تأخذك إلى أعماق الفكر

فيلم Pain and Glory: متوالية ألمودوبار السردية التي أبانت حياته

ألم ومجد، تقع بين هاتين الكلمتين قصة صديقُنا السيد (سلفادور)، أو بالأحرى قصة مُخرج العمل (بيدرو ألمودوبار)، وما بين المُخرج وقصته؛ مجرد غطاء شفاف لا يحجب كون الاثنين لا يُمكن فصلهما إطلاقًا، حتى لو أراد أحدهم ذلك، هُما نفس الشخص، لا يستطيعان التهرب من توحدهما.
دائمًا ما صاحب المجدَ الألمُ، وهذا الانسجام ينبع من حقيقة كون الإنسان مجبور على تلك الحياة، حتى لو أصابَ المجدَ، ورمق التصفيق، وحمل التسابيح على لسانٍ يموجُ بالموهبة والفن. سيظل هذا التآلف ــ بين المجد والألم ــ المُلازم لأصحاب العقول الفذة والقُدرات العالية، يدفع بموج من الغضب والمرض، ويفيض بالطاقة.

رُبما يترجم الجسد تلك الطاقة الدافقة، ويُحيلها إلى عُزلة واغتراب واكتئاب مُصاحب لعجزٍ مَرَضي، أو يستعيض بها، ويقيم بها إلى مرتبة القُدرة الأيقونية، بما لها من عنفوان وقوة، ولكن صديقَنا هُنا لم يكسر حاجز الحُزن والتيه بعد، بل ذاب في عُباب النُسَخ الزائفة، والليل اللا نهائي الذي يصحبه تشكيك وخوف ووحدة.

القصة

تدور القصة حول المُخرج السينمائي والفنان (سلفادور) والذي يُعاني بشدة من المرض في أغلب أجزاءه وأعضاءه، وهذه ليست المُشكلة، بل العُقدة هُنا أنه لا يتمكن من ممارسة هوايته الأبدية في صُنع الأفلام كما السابق؛ بسبب توهّن جسده، وفتور صحته، لذا حري به أن يُلازم المنزل، ويداوم على جُرعة الدواء. ومن هُنا تنطلق نقطة البداية، في سباقٍ بطيء يحملُه على التريث والتهاون في أخذ القرارات التي دائمًا ما تميل نحو السلبية والاختفاء.

يتلقى (سلفادور) اتصالًا من مُديرة أعماله التي تُخبره بدورها بحصر فيلمه القديم (النكهة) ضمن الكلاسيكيات، وتُخطره بكم الإشادة والحفاوة التي يضمرها النُّقاد والجماهير له ولعبقرية تصوره، وأن الفيلم سوف يُعرَض مرة أخرى في دار للسينما، وأن من الواجب الذهاب مع بطل الفيلم (ألبيرتو) لمحادثة ودية مع الجماهير، تنطوي على تبادل الأسئلة والإجابات حول الفيلم. ولكن على النقيض، يشعر (سلفادور) أن المُمثل (ألبيرتو) ــ الذي كان آنذاك في عنفوان شبابه ــ لم يقم بالدور كما تخيله المُخرج، بل أعيا النص والصورة، وهوى بهما. ومن هُنا يذهب (سلفادور) لإخبار (ألبرتو) بالأمر، وأثناء ذلك يذوب ويتردّى (سلفادور) في طوفان من الذكريات التي تخطُر له.

الإخراج والسيناريو (بيدرو ألمودوبار)

ومن هُنا يتضح لنا أن القصة تسير في اتجاهين، الخط السردي الأول يدور في الحاضر، والخط السردي الثاني يدور في الماضي. وهذه نُقطة استقبلها المُخرج ببراعة، ومرّغ فيها الصورة بكُل ما ملكت يداه، الكادرات كانت مُغلقة وضيقة في حاضر (سلفادور) وعلى الرغم من ذلك كانت الألوان مُتباينة ومتناسقة بشكل فني كبير، يغلب عليها اللون الأحمر، لون الشعب الإسباني المُفضل. أما في الماضي فكانت الكادرات أكثر اتساعًا وأنفس على مستوى المناظر. يخوض المُخرج وكاتب السيناريو العظيم (بيدرو ألمودوبار) بخفة خلال المشاهد، بكاميرا تميل للبطء، بالإضافة لاستخدام الألوان والمواقع المُناسبة للتأريخ لحقبة مميزة في التاريخ الإسباني، على الرغم أن الفيلم لم يهتم بتلك المنطقة المُهمة للتأريخ الفني للحكايات.

