تأخذك إلى أعماق الفكر

ماذا كان يقصد فريدريك نيتشه حين أعلن موت الإله ؟ (2)

(جزء 2)

كنا مرضى بهذه الحداثة، مرضى بهذا السلام المتعفن، وبالتنازلات الجبانة… ذلك التسامح ورحابة الصدر التي تغفر كل شيء لأنّها تفهم كل شيء، إنّها ريح سموم بالنسبة إلينا.
فريدريك نيتشه (1)

-موت الحداثة:

تمثل الحداثة فترة أو حقبة تمخضت بعد الثورة الفرنسية وفلسفات التنوير والعلوم والاختراعات التي عرفها عصرنا الحديث، كما شهدت قفزة في الاقتصاد والصناعة التي وجهت العالم بشكل مختلف كليًا، كما نشأت عن ذلك ثورة في الفكر الثقافي في العالم، وطلوع شمس مدارس اهتمت بدراسة الإنسان، والعالم من خلال نظرة مختلفة كليًا عما اقتضته العصور السابقة التي كانت تقيد الفكر، كما ظهر الإنسان ككائن منتج وفاعل في التاريخ.

غير أن نيتشه أراد التصدي لكل ما أفرزته الحداثة في هذا العصر من سوائل حداثية مزيفة، ويُعتبر في الحقيقة عراب الحداثة حيث كان من الأوائل المنتقدين لها ولأوروبا الحداثية، وكذلك المشككين في العقل مع الوعي.
إن نيتشه عند الكثير من الباحثين“علامة فارقة على انعطاف جذري في تاريخ الفلسفة ونقديته العنيفة التي ميزت الحداثة بعناوينها المختلفة كالحرية، والتقدم، والعقلانية. هي التربة التي أنبتت ما بات يعرف اليوم بتيار ما بعد الحداثة.” (2)
لقد تحدث نيتشه عن وقتنا الراهن الذي نعيشه حيث تلعب فيه الحداثة دورًا هامًا في تاريخنا، والتي تمخضت بدورها من الثورة الفرنسية وعصر التنوير، وطلوع روح الإنسان، كذلك النزعة الإنسانويّة التي ترى في الإنسان ذاتًا فاعلًا في التاريخ، منح المعنى للحياة ولذاته، وفردًا منتجًا ذو إرادة حرة يتقيد بالقوانين.(3)

فموت الإله هو فقدان الإيمان به، وبقيمه الإلهية سواء أخلاقية ومعرفية كما نجدها في الكتب المقدّسة، وربما ليس ذلك بالمشكلة، بل المشكلة الحقيقية هي بقاء الإيمان به لكن على نحو غير مباشر يجعل البشر متعلقين بالنزعة الإنسانوية والعقلانية والتنويرية، كذلك المثالية، وفلاسفة مثل كانط* وهيغل* وماركس* الذين رآهم نيتشه مع كل ما أفرزوه مجرد آلهة جديدة متجبرة على العقول والأجساد بأثواب وأسامي جديدة فقط.

يقول نيتشه عن كتابه ما وراء الخير والشر:“هذا الكتاب هو في جوهره نقد للحداثة، العلوم الحديثة، والفنون الحديثة، ولم تستثن منه حتى السياسة الحديثة”. (4)
فالنزعات السابقة إذن قد جعلت من العلم والمعرفة منفصلين عن الإله، أي إنكار نهل العلوم من بحر الرب والتسليم بأنها عطية إلهية، والاعتماد على العقل والتجربة، غير أنها ظلت تؤمن به وبحقيقة الحقيقة معًا، كما أنها لم تستطع التخلي عن الأفكار الميتافيزقية والدينية مثل: الحقيقة ثابتة وجوهرية، أو العالم يسير وفق غاية معينة وخط مستقيم. أما في العلوم ورغم إشادته بها والنهل منها فكان منها كثير من السلبيات مثل رؤيته في تمسك العلماء بالحقيقة المطلقة الثابتة كل الخطأ، حيث بتنا نرى علماء متمسكين ومتعصبين لفرضياتهم كل التمسك وكأنهم واثقون بوصولهم لشيء، كما يرى نيتشه أن المنهج العلمي قد انتصر على العلم نفسه. (5)

