تأخذك إلى أعماق الفكر

في الحرية: المعتزلة الهيغيليِّون، أو هيغل معتزليًّا

تمهيد:
لئنْ كانت رغبةُ الإنسانِ لا تهفو إلى شيء أكثرَ مّما تهفو إلى الحرّية، لوجدتُ أنَّ الفكر الإنساني ما انفكَّ عن جعلِ الحرية موضوعًا لتفكيره وتأمُّلاته، ولوجدت أنَّ معظمَ من طمحتْ بهِ همَّته من الفلاسفة في التاريخ إلى إقامة نموذجٍ سامٍ لحياةِ الإنسان، ما استغنى عن الحرية كأساسٍ لهذا النموذج، فـ”الحياة لا تستحق أنْ تُعاش إلّا إذا كانت حرّة وعشناها بحرّية، إن الإنسان على وجه التحديد ليس سوى حرية، أو لا شيء” كما أقرَّ أدونيس (1).

بذلك تُألِّف الحرية بين أفهام وعقول البشر على نحوٍ فريد، فما تجد أوروبيًّا غربيًّا مفكّرًا في الموضوع إلّا وتجد شرقيًّا قد سبقه وخالطه في ذلك، سواءً أكان عربيًّا مُسلما أو غيره، دونَ أن يعنيَ السبقَ التاريخيّ لتفكيرِ الثاني في النازلة، إنّ الأول قد سرق فكْره، فأنْ يوجدَ الإنسان معناه أنْ يُدرك أنّه حُر كما قال سارتر. وهذا الإدراك في جعبة كلّ البشر وفي كلِّ الدّهور والأزمان، إذ يعبّرون عنه بأشكالٍ مختلفة من الفكر.

من ذلك تسقط دعوى سرقةُ الأوربيين من الشرقيين (مسلمين أو غيرهم) أصولَ بعضِ الأفكار الفلسفيّة والعلميّة، إذا حصل التشابه بين نسق فكر المتقدّمين والمحدّثين، كما هو شأنُ تقاطعاتِ أفكارهم حولَ الحُرّية، فأنْ يخلِّص عقلَ شخصينِ إلى نفسِ الرّأي لا يعني بالضَّرورة أنَّ أحدهما سرقَ فكر الآخر، بل يعكِسُ ذلك وحدة الفِكر البشري، ولا أعظم إفصاحًا على ذلك من عبارةِ العلّامة التونسي “الطاهر بن عاشور”، في تأليفته الشهيرة “تفسيرِ التحرير والتنوير” إذ قال:

“كم من كلام تُنشئه تجد قد سبقكَ إليه مُتكلم، وكم من فهم تستطْرِده، وقد تقدَّمك إليه مُتفهِّم”.

وبالتالي فإننا غير ميَّالين إلى ما يراه البعض من أسبقية المسلمين إلى أفكار مختلف التيارات الفلسفية الغربية؛ كالإشتراكية والليبرالية والوجودية وغيرهم، كما هو شأنُ المستشرق الرُّوسي “بندلي جوزي”، الذي اعتبرَ في كتابه “الحركاتُ الفكريّة في الإسلام” أنّ القرامطةَ جسّدوا حزبًا اشتراكيًّا شيوعيًّا لينينيًّا، قبل ظهور هذه الآيديولوجياتِ بكثير(2). على الضِّد من هذا الغِرار، فإن موقفنا هنا أبعد عن اتّهام هيغل باستسلاف أفكارِ المعتزلة، أو إدّعاء انتخابِ هؤلاء من آراءِ غيرهم ما يُقوّمون به فكرهم، وإنّما المُراد: الإشارةُ إلى جماليّة حرية التفكير في الحرية عند المسلمينَ وعند أندادهم من الأوربيين.

المُعتَزلةُ، وأمُّ القضايا الهيغيليّة:

