الأقل عند قطاع من الشباب مفتون بالكرة ومتعلق بها إلى حد بعيد، وهذا يساعد فى تعزز شرعية السلطة ولو بنسبة أقل ضآلة، أو هكذا يرى أهل الحكم دوما، خصوصا فى بلدنا، وأضرابها من البلدان التى وصل الأمر ببعضها أحيانا إلى استعمال المنتخب الوطنى فى تعزيز الولاء والانتماء وقدرة الحاكم على تحقيق إنجازات “[٣] . 

محاولات الوصول لكأس العالم مَثلت الحلم المفقود للجماهير المصرية، وتشكيل الحُلم جزء أصيل من اهتمامات البنية الفوقية، ولذلك تسيّس محاولة الصعود وتعالى صوت الوطن ههنا وتُرفع جلّ الشعارات الوطنية التي تلهب وتدغدغ مشاعر الألفة مع الوطن لدى الجماهير وهذا مهم بالنسبة لسير النظام الاستبدادي وتفاعله مع الوعي الجماهيري، ومن قباحة تسيّس الدهماء لظاهرة التشجيع والاستفادة من فوز المُنتخب عندما تستثمر الفرحة لصالح المستبد سياسيًا واجتماعيًا ولا سيما نفسيًا.

ويبرز مفهوم التابو هنا إذا لم تكن مع السائد، فيكفي أن لا تميل إلى تشجيع الفريق المصري الوطني حتى تكون موضع إثارة التعجب والاندهاش بل بالتفتيش الوطني -هو انت لست مصريًا!!- وتقابل بجملة اندفاعات عَصبية وعُصبية واسعة! فهل يجوز لنا اعتبار المنتخبات الوطنية مجرد أفرقة كرة قدم لا تعبّر عن الوطن ولا تمثل الشعب بل هم مجموعة من لاعبي وموظفي نشاط كرة القدم الربحي السوقي وهو فريق يعبر عن الكيان المؤسسي للسلطة الحاكمة؟ أيسمح بالفكر النقدي والرأي الحُر حول ظاهرة كرة القدم والتشجيع؟ نعم… ولكن!

ومن عجب المواقف والأقاويل المكررة والمسوغة لخلق مناطق محرمة على النظر الفكري والتي تعبّر عن موقف لبس في الفهم ناتج عن تحيزات الهوى التشجيعي، فعندما تتحدث عن أجواء ظواهر الفرحة العارمة للفوز بالمباريات الرياضية وتنتقد وتحلل تلك الفرحة من خلال النسق الاجتماعي والنفسي، فتنهال دعوات احترام مشاعر الناس وعدم المصادرة والمزايدة على فرحة الناس، فيُصنع رجل من القش ويُحرق في نفس الحين، وما أشبه ذلك بالموقف الذي يرفض حرية الرأي حول العقائد بنفس منطلق المسوغ وهو احترام مشاعر المتدين! فما علاقة ذلك بذاك، أيكون مجال النقد والتحليل الاجتماعي وإشاراته من قبيل التدخل والمصادرة على الحرية؟

أما ما يُعزى لترسيخ دوجما الكورة ومظهر التابو بها هو أنّ طبيعة الجمهور والشعب المصري الذي يحمل السمات المشتركة للجمهور البشري عمومًا فهو يمتلك قابلية الانفعال والتأثر بالشعارات التي تلمس الوجدان وكما يكون سريع التصديق لأي شيء، بخلاف بحث النفس الإنسانية للشعوب عن كل متنفس تعوض به ضغوط الحياة.

وغالبية الظواهر الاجتماعية والثقافية والاعتقادية تُرسّخ عبر المزيد من التكرار والتقليد! فمع الفترات الزمنية المتتابعة ترجع الظواهر إلى الأمر السائد، وكلّ ما يخرج عن ذلك.. يصبح ضدّ التيار ومخالف للسائد!

..”إنّ الإنسان يشبه الحيوانات فيما يخص ظاهرة التقليد، فالتقليد يشكّل حاجة بالنسبة له بشرط أن يكون هذا التقليد سهلًا بالطبع، ومن هذه الحاجة بالذات يتولد تأثير الموضة، وسواء أكان الأمر يتعلق بالآراء أم بالأفكار أم بالتظاهرات الأدبية أم بالأزياء بكل بساطة فكم هو عدد الذين يستطيعون التخلص من تأثيره؟..”[٤]

مراجعة وتدقيق ضحى حمد​

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.