إعلان

الأفضل بين كُل عناصر الفيلم كان السيناريو، تلك الكلمات المُتدفقة، التي تخرج من ماضٍ غضٍّ بالألوان، وحاضرٍ رمادي. لوهلة ستشعر أن ذاك النص المكتوب هو انعكاس لعاطفة الكاتب، أو نوستالجيا مؤرقة، أو رثاء المُخرج لنفسه في بعض الأوقات، وبالتأكيد هُناك صلة كبيرة بين المُخرج وبطل الفيلم.

روعة السيناريو تكمن في دنوه إلى العاطفة والقلب بشكل كبير، وإذا كانت الكاميرا بطيئة بعض الشيء، فذلك لدواعي القصة والسرد، ومن هذه النقطة مُنطلق الرواة، ومعقل الإبلاغ. تمطَّى النص وفرج ذراعيه على أخرهما، ونجح في الانبساط، واستطاع المُخرج بصنعةٍ مميزةٍ أن يتمخض عن تفاعل الكاميرا والألوان مع أوجه النص المُتعددة، والخطوط الزمنية المتباعدة، وفي بعض الأحيان سيسترعي انتباهك حالة من جمود اللحظة، وهذه هي قوة الكلمة، أن تتمكن من إعادة المشهد مجددًا لكي تستلذ بنصف إنش من الترجمة أسفل الشاشة. هذا التّماس الواضح بين النص في كثير من الأحيان، والنفس المُشاهدة، إنه العامل المُشترك بين الصانع والمُتلقي.

ظِل فدريكو فيلليني

إذا دققنا النظر، سنجد أن هُناك وجهَ تجانُسٍ ومماثلةٍ بين فيلمنا هذا، وتحفة المُخرج الإيطالي (فيدريكو فيلليني) وهي فيلم (ثمانية ونصف)، الاثنان يشتركان في مُعاناة الرجوع لصناعة الأفلام مرة أخرى، سواء لعدم وجود رغبة في الإكمال، أو مواضيع للكتابة، وأظن أن الأمور بالنسبة للمُخرج (بيدرو ألمودوبار) تُشبه كثيرًا الأمور بالنسبة (لفدريكو فيلليني) إنه الوجه الأخر لصُنّاع السينما، فعندما أراد (فيلليني) أن يكتب فيلمًا يعكس تخيلاته، ويشبه حياته المحبوسة داخله، صنع فيلم (ثمانية ونصف) وأضحى الفيلم من كلاسيكيات السينما العالمية.

وبهذا يُمكننا تطبيق نفس الكلام على (بيدرو) فالفيلم رُبما جاء في صيغة حنين لأيام المجد، أو رثاء للمستقبل، بيد أنه انعكاس واضح لدخيلة الكاتب، ودهاليز عقله. إنه الخلود من خلال الحكايات، وصُنع شريط سينمائي صِرْف من بطانة عقل التجربة التي خاضها المُخرج واستخرج منها تجارب وأشخاصًا ما زال متشبثًا بهم حتى الآن، ولكنه بشكل ما، يشبه بطل (فيلليني) (غويدو أنسيلمي) الذي يشعر بالخوف والقلق، ويغوص في الاكتئاب، وذاك لأنه يواجه مُعضلة البحث عن البطل السينمائي في قصته، بينما هو ملفوف بعالم هش يفتقد للأصالة.