لئن بحثتَ عن أكثر فرقةٍ رفعتْ علمَ الحُرّية في التُّراثِ الإسلاميّ، لوجدتَ دون ريبٍ أنّ تلك الفرقةَ هي المعتزلة، التي بسطتْ للحرية من المعروف -على الأقل فكريًّا ونظريًّا- ما يقصرُ عنه الّلسان، ويضيقُ عنه البيان، فهم عندَ غيرما مفكرٍ عربيٍّ وغربيّ أكثرَ ما تتجسَّد فيه عقلانيّة الإسلام ونزعتُه التحرُّرِيّة، فمثلًا يمثّل المعتزلةُ بالنسبةِ لعبد الله العرويّ أهمَّ “دعاةِ الفكرِ الحُرّ وأنصارِ العقلانيّة الخالصة”(3)، كيفَ لا وقد ظلّوا يُقيمون المناقشاتِ والمُجادلات في الذِّروة والغَارب، حولَ مُختلفِ المواضيعِ والشؤون التي ما كانت الحرية منفصلةً عنها، لذلك يرتفعُ العجبُ حول أَسْرِ المُعتزلة قلوبَ الفلاسفة والعلماء، إذا عُلم أنّ ما من شيء أقربُ لهؤلاء أكثر من الحرية، التي جعل منها المعتزلة أسمى صفة لله، وأرقى مَيزة مُنحت للإنسان من طرفِ الخالق(4)، إذ أدمجوا الحريّة في الأصل الثاني من أصولهم الخمس المعروفة، وهو أصلُ “العدل”، فحسبُهم ما من سبيل ليكونَ الإله عادلًا اتجاه الإنسان؛ إلا بمنحِ هذا الأخير الحرية، وعلى هذه الحرية يحاسبه، فهو مُكلّف من دونِ سائر المخلوقات فقط لأنّه حُرّ، وما إنْ تتهاوى حريته حتى يسقُط عنه التكليف، الذي مناطهُ الإختيار، شدد المعتزلة على هذا التأويل حتى لقبوا بـ”العَدلية”، خصوصًا وأنّهم ربطوا ذلك بالعقل بشكل قبليّ حتى عن ورود الشرع(5).

إعلان

فأنْ يعاقب الإله العبدَ على شيء أجبره عليه، إنّما ذلك مما لا يستريب في بطلانه عاقل، هكذا فالإنسان غير جمادٍ تجري عليه الأفعال، كما يجري الماء على الحجر، وإنما يختَّصُّ بإرادة الإختيار، بذلك يكونُ الله خالقٌ لعابده حصرًا لا خالق لأفعالهم، إنما هذه الأخيرة تقع مسؤولية اتخاذها على عاتق الإنسان تخصيصًا(6). بذلك يكونُ العظيم عند المعتزلة أنّ الله في تصوّرهم لمْ يجبر الإنسان على فعلِ الخير أو الشّر فقط، بل أودع فيه القدرة على فعلهما معًا(7)، بذلك يكون الخالق قد بثَّ في الإنسان “إرادة الحرية“، أي إرادة التمرُّد ضد الإجبار، التي بدونها لا يمكنُ التمييْز بين الخير والشّر.

أما في حُكمِ المنطق، فإن المعتزلة قد انطلقت من المقدمة البديهية التالية: لكلِّ معلولٍ علّة واحدة لا علَّتان، هكذا فإن مقتضى العقل: القول بأنَّ للفعل الإنساني أيضًا علّة واحدة، أي مقدورٌ واحد (7)، الذي لا يصحُّ أنْ يوزّع بين مقدورين (الله والإنسان في نفس الوقت)، وبالتالي فإنَّ فعلَ العبد مقدورٌ عليه، حيث يخرجه إلى الوجود بإرادته، ينتجُ عن هذا أنَّ الإنسانَ حُرٌّ مستقل، غير مجبورٍ بأي سلطانٍ غيرَ إرادته الذاتية.

ولعلّك مندهشٌ من كون هذا الموقف الجليل، كان مّما قد ارتفعت به عقيرةُ بعض المسلمين في القرون الوسطى، إذْ تتبيّن درجةَ العظمةِ التي سَمِقَ إليها خصوصًا إذا قارنّاه بمعاييرِ عصره، التي كانَ فيها اعتقاد الإنسان في ضعفه وإستعباده وصغره ضارب بأطنابه في العُقول والفُعول.

واضحٌ مما تقدم أنّ المعتزلة جعلوا من الله ليس مانحًا للحرية فقط؛ بل جعلوا منه أيضًا حارسًا وضامنًا لها، فلا حرية من دونِ وجود للإله، فدليلُ وجوده هو منحهُ الحريّة لمنْ أراد أن يكفر به، لولا ذلك لجعلَ الله كل الخلق مؤمنين به، إذا كان الواقعُ نقيضَ ذلك، فإنّما يدلُّ على أنّ ما غاية وجوده إلّا حراسةَ هذه الحريّة.

غيرَ أنَّ المعتزلة تضيفُ ضمانةً أخرى للحرية وهي “الدولة”، فإنعدام الدولة معناه شيوعُ الفوضى، ومتى علمنا أن وردة الحرية لا تُزهر إلا في بستانِ النظام، علمنا أن الدّولة التي تحفظُ النظام أساسُ حفظِ الحرية(9).