لقد جعلت الحداثة العالم عبارة عن مجتمعات استهلاكية تسلّع حتى الثقافة وتصدرها وتستهلكها مثلما تبيع سلعها، كما أنّها صدرت أكثر خرافات الذات الواحدة، الهوية، والفصل بين المجالات مثل: الفن، الإقتصاد، والسياسة، فكل شيء في العالم مترابط على عكس ما قدمته، وراحت منهمكة في التشديد على المساواة بين الجميع وبناء مدن فاضلة، والحقيقة أنه لا مساواة في العالم فالتراتب هو طبيعة كل شيء.
يقول بيار بودو* عن عبارة موت الإله المتعلقة بالحداثة:“لم يقتل نيتشه الإله، بل إن القرن التاسع عشر قرن الزيف والمال والهمينة الإقتصادية هو الذي عرض عليه جثة الإله”. (6)
إنّ هذا العالم عند نيتشه هو عالمٌ فاشلٌ، لا يستطيع الفرار من الماضي لأنه يتمسك بجوهره على نحو مضللٍ خادعٍ للبشر، بما في ذلك أخلاقه وحياته التي تعتبر مجرد ثوب علماني من نسيج الدين. كما أنّ جميع ما في العالم من حروب، وسياسات هوجاء، وحكام متجبرين يجعل الشخص يعيش في تناقض. فالناس ترى الديموقراطية والتطور والتقدم على نحو مثالي مع شعارات جوفاء، وفي نفس الوقت تدرك أن العالم كله متصارعٌ متناحر بسبب هذه الفضلات القديمة التي كان نيتشه يرفضها. (7)
إنّ التراتب الذي في العالم هو تراتب مقلوب، فالعبيد بأخلاقهم الارتكاسية والنافية للحياة هم الذين يتجبرون على الأسياد الحقيقيين، فثقافة الحداثة هذه التي لم تستطع التخلي عن الماضي اللاهوتي كليًا، ولو أنّها انتقدته وقتلت تسلط الآلهة المطلق، لقد رتبت الحداثة العالم والحقيقة على نحو مقلوب سواء سياسيًا، دوليًا، وأخلاقيًا؛ ولذلك فالإنسان الحديث ما هو إلا إنسان منحط. (8)
إنّ المجتمع الحداثي لا يجب أن ينظر فقط إلى حاضره كوسيلة لحفظ البقاء فقط أو المنفعه بالحياة، بل يجب أن يرتقي ولفعل ذلك علينا التخلي عن ظلال الإله الذي يقبع في هذه الحداثة المخادعة، إن الحداثة في الحقيقة قد ماتت فعلًا كما أراد لها نيتشه حيث كان من أوائل سفاحيها.

إعلان

تاريخ الأحاسيس الراقية والمثل الإنسانية -ولعلّه سيكون علي أن أروي هذا التاريخ- بإمكانه أن يمدنا بتوضيح حول السبب الذي جعل الإنسان يكون على هذه الدرجة العالية من الفساد.
فريدريك نيتشه (9)

-موت الإنسان الأخير:

لقد رأى ميشال فوكو* في الإنسان الأخير موتًا له، إن الإنسان الأخير هو وصف لنيتشه يتحدث فيه عن الإنسان الذي يعيش في عصرنا، إنسان الحداثة الذي عاين كل عمليات الموت التي مسّت المسيحية والقيم السائدة الثنائية والميتافيزقية، إن هذا الإنسان الأخير يرفض كل هذه القيم المطلقة، كما لديه إرادة نفي للحياة. (10)
يقول ميشال فوكو: “في تقديري أنّ ما هو مؤكد اليوم، وهو أمر أدركه نيتشه ليس موت الإله فحسب، بل موت الإنسان أيضًا”. (11)
إن موت الإله لا يجعل من الإنسان الأخير الذي قتله يفعل شيئًا بعده أو يعوض مكانه الفارغ كما فعل هيغل الذي استبدل العقل بالإله، وفويرباخ* الذي وضع محله الإنسان الحر، إن القيم التي زعزعتها الفلسفات والعلوم الحديثة هي زمن من إماتة مركزية الإله، كان الإنسان الأخير يعيش أيامها إلا أنه لم يفعل شيئًا ولم يقدم البديل، فهو قد أنكر القيم التي كانت سائدة ولم يستبدلها بقيم أخرى وجب أن تحل مكانها، بل حافظ على بعضها بطرق غير مباشرة وألّه نفسه. (12)

وإذا كان الإنسان هو ظل الإله حيث يتشكل في علاقة مع اللاهوت وبواسطته، أي كل ما هو إنساني هو متعلق بالإله وهباته ومشدودٌ إليه بخيوط عنكبوتية لا ترى، حتى إنسان القرن التاسع عشر اللابس لنزعاتٍ إنسانيةٍ حطمت الكثير، لكن ألّهت البشر بوصفهم أحرارًا وعارفين كما أسلفت الذكر، لذلك يعني أن كل ضرر للإله هو ضرر لعبده -أي الإنسان-.
وإذا كان الإله قد مات فالنتيجة تصرخ بموت الإنسان، مثلما يرى فوكو صحة ذلك كما سبق الذكر. (13) كما يرى هايدغر* أنه بموت الإله سيأتي إنسانُ من نوعٍ آخر. (14)

كما أن موت الإله قد أعلنه نيتشه في عدة فصول بعد أول مرة في كتابه “للعلم المرح”، فها هو في كتاب “هكذا تحدث زرادشت” يعلن أن الإله قد مات من الشفقة التي تمثل العدم والإرادة النافية، والارتكاسية، وحب قتل الغرائز وكل شيء جميل، و ها هو زرادشت يسأل البابا العاطل في أحد فقراته: “هل تعرف كيف مات؟ أصحيح ما يقوله الناس من أنّه مات مختنقا بشفقته؟ وبعد عدة أسطر يجيبه: “ذلك الإله القادم من الشرق كان قاسيًا ومتعطشًا للانتقام، ولكنه غدا عجوزًا في الأخير لينًا وهشا وشفوقا أشبه بالجد منه بل بالأب.. متعبًا من الحياة، منكسر الإرادة، وذات يوم مات مختنقًا بشفقته”.(15)

أما في فقرات معينة من نفس الكتاب فيقول فيها أنّ الإنسان الذي لقبه “بأقبح الآدميين” قد قتل الإله بعدما لم يتحمل شفقته عليه:” كان لابد له أن يموت لقد رأى بعينه ما رأى الجميع رأى أعماق الإنسان وأغواره وكل قبحه وعيوبه الدفينة لم تكن شفقته لتعرف حياء، كان يقبع في زاويتي الأكثر قذارة”. (16)
من هو أقبح الآدميين هذا الذي يقصده نيتشه؟ إنه الإنسان الارتكاسي والعدمي الذي فعل به ذلك، وهو رافض أو خائف من شفقته.
سواء كان الإله قد مات لأجلنا شفقةً ورحمةً أو قد قُتل، فأهم حدث هو موت الإنسان وثقافته الحداثية. (17) وسواء وهن الإله وضعف حتى أشفق علينا ومات بفعل نكراننا له وتحطيم قوته، فإننا سبب ذلك بعدميتنا.
إن العدمية معناها لغويًا “لا شيء” كما أنها بأنواع، فهناك العدمية السياسية التي ترفض القوانين والإلتزامات، وهناك العدمية الأخلاقية التي ترفض الأخلاق وكل تلك القيم، والعدمية الفلسفية وهي شكية ريبية، أما عند نيتشه فتكون العدمية في عدة مجالات في الحياة ورؤى وأفكار، كما أنّها تتراوح بين الإيجابية والسلبية والنقص في آن واحد.(18)

والإنسان الأخير في نظر نيتشه عدمي بشكل سالب وناقص وليس إيجابي، فالعدمية السلبية تسخّف من العالم الثاني وكذلك تحتقر عالمنا هذا، وكل الأمر يقوم على عدم اهتمامها بالإله مثل البوذية، والنزعة التشاؤمية العدمية، فهي تقزّم من العالمين معًا، و بهذا عدميتها مطلقة إذا شئنا قول ذلك، أما العدمية الناقصة فهي محاولة استبدال أعمدة القيم فقط وليس القيم ذاتها، فتحول الإلهي الى إنساني كما فعلت المثالية والعقلانيّة والإنسانوية، وهي بذلك لم تفعل شيئًا غير أنها لا تأتي لنا بأي قيم جديدة، وتلك هي العدمية الأخيرة للإنسان الأخير والنهائية.(19)

لكن هل هذه العدمية الأخيرة هي حدث أبدي أم أنّ هناك شيء سيولد من جديد؟، يقول ميشال فوكو : “إنّ موت الإنسان الأخير سيكون شرطًا لولادة الإنسان الأرقى”.(20) وهنا ستأتي العدمية الفاعلة، وهي عدمية سوف يتم فيها تأسيس قيم جديدة تحل محل القديمة كليًا.(21)
إذا مات الإله سيموت الإنسان إذن، ذلك الإنسان الذي لم يعش الماضي ويعيش الحاضر لكن بأدوات كان يعيشها أجداده، أفكار مثل مركزية العقل، ثبوتية وواحدية الذات، أخلاق الألوهية أو ميتافيزقية، وإرادة حرة حقيقية في ذاتها، كل هذه الأمور لا يزال يتشبث بها الإنسان الأخير رغم اغتياله الإله معتقدًا أنه بعيد عنه للأبد، هذا الإنسان قد قتل الإله فعلًا غير أنه لم يقم بتنفيذ خطوته الأخيرة، أي دفنه، فرائحة الإله المقدسة لا تزال تنبعث إليه و تؤثر فيه، إن الإنسان الأخير عدميٌ فلسفيًا، وأخلاقيًا، وسياسيًا، وأيما يمكن تصوره؛ وفي هذا سلب ونقص كما يراه نيتشه لأنه يجعله مجرد متبرمٍ ومتذمرٍ يقف مكتوف اليدين، عاجزًا عن خلق أي قيم جديدة تحل على تلك التي رفضها باستثناء التلاعب ببعض خيوطها العقلانية التي ذكرناها، غير أن الأمر مبشرُ في الأخير؛ لأن الإله مات وسيلحق به هذا الإنسان ليخرج لنا من الرماد إنسان آخر أرقى وأسمى.

إن أسلوبي هو ضرب من الرقص، هو يهزأ بكل التناسقات، وهو يتخطاها بقفزة ويسخر منها.
فريدريك نيتشه (22)

-موت المؤلف:

إن موت المؤلف مقولة قد وضعها رولان بارت* في الحقيقة، وهي تذهب إلى ما أنتجه القرن التاسع عشر من مفاهيم ومنجزات، فنهاية الفلسفة قد وضعت من قبل هيغل، وموت الغرب قد أعلنه اشبنجلر*، وموت الفن قد تحدث عنه بنيامين*، وموت الإله كان قد أطلق سراحه نيتشه. (23)
في القديم كانت النصوص تتعلق بنزعة الباحث دينيًا أو وجدانيًا سواء كان كاهنًا أو فيلسوفًا أو أديبًا، حيث ارتبط فكره وانفعاله معها، لقد كان المؤلف حاضرًا في النص مثلما تبعث ذلك كلماته.
يرى فرويد* أن بودلير* قد نبعت إنجازاته بسبب فشله الواقعي، كما يقول إميل سيوران* أنّ أدب كافكا* كان من أمراضه النفسية وفلسفة نيتشه كذلك، فالنص إذن وليد شعور ولاشعور المؤلف. (24)

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: سارة عمري

تدقيق لغوي: أمينة براهيمي

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.