السكيزوفرينيا.. مراجعة كتاب “الفصامي: كيف نفهمه ونساعده”

هل سمِعتَ عن أحدٍ يعاني من هلاوسٍ سمعيّة وبصريّة؟ أو يرى نفسه أعظم شخصٍ في الوجود؟ أو أنّه مُطارَدٌ من قِبَل جهاز في الدولة؟
قد يكون هذا الشخص يعاني من مرض الفصام، ومن خلال هذا المقال سنحاول الإجابة عن الأسئلة التالية: ما هو الفصام؟ وماهي أسبابه؟ وهل يتمّ الشفاء منه؟ وما هي علاقة الفصام بالإبداع؟ وما هي طريقة تفكير الفصاميين؟

تأخذُنا هذه الأسئلة إلى عالمِ “اللامعقول” في كتاب “الفصامي: كيف نفهمه ونساعده” للكاتب سيلفانو آريتي، واحدٌ من أهمّ الكتب التي تناولت الحديث عن مرض الفصام داخل الإطار العلمي الصّحيح، وبشكلٍ مفصّلٍ بعيدًا عن التصوّرات الخاطئة التي يتمّ تداولها في الروايات أو الأفلام، فالمريض أقرب مِنّا بكثير من الصورة التي نراها في التلفازِ أو نقرأها في الأدب لشخصيّة المريض النفسيّ.
الكتاب مكوّن من اثني عشر فصلًا، والنّسخة العربيّة المُترجَمة من قِبَل الطبيب النفسي د.عاطف أحمد، من إصدارات عالم المعرفة، الإصدار 156.
سيلفانو آريتي هو أستاذُ الطّب النفسي الكلينيكي بكلية الطّب بنيويورك، ورئيس تحرير موسوعة الطب النفسي الأمريكيّة، وقد نال العديد من الجوائز العلميّة، وذلك لإسهاماته اللافتة في فَهم مرض الفصام وعلاجه، له دراسة مفصّلة بعنوان «تفسير الفصام» كُتِبت للمختصّين، بالإضافة لدراساتٍ أخرى عديدة.

في مقدمة الكتاب، يلفت المؤلفُ نظرَنا إلى أنّنا لا نزال نجهل الكثير عن هذا المرض العجيب، الذي يحرم الملايين من الاستمتاع بمباهج الحياة، وألّفه لإرشادِ الأسرِ والأصدقاء بالكيفيّة التي نساعد بها مريض الفصام، حتّى يعود إلى حالته الطّبيعية، أو تتحسّن حالته بشكلٍ معقول. كما يتطرّق الكتاب لفهم هذه الحالة المرضية العقلية التي يمكن أن تضيء لنا جوانبَ أخرى في فهمنا للحياةِ بشكلٍ عام، فهذه الحالة الإنسانية المركّبة والمعقّدة تشمل ربما كافّة جوانب الوجود الإنساني، كما لا توجدُ حالةٌ تماثل الفصام من حيث الأعباء الاقتصاديّة الضخمة والمشقّة والمعاناة والتمزّق الذي يتحمّله المريض وأسرته، ولو قدّرنا أهمية الفصام بخطورته وتأثيره على كفاءة الوظائف العقلية لوجَدنا أنّه يحتل المرتبة الأولى بين الاضطرابات العقليّة بلا منازع. يعرّف الكاتب الفصام بالآتي: “الفصام هو حالةٌ عقليّة غير سويّة، تصيب الكائنات البشرية وحدها، وتغيّر تغييرًا عميقًا في أنماط تفكيرهم، وشعورهم، وسلوكهم تجاه العالم، بحيث تختلط لديهم الحقيقة بالوهم، وتؤدي إلى تبنّي أساليب حياتية لا تتّسق مع الواقع”.

