تأخذك إلى أعماق الفكر

فلسفة شخصية – العبث بين الشك واليقين

قبل أن تشرع في قراءة هذا المقال، أرغب في التنويه أنني أسرد أفكاري الشخصية.

مُقدمة واجِبة أؤمن أن الثوابت تُرَّهات، و من يعتقد أنه يمتلك اليقين المطلق بالضرورة، هو أحمق و يتجرأ على خالِقه، فمهما عظم شأن عِلمك وبُرهانك عليه، فهو قابل للتغيير والتطور، بل وللمحو من الوجود ببساطة لثبات هرطقته فيما بعد! البشر يجتهدون بحق، ودائمي السعي للوصول للحقائق والعلم وهذا شأن جلّ و عظيم أحترمه كثيرًا، لكن ما يثير حنقي هو التحدث بشأن ما توصلوا إليه بشكل غير قابل للنقاش، وكأنه الحقيقة المُطلقة، أُرجِح ذلك للغرور البشري الذي يسري في دمائنا بالفطرة، لكن ألم يستوقِفُنا للحظة أن البشر تبنّوا نظريات وبراهيين على مر الزمن، ثم ثبت خطؤها و تداعيها في نهاية الأمر؟! كم من مُعتَقَد عِلميّ أو اجتماعيّ أو دينيّ أو شخصيّ حتى تم هدمهم بِفعل تَطور العقل البشري، وخُضوعه لقوانين أُخرى عبر الأزمة مما أثار بِداخِله حوافز أُخرى، دَفعته لبرهنة خطأ ما تم برهنته أنهُ صحيح من قبل!

چان بول سارتر

الوجود أولًا أم الماهية؟!

لطالما بُنيت الفلسفة القديمة على أن الماهية تسبق الوجود ، ومن هذه الفلسفة تبنّي الأفراد خديعة أن أوضاعهم قدريّة، ويُسلمون تسليمًا مُطلقًا أن الأوضاع المُزرية هي صُنع القدر، و ألّا دخل لهم في تغيير مجرى حياتهم، بل يضفو معظم الوقت عيل ذلك صبغة دينية مقدسة، وكأن الله سُيحاسبهم على أوضاع إجبارية من صُنعه! أليس بهذا افتراء على خالقهم و منافاة لصفة العدل الإلهي؟! أليس بهذا التدليس يتهرب الإنسان من مسؤولية وجوده؟! كان “ساتر” أول من تجرأ على مناقشة كون الوجود قبل الماهية، فطرح أن الأنسان هو من يتحكم بماهيته و ليس العكس، فنحن نولد أولًا ثم تتشكل ماهية وجودنا مع الأيام، ومن تشكيلنا لماهيتنا نتحمل مسؤولية وجودنا.

الحرية:

ترتعد فرائص البعض من ذكر كلمة الحرية، فهي في العقل الجمعي لبعض المجتمعات مرداف للفساد والعبث والعهر، فلطالما نجح من يهون القمع من رجال الدين والسياسة في طمس معالم هذه الكلمة، فهي نظير خطر للخروج عن القواعد التي تم وضعها للسيطرة على الجموع لصالح قوانين وضعية من صنع هؤلاء، طمعًا في مكاسب شخصية أو مادية، وإرضاء النفوس المريضة التي حلمت أن تكون خليفة للرب في الأرض، كيف لمن هوس بالسيطرة أن يدع للبشر حق السيطرة على مصائرهم، وأن يتحملوا مسؤولية أفعالهم وأقوالهم، كيف لهم أن يرضوا أن يكون الخالق هو المسؤول الوحيد، هيا لماذا لا نشاركه المسؤولية تحت قناع من الورع الزائف!!

إعلان

المسؤولية في الحرية:

قرن “سارتر” بين أن الوجود يسبق الماهية والحرية، فالإنسان هو المسؤول الأول عن اختياراته – ( لا أتحدث هنا عن موت أو حياة أو حتى مرض ) – فالإرادة الحرة هي ما تميز وجود الإنسان، مما يترتب على ذلك أن يتحمل الإنسان مسؤولية تلك الحرية ونتائج وعواقب الأفعال والأقوال، فكما يقول “سارتر”: وهكذا أكون مسؤولًا أمام نفسي وأمام الجميع، فأبدع صورة محددة للإنسان الذي اختاره، وباختياري لنفسي، فإني أختار الإنسان. و من هذا المنطلق أجد نفسي مدفوعة للإيمان بصحة قوله حتى يأتي من يغير لي تلك القناعات مرة أخرى! لذلك فمن المنطقي أن تكون الحرية مصدر قلق و خوف للأفراد، فمعني هذا أنني مسؤول مسؤولية تامة عن كوني أنا هذا الشخص الذي يتواجد أمامك بكل ما يعتريه، فكما يضيف “سارتر” : الإنسان محكوم عليه بالحرية، محكوم عليه لأنه ليس هو من خلق نفسه، إلا أنه مع ذلك يكون حرًا، لأنه بمجرد ما يلقى به في العالم يكون مسؤولًا على كل مايفعل.

الحق في التفكير والإدراك:

الله خلق لي العقل ووهب لي الحرية، وترك لي بعظمته وجلاله حتى أحقية أن أؤمن به أو لا أؤمن، رغم أنه كان قادرًا على خلقي أؤمن بوجوده بالإجبار بسهولة بالغة، فكيف لك أيها البائس أن تفرض حجرًا شاملًا على أفكاري ومعتقداتي، وأن تسن قوانين قمعية، إما للتحدث باسم الرب، أو لفرض قيود غير إنسانية لطمس هوية الفرد المطلق، ومحاولة قولبة جميع الأفراد في قالب واحد، تحت إطار محدد، ومقرر من قِبل البشر؟!!

فالذي ترك الحرية للشيطان كي يناطحه ويعصيه، لن يريد للمجتمع البشري أن يتم قولبتهم داخل إطار محدد ومرسوم بدقة من قِبل البشر، لا أتحدث عن قوانين تحمي حقوق الأفراد، فبالطبع لا أريد أن أعيش في مجتمع يمرح به قاتل يجوب الشوارع بحرية، فمن حق كل مجتمع أن يسن قوانين تحمي أفراده من الفوضى الحقيقة، وأن يحمي حدود أفراده، فلا أدعو إلى قيام مجتمعات أناركية بالطبع،لكن ما أصبح يحدث هو أن يتم الزج بقوانين قمعية تحت إطار الحماية من الفوضى أو الحفاظ على المجتمع، رغم أنها لا تخدم غالبًا إلا ذوي السلطة والساسة في كافة المجتمعات!!

الوجود
العلاج النفسي بثقب الجمجمة

بين الشك واليقين

ترجع الحجج التي جمعها قدماء الشكاك من اليونان وخلفوها لمن جاء بعدهم إلى أربع حجج:
الأولى: الأخطاء التي يقع فيها الناس ومنها أخطاء الحواس، وأخطاء الوجدان في اليقظة والمنام، وأخطاء الذاكرة، وأخطاء الاستدلال، وهذيان المحمومين، وتخيلات المجانين.
الثانية: اختلاف الناس في إحساساتهم وآرائهم وعقائدهم وأخلاقهم وعاداتهم، وكل متعصب لقناعاته.
الثالثة: امتناع البرهان التام، فإن البرهنة على قضية ما تستلزم الاستناد على قضية أخرى، وهذه تستلزم الاستناد على ثالثة، وهكذا إلى ما لا نهاية، فنحن مسوقون إلى التسلسل دون أن نستطيع الوقوف عند حد، وإرساء العلم على أساس.
الرابعة: امتناع التدليل على صدق العقل، وهذا الدليل واجب، إذ من التخلف الوثوق بالعقل قبل الاستيثاق من إمكان الوثوق به، ولا نستوثق من هذا الإمكان إلا بالعقل، ولا يصح أن يكون العقل حكمًا في صدقه هو، أو نقع في دور لا مخرج منه.

هل سنتفق كبشر أبدًا؟!

لست من مؤيدي الشكاك من اليونان، لكن أتفق على إستحالة قمع الناس تحت عباءة موحدة، وإن كانوا في مجتمع واحد! كما أجد أن العلم مهما كانت اكتشفاته ونظرياته مبنية على إثباتات ودلالات، إلا أنها قابلة للتغيير، أو حتى المحو مع الوقت والتطور، ألم يتم ثقب جمجمة المريض النفسي قديمًا من قبل الأطباء! ألم يتم معالجة المرضى النفسيين حتى السبعينات من القرن السابق عن طريق “المعالجة بالغيبوبة الإنسولينية” والعلاجات الاختلاجية “الكهربية وكارديازل/ ميتازول” كمجموعة باسم العلاج بالصدمة، ثم أثبت أطباء وعلماء آخرين عبثية هذه الطرق العلاجية؟

فلسفة خاصة:

هذا التقديم كان طرحي أو العلم أو الدين مع أشخاص بعينِهم، وأؤمن بأن حقي في التفكير وحريتي الشخصية، وما أعتنق، هبة إلهية، وأن الثوابت وهم صنعه البعض من فاقدي الحيلة، والأمان والمتخوفين من اختبار الحرية والتغيير، ولا أطالب أي شخص أن يؤمن بما أؤمن به، ففي النهاية ربما أغير قناعتي.

نرشح لك: الوجـود والماهية : أيهما جاء أولا الدجاجة أم البيضة؟

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: هند عزت

تدقيق لغوي: مصعب محيسن

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.