هيغل معتزليًّا:

بالانتقال إلى الفكر الأوربيّ، لا يمكن أنْ يجلوا عن عينِ باحث العمارة الفلسفية السامقة التي بناها هيغل فوق أساسِ الحرية، إلى حدِّ كون “الرّوح المطلق” في النظام الهيجيلي ليسَ شيئًا آخر غيرَ الذات، التي لم تُجعل كذلك سوى كونها موضوعًا متفردًا للحريّة، فغنيٌ عن البيانِ أنّ هيغل كانَ فيلسوفًا للتاريخِ بالأساس، فلم يستنتج من دراساته له، سوى أن التّاريخ سيرورةُ مُنطلقة من حالةِ الطبيعة منتقلةٌ إلى العبودية معرّجة إلى سلطان الحرية، إذ حسبه مستقبل الإنسان محكومٌ بحتميّة الحُرية.

ما من ناظرٍ في فلسفة هيغل إلا ويجدُ مدارها كله حولَ مفهومٍ وقيمةٍ واحدة هي: الحرية، فالرجل ما درسَ التاريخ إلا ليقفَ بشكل أساسيّ على كيف يتطوّر وعْي الإنسانِ بحرّيته وبذاته، ثم كيف يرتقي الوعي إلى الفِعل، وليسَ ذلك بغريبٍ عن الفلسفة المثاليّة التي ينتمي إليها صاحب “فينومينولوجيا الروح”، فهو سَليل زمرة من الفلاسفة الألمان الذين ما اشتغلوا بالفلسفة إلا لقاء فهم ثم توطيدُ أركان الحريّة في مجتمعاتهم، فهذا شيلينغ الصديق والأستاذ المُباشر لهيغل يقول:”إنَّ نسقي الفلسفي من بدايته إلى نهايته، إنّما هو تحليلِ لمفهومِ الحريّة”(10)، وعلى نفس المنوال ينسجُ تلميذه إذْ يؤكّد بـ: “إنَّ الحرية لهيَ مبتدئ ومنتهى الفلسفة”(11).

لقد كان هيغل مهتمًّا بالتفكير في شروطِ الانتقال إلى مجتمعٍ حديث، فأدركَ بأنّ إصلاحَ الإنسان أهمُّ هذه الشروط، فانتهى إلى أن أساس أي تغيرٍ حضاريّ يتجسّد في تحريرِ البشر(12)، وهو شرط تفتق إبداعاتهم، ومتى كان الإبداع ركنَ تقدمِ أيّ مجتمع، فإنّ الحرية شرطُ ازدهاره، ولا ينبغي هنا أنّ ينصرفَ فهمنا إلى الحرية العامة فقط، بل الحريّة الفرديّة كذلك إذ اعتبرَ الرّجل في “أصولِ فلسفة الحقّ”، أنّ أهمَّ إنجازٍ للحضارةِ الغربيّة هو خلقُ فضاءٍ خاصٍّ بالفردِ حصرًا، وهو فضاءُ حريّته الحميمة. وهو فضاءٌ لا يتحقَّقُ إلا داخل شيء لم تعرفه الحضاراتُ السابقة وقد ظهرلأول مرة في أوروبا، هو: المجتمعُ المدنيّ، هذا الفضاءُ الفردي الخاصّ،  هو ما يميّز بين المجتمع والدولة القديمين، ونظيرهم في الحداثة(13).