قبل الغوص في المسبّبات، وطريقة التفكير، وغيرها من العناوين، أودُّ أن ألقيَ ضوءًا على جانبٍ من جوانب الفصام؛ ليدرك القارئ الآلام التي يعاني منها المريض، فالجانب المؤلم في هذا المرض أنّه من الأمراض القليلة التي قد تعوق حياةَ من يُصاب بها بدرجةٍ معيّنة لمدّة طويلة جدًّا، فهناك حالات امتدّت لسنوات، وربما طيلة حياة المريض. وهذا المرضُ الذي يفترسُ الإنسانَ ويفتك به ويفكّك ذاته ويحرمه من الاستمتاع بالحياة الطّبيعية ليس له أعراض عضويّة واضحة، لكن شدّة المعاناة العقليّة التي تنشأ عنه تبلغ من الضراوة حَدًّا يجعل المريض يَقبَل بسرورٍ مقايضة ألمًا عضويًّا بألمه النفسي.

الفصامي والمجتمع

كان الاعتقاد السّائد إلى وقتٍ قريب بالنّسبة للمجتمع هو أنّ الفصاميين حالةٌ شاذة، تستجلب العنف والسلوك العدوانيّ، لكن حاليًا ثَبَت أن أعمالَ العنفِ تحدث بين عامّة النّاس أكثر مما تحدث لدى الفصاميّين، فالذين لاحظوا تصرفات الفصامي داخل المجتمع أدركوا أن عدمَ توافقه مع المعايير المألوفة لا ينطوي على أيِّ تهديدٍ لسلوك الآخرين، وخَلَصوا إلى أنّ سلوكَ الفصاميّ يتّسم بالشذوذِ واللامبالاة وجمود المشاعر، إلا أنّ هذه الصفات لا تحمل أي نوايا شرّيرة؛ بل هي تعبيرٌ عن انحرافه المرضي. إذًا، ما هي سمات الفصامي التي يرفضها المجتمع؟

الفصامي بشكلٍ عام يسلك في أغلب الأحيان سلوكًا لا يتلاءم مع توقعات المجتمع، بلحاظِ أن المجتمعَ يستند إلى النظام والتضامن والرضوخ لأعرافه وتقاليده، فمثلًا فصام “البارانويا” يتّجه صاحبُه إلى تصيُّد أخطاء الناس، وكلّ ما من شأنه إثبات أنَّهم غير منصفين، فجعَلَه المرضُ يسلُك على هذا النحو حمايةً لنفسِه، وإثباتًا لذاته؛ لفقدانه الثقة بالآخرين، والذين بدورهم يجدون أنفسَهم غير قادرين على فهمه، بالإضافة لشعوره بالوحدة والعزلة الجزئيّة اللتين تستندان على قناعته بأنّ قوى غامضة تحيطه وشرورًا يتربَّصُ به.

إعلان

أسبابُ الفصام

من خلال بحث الكاتب عن أسباب الفصام، يصِلُ إلى أن العديدَ من العوامل المتشابكة تجتمع فيها العوامل البيولوجيّة والاجتماعيّة الثقافيّة والسيكولوجيّة؛ أي أن عاملًا واحدًا لا يكفي لحدوث الفصام، وتختلط في هذا المجال الأسباب والنّتائج. يبدو أن العاملَ الوراثي (أو التهيئة الوراثيّة) لازِمٌ لحدوث الفصام، يتبَعه أحداثٌ سيكولوجيّة بمثابة أسباب تتكوّن بدورها من العديد من الأسباب الثانويّة المترابطة، تتمحور حول عدم الاستقرار الذي تجلبه الأوضاع الأسريّة، وخبرات الطفولة والمراهقة والشّباب المبكر، إضافةً إلى عواملٍ اجتماعية تزيد معدل حدوث المرض، كالفقر، والضغوط الاجتماعيّة، والهجرة، والانتماء لأقليّة اجتماعيّة، هذه العوامل المتآزرة تؤدّي إلى أشكالٍ نكوصيّة (الرجوع أو التقهقُر إلى مرحلةٍ سابقةٍ من مراحل العمر، وممارسة السلوك الذي كان يُمارَس في تلك المرحلة) من الأداء النفسي والسلوكي، بالإضافة إلى الهلاوس، والهلوسة هي إدراكُ مثير خارجي لا وجود له، فهي نوعٌ من الخداع الحسّي، مثل سماع أصوات تتحدث إليه أو توجّه إليه اتهامًا، أو أن يرى أشخاصًا غير موجودين، أو يحسّ بطعم شيء غير موجود، على أن أكثر أنواع الهلاوس شيوعًا هي الهلوسة السّمعية.
ولا يسعنا الحديث عن الهلاوس دون تبيان أوجه الشبه بين الهلاوس والأحلام، إنّ “الأحلام هي أيضًا أفكار ومشاعر الحالم تحولت إلى هلاوس”، لكن الفرق هو أنّ “الفصام تغلب عليه الهلاوس السمعية، بينما الأحلام تغلب عليها الهلاوس البصريّة”. والتشابه الأول بينهما هو أن الحالم أثناء حلمه يعتقد أن ما يحلم به يحدث فعلًا، تمامًا كما يعتقد الفصامي أن خبرته الحسية مصدرها الواقع الخارجي، والتشابه الثاني هو أنّ الحالم لا يدرك أنه يحلم إلا حينما يُوشِك على الاستيقاظ، كذلك الفصاميّ، فإنّه لا يدرك أنّ هلاوسه وأعراضه المرضية الأخرى هي في حقيقتها تخيّلات إلا عندما يبدأ في التماثل للشفاء.