إنها مُعضلة تقنية يواجها المُبدع في وقت من الأوقات عندما لا يجد الإلهام في عالمه الخارجي الذي يُسبب له نوعًا من التعاسة. بينما (سلفادور) بطل (بيدرو) يبحث في ذكرياته عن ذاته القديمة، وكيف انبرى رجُلًا يمتلك الموهبة، ولكنه الآن لا شيء، إنه يتصبر بالماضي على الحاضر، فيما يُصارع داخله الرغبة في العودة لهوايته المفضلة التي يعوقها الجسد. إنه بشكل أو بآخر يواجه نفس المُشكلة، ولكنها ليست تقنية، إنها مُشكلة الاستخفاف بالذات، والصدمات الخارجية التي تشل من حركة المُبدع بشكل ما، فيسقط من خلالها في هُوَّة الاكتئاب، وفقد الثقة.

فلسفة ذاتية تطغى على الفيلم

افتقد سلفادور التعاطي الإيجابي مع العالم، وآثر التعاطي مع ذاته، وهذا نتيجة لانسحاقه تحت وطأة الزمن والقدر اللذين مارسا السطوة عليه، فجرَّداه من أهم الأشياء لديه في مدة قصيرة، فموت والدته قبل أربع سنوات، ثم العملية الجراحية في ظهره قبل عامين، بالإضافة لتطور هذا الشعور بالخيبة إلى اضطراب وتشكك ولا مُبالاة، وهذا بدوره أدي إلى اقتناعه بأن فيلمه لم ينجح بالشكل المطلوب، وأن الممثل لم يؤدِّ الدور كما يجب.

فقدان (سلفادور) الثقة إجماليًا في حاضره، بسبب انتهاك العالم أغلى أشيائه، وتركه ذابلًا ذاويًا على نفسه، وأنا بالطبع أعرف أن السقوط في الاكتئاب أمر عادي بالنسبة للمُبدعين المتفوقين في صنعتهم، والأمر يختلف بين كُل فنان وآخر، فكُل فنان يجد الجمال بين الحُطام، وعندما يسقط في هوة جلد الذات يجد مخرجًا ومنفذًا، وهُنا جاء دور الذكريات التي التجأ لها (سلفادور) ليس بإرادته، وإنما قسرًا؛ فوجد فيها عزاءً لدُنياه المفقودة، مثلما استجار بمُخدر الهروين على جسده الواهن.

والجميل هُنا أنه كُلما يسعى أكثر لذكرياته يجدها تسعى إليه هي الأخرى، فتُرسل له بعض الإشارات الميتافيزيقية، مثل صديقه (فيديريكو) الذي شاركه شطرًا كبيرًا من الحياة، ولوحة الفتى اليافع (أدواردو) التي وجدها في معرضٍ ببرشلونة؛ وتتحرك المياه الراكدة مرة أخري، ويكتسب الفن في رأسه ديناميكية، ويؤكد شرعيته في حمل راية الفن، ويعود للطريق.

الاكتفاء والمُكاشفة

يُمكننا القول إن المُخرج الرائع (بيدرو ألمودوبار) قد أكتفى من الذكريات، ومرر شريط أحلامه على عينيه، فغطى وجهه، ولوَّن كونه، ومن هُنا تولد لديه رغبة في المُكاشفة، وبناء على تلك الرغبة في الخلاص من ثِقلٍ ولَّى زمانُه، أفضى (ألمودوبار) برسائله على شاكلة الصورة، واستحدث بميلودراما فائقة، شعورَه بالندم، ورغبتَه بالتصحيح والاعتذار لكُل من مر بحياته، لأمه، ولصديقه، ولأفلامه. بيد أنه أراد الصراخ أيضًا، فهو مُترَعٌ بالمشاعر، زاخرٌ بالذروة الممتلئة، فأخبرنا بطفولته، ودراسته للموسيقى، وحُبه للسينما، وتعاطيه للمُخدرات، إنها أعلى درجات الذاتية، مغمورة بالموت.

إشكالية الفنان

إنه نوع من العبث أن تكون فنانًا، فالجمالية ليس محفوظة في قوالب أو مخبوءة في عباءات العباقرة؛ إنها بحرٌ من الغلالات، إذا لم تقاوم موجه؛ فأنت في خبر كان، فكما قُلنا سابقًا عن بطل فيلم (ثمانية ونصف) وكيف كان يبذل من النفس أقدرها، ويُنفق من الجُهد أنفسه، لكي يتمكن من شجب الحجاب القائم بين رؤيته السطحية وأفكاره الباطنية، وهُنا أيضًا نوع من التمرد على الفن، فالفنان الحالي يُعاني من أزمة الشرعية نوعًا ما، مثلما ورد في كتاب (مارك جيمينيز) الذي يُسمى (ما الجمالية؟)، فهو مُتهم بالسهولة والاستساغة، والميوعة والرخاوة، وما زالت تلك الإشكالية تُلاحق الفنانين، وخصوصًا في تلك الجُزئية التقنية والتكنولوجية الذي أوردها المُخرج العظيم (مارتن سكورسيزي) في تصريحاته منذ شهور قليلة.

وعلى الجهة الأخرى، فهذا نوع من التفكك والتفسّخ لكُل ما هو أصيل، إنه باختصار موت للفن، بيد أن تلك التجربة، تتدفق على النقيض، في مواجهة كُل أمواج النقد، حول كيفية مواجهة الإنسان للحياة، وكم الجُهد الذي يبذله لكي يحول رؤيته لصورة على الشاشة. يسلط الفيلمُ الضوءَ على مُعاناة الفنان، ويشرح أنه ما من سيف مهما كان ثقله ومضاؤه سيظل يضرب إلى الأبد، بل يحتاج إلى شحذ، لكنه لا يستقبل هذا الاهتمام والشحذ بسهولة، وفيما يضرب المصير وجه المخرج، يدير له وجهه الأخر، ولكن تلك المرة بالورق على الطاولة، والكاميرا في الموقع، والممثلين في أماكنهم.

التمثيل

لا نحتاج الكثير من الحديث لكي نوضح أن أداء (أنطونيو بانديراس) هو أفضل أداء قدمه في حياته تقريبًا، هذه الحركات البطيئة المتهاونة، وتلك العيون نصف المُغلقة، وهذه الروح المُغلقة بالتمام على نفسها، تمكن من رسم الصورة الكاملة، لفنانٍ ما ود الدُنيا أن تمُط وتنط أكثر من دقائق معدودة، مُخرج غير لهيف على المال، لأنه لا يأتي مما يُحب، تُطارده الذكريات فينتعش قليلًا ولكن آلامه تعود وتعصف به إلى سريره الصغير ورواياته الكثيرة. بجانبه كانت (باينلوب كروز) المميزة دائمًا، ودون أي مفاجئات في أداءها، فهي الأجمل بدون شك.

متلازمة الممثل والمُخرج

هي الاقتران المشهور بين الممثل والمُخرج، حيث يفضل المُخرج العمل مع ممثل بعينه، ويفضل الممثل العمل مع مُخرج بعينه، وهذه الصلة والرباط الفني الذي يجمع بين شخصين ورُبما أكثر من شخص، توفر الانسجام والكيمياء الواجب توفرها في موقع التصوير، فربما يفهمان بعضهما من النظرات، وبدون كلام. وهذه العلاقة نراها بين المُخرج (بيدرو ألمودوبار) والممثل (أنطونيو بانديراس) مثلما نجدها بين المُخرج العظيم (سكورسيزي) والممثل العظيم (روبرت دي نيرو)، والمُخرج الجليل (إنجمار بيرجمان) والممثلة (بيبي أندرسون)، تلك الثنائيات هي من صنعت تاريخ السينما.

لذلك عندما أراد (ألمودوبار) أن يصنع فيلمًا، قطعًا، لم يفكر البتة، بل جذب السيناريو، ووضعه في يد (بانديراس) وهو مطمئن. وأظن أن الألق الذي وضعه (بانديراس) في هذا الدور الكئيب، أعاده مجددًا إلى الطاولة، كنجم يُكرمه مهرجان (كان) السينمائي.

مراجع
مارك جيمينيز كتاب "ما الجمالية؟"

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: أحمد الخطيب

تدقيق لغوي: ندى حمدي

تدقيق علمي: نها العمراني

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.