زيادة على ذلك فإنّ حتميّة تنظيمِ المجتمع تخلقُ الحاجة إلى القانون، ولتكليفِ النّاس بهِ وجبَ حسبَ هيغل تحريرهم، إذْ لا مسؤوليّة بدونِ حريّة، أي من دون إرادة فرديّة حرة. يقول الدكتور محمد الشيخ: “من المعلومِ أنّ مسألة الحريّة عند هيغل مرتبطةٌ أولًا وقبلَ كل شيء بمسألة [الإرادة]، فحيثما أمكن الحديثُ عن الإرادة، فاعلمْ أنّ ذلك وجه من أوجه الحريّة، أو لنقلْ إنّه طريقُ الحريّة” (14). من جهة أخرى النظام والحياة المشتركة يحتاجان إلى توفير حسٍّ أخلاقيّ لدى الأفراد، وهنا مرة أخرى لا يجد هيغل من سبيلٍ لتحسينِ أخلاقِ النّاس سوى بتحريرهم، فالعبيدُ أو الجماداتُ لا مقدرةَ لهم على التمييز بين الخير والشّر، فحتى تكون مناقبُ الإنسان ميمونةً، قمينٌ بسلوك الخير فيه أن ينبعُ من إرادته الحرّة الذاتيّة، لا أنْ يكون َمدفوعًا إليه دفعا من الخارج، وإلا جسّد سلوك الخير بهذه الطريقة “نفاقًا”، يقول هيغل: “إنّ الحاجة الداخليّة المُلحّة للإنسانِ هي أنْ يكونَ حُرًا، أي أنْ لا يتلقى من أحدٍ سواه قاعدة فعله”(15) سواءً كان هذا الفعل من طبيعة أخلاقيّة أو سياسيّة أو غيرها، هكذا فالأخلاق الصّادقة موجودة متى وُجدت إرادة فردّية حُرة أساسًا، ولعلّ هذا ما يذكر برأي المعتزلة الذي قضى بقصرِ التكليفِ الدينيّ على الفردِ المسلم الحُرّ.

أمّا الشرطُ الثالث لهذا الانتقال؛ فهو وجودٌ ثم إصلاح الدولة، وإصلاحها حسبه لا يتمُّ دون إصلاح “الدين”، فلو عدنا لمراجعة أحوال الحرية في التاريخ لوجدنا أنّ لم يكسف شمسها ولم يتعسف عليها أحدٌ أكثرَ من الدين والدولة، لذلك فإنّ إصلاحَ الدولة متضمّن في إصلاحِ المؤسسة السياسية الأهم، إذ أصرّ هيغل في موسوعةِ العلوم الفلسفيّة بأنّه: “لا إصلاحَ للدولة من دون إصلاحٍ للدين، فلن يفيد عقلنةُ القوانين بغير الإستغناءِ عن انعدام الحرية الذي يحكم الدين”(16)، وفي موضعٍ آخر قال: “لا بدَّ ألا ننسى أنّ الدين يمكن أن يتخذ شكلاً يؤدي إلى أقسا ضروبِ العبودية، التي يخضعُ فيها الإنسانُ إلى قيودِ الخُرافة، ويهبطُ إلى ما دون مستوى الحيوان”(17).

على الرّغم من أنَ هيغل يرى في الديّن محرّكًا للتقدُّم والحريّة، بل جائتْ المسيحيّة حسبَهُ في ظرفٍ تاريخيّ كي تجدّد هذه الهِّمة، بعد أن خفتت محرّكاتها في الثقافتين الفارسية والإغريقيّة والرومانيّة(18)، رغم ذلك فإن هيغل يميّز في الدين بين نوعين: “دين ذاتيّ” و “دين مُنزَّل”، أمّا الأول فإنه دين القلب وهو ما يلهم في الإنسان كل الأعمال الجليلة، إلى حدِّ أنّ هيغل ينسب إليه ابتكار أسمى الفنون والعلوم(19)، أما الثاني فإنه دينُ الثيولوجيا أو الدوغما La Dogme، وهو الذي يصفه هيغل بدينِ الطقوس، إنّه شكلٌ من دينٍ متجمّد على بعضِ الأوامر والفرائضِ والعبادات، وخالٍ من الرّوح التي أينما ذهبت قالت للحريّة تعالي معي، بذلك فإنه عندما يخلو الدين من هذه الروح يصبح كذلك خاليًا من الحرّية (20)، وأهمُّ ما يميّز ذلكَ؛ هو أنه يفرض على الإنسان قاعدةً تصرفه بشكل خارجي، يشرح ببراعة ذلك جون هيبوليت قائلا: “يقومُ الدين المنزّل على السيطرة، ويعاملُ الإنسان كطفلٍ، ليفرضَ عليه من الخارجِ ما ليس متضمِّنًا في مبادئ عقله”(21)، وهو تمييز في الدين نجد كل متفلسفةِ الحداثة قد أقاموه قبلَ تناولِ الدّين بالدّراسة والنَّظر، وأشهرهم جون جاك روسو الذي ميز بين “دينِ المواطن” و “دين الإنسان”، الأول دين دولة الكنيسة الذي يقوم على القهر والطغيان، أمّا الثاني فقد وسمه روسو بـ”الدّين المدني”، وهو دينُ الحرية والسّلم (22)، ليسَ من المستبعدِ أنْ يكون هيغل قد أخذ تقسيمه ذاك من الفيلسوف الفرنسي.

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: مهدي جعفر

تدقيق لغوي: رنا داود

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.