الفصامُ والإبداع

ليس الفصاميّ هو الشّارد الوحيد من الواقع، فالشّخص المبدع هو أيضًا يَعتَبر نفسه سجين الأشياء والواقع، فيفجّر طاقاته لجعل العالم أكثر جمالًا وأكثر قابليّة للفهم. ويتلاقى الفصامي والمبدع في القيام بتشبيهاتٍ تبدو في الظّاهر غير متشابهة، فالمعتقدات الضّلالية لدى المريض تصبح لدى الشّاعر تعبيرات مجازيّة، ويوضِّح الكاتبُ الالتقاءَ بين الفصامي والمبدع بالآتي: “العلماءُ والشّعراءُ والفنّانون وكتّابُ المسرحيّات والمبدعون عامّة يستخدمون عمليّاتٍ عقليّة مماثِلة للعمليّات العقليّة التي يستخدمها الفصاميُّ ويستخدمها الشخصُ العادي حين يحلم، إلا أنهم يفترقون ويتمايزون لاحقًا”. فالمبدعون لديهم القدرة على دمج عمليّاتٍ عقليّة تتّسم بالغرابة مع عمليّات عقليّة منطقيّة، أما الفصامي ليس لديه القدرة على تحصيل هذه التوليفة الشّاقة، وهنا يصعب علينا تبيان الكيفيّة التي يجانسُ بها المبدعُ بين العملياتِ العقليّة البدائيّة وغيرها من العمليّات المعرفية الراقية.

لماذا اعتقدت نانسي بأنها مريم العذراء؟
سنحاولُ في هذا الفصل أن نكتشف طريقة تفكير الفصامي، ميكانيزم تفكير الفصامي، أو طرق تفكيره ومنطقه الخاص، حيث “يعبِّر بإخلاصٍ شديد عن معتقدات وأقوال تبدو لنا غير معقولة، فهو لا يفعل ذلك بسبب عناده أو جموحه أو أن يكون لا عقلانيًّا أو عسير الفهم، فأفكاره تبدو له عقلانية، لا جدال فيها، وتُبنى على اقتناعٍ مُطلَقٍ بصوابها؛ ذلك لأنّ دوافعَه اللاشعوريّة ورغباتَه التي لا يملك السيطرة عليها ولا يستطيع الفِكاك منها تجبرُه على أن يستخدم طرق غير معتادة للتفكير”، حيث تجد الفصامي يستعمل نوع من المنطق البدائي، لا يسير وفق القوانين التي نتّبعُها في تفكيرنا بصورةٍ تلقائيّة، مثل أ يساوي ب، و لو أنّ أ و ب متطابقين في كلِّ شيء، أي عن طريق تماثل أو تطابق كليّ بين الشيئين أو الشخصين، وهذا لا يحصل مع الفصامي، والذي في أغلب الأحيان يحاول أن يوفِّق من خلال آليّة تفكيره بين أ و ب. يُخبِرُ الكاتبُ في كتابه عن طبيبٍ نفسي اسمه “فون دوماروس”، اكتشف القاعدة التي يسير وفقها الفصامي، وهي أن الشخصَ الذي يفكِرُ بالمنطق البدائي يستطيع أن يُقيمَ تماثلًا أو تطابقًا بين الأشياء بناءً على تماثلٍ جزئيّ فقط، ولا يشترط التطابق التام. كما يسرد المؤلف حالةً لفتاةٍ تُدعى “نانسي” تعتقد بأنها مريم العذراء، ورمَزَ لنانسي برمز أ ولمريم العذراء برمز ب، ويشرح أنه يوجد في أعماقِها الداخلية ميكانيزم يعمل مخالِفًا التفكير السّائد؛ بسبب شعورها بأنها غير كفوءة، وغير جديرة بأيّ شيء، فالظروف التي مرّت بها دمّرت إحساسها وتقديرها لذاتها، وأصبحت لا تستطيع تقبُّلها، وتشعر بالخجل منها، ومن هنا نشأت لديها حاجة لتكون غير ذاتها، وأن تصبح بدلًا من ذلك -ومن خلال عمليّة تعويضية- ما تعتقد أنّه مثالٌ للكمال الأنثوي الذي تنتمي إليه رُوحيًّا، وهذا الشّخص بالنّسبة لها هو السّيدة مريم العذراء، فهي لم تكن تستطيع إقناع نفسها بأنّها مريم العذراء لو ظلّت تستخدم منطق التفكير العادي، والذي كان سوف يذكّرها بأنها ليست سوى نانسي، وأنّه لا يوجد دليل على أنّها شخصٌ آخر، فقد دفع بها المرض إلى تَبَنّي صورةً بدائية من صور المنطق حيث نجد أن أ تساوي ب إذا امتلكت خاصية واحدة من خاصيّة ب، وطِبقًا لذلك فأنّ أ “نانسي” و ب”مريم العذراء” يشتركان معًا في صفةٍ واحدة وهي العذرية، فاستخدام نانسي طريقتها في التفكير وبالاستناد إلى رغباتِها المكبوتة أُتيحَ لها التّشبّث والإصرار بأنها مريم العذراء.

التعاطفُ مع الفصامي

لماذا علينا أن نكون قريبين ومتعاطفين ومتفهّمين للفصامي؟ من الجيّد أن يكون لنا تعاطفًا مع المرضى النفسيّين، وتحديدًا المرضى العقليّين، وأن نتفهّم معاناتهم، بل أن نكون قريبين منهم ونحاول مساعدتهم؛ لأنّ ببساطة في داخلنا جميعًا قدرًا من الانحراف عن السّواء، والفرق بيننا وبين الفصامي أننا نطويه داخل نفوسنا قدر المستطاع، أمّا هو فيُضخِّم انحرافَه عن السّواء ويُدخلنا في عالَمِ الخيال الخاص به حيث “اللامعقول”، وتصبح الأولويّة للمجاز والتّخيلات بدلًا من الواقع. فمسألة الفصام لا يدخل فيها فقط الطبُ النفسيّ، بل المجتمع بكاملِه، فعلى المجتمع أن يتحمل الجزءَ الأكبرَ من المسؤولية. التحضُّر المجتمعي يُقاس بمدى اهتمامه بمرضٍ يستعصي على العلاج، وتتحقق الروح الإنسانيّة بقربنا وتعاوننا تجاه المرضى، واتخاذ مواقف أكثر تسامحًا تجاه هؤلاء البشر. آمل من هذا المقال أن نفهم بصورةٍ أفضل كائنًا بشريًا قد يبدو لنا مستعصيًا على الفهم، وأن نُقيمَ علاقةً معه حتى لو رفض أن يقيم هو علاقاتٍ مع غيره من البشر. الفصامي شخص لديه من المشاعر والأحاسيس مثل ما لدينا، ومعاناته تنشأ من عدم قدرته على المشاركة والإفصاح عن كامل إنسانيّته، نتحدثُ عن إنسانٍ بمقدورنا مساعدته، بل من واجبنا أن نجعله يمارس متعةَ الحياة.

نرشح لك: خمسة اضطرابات عقلية ربما لم تسمع عنها لشدة ندرتها

إعلان

أفادك المقال؟ شاركنا رأيك في التعليقات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.

فريق الإعداد

إعداد: حسين عفيف شكرون

تدقيق لغوي: سلمى عصام الدين

تدقيق علمي: سارة عمري

تحرير/تنسيق: نهال أسامة

اترك تعليقا