تأخذك إلى أعماق الفكر

قصة قصيرة: فتى المئذنة

تنظر المئذنة إلى الفتى بأعين محدقةٍ، متمردًا على مرجة العشب. المَصلِيّون النافذون من أسكفة المسجد كالنمل ظنوا أنه “يهزر”، أو يمزح مزحة ثقيلة، وأنه سيجمع جسده من أحفة العشب ويقوم.

الشاب الميت المستلقي بسلام، كان منسجمًا تمامًا بدوره، حتى أنه لم يحرّك عقلة إصبع، حتى سبابته. المليون روحًا المحزونة وقفت مزروعة لجوار روحه الصموت. أين اختفى هذا الفتى عن آلاف الأذرع وفعل فعلته على المرجة؟ كيف تسللت تلك التعاسة إلى داخل المئذنة لدرجة أنها كفت عن الآذان، وأصبحت كلها أذان صاغية؟

وبالإدراك لكمّ الأحذية الراكنة إلى بسطة الجامع، فيمكن القول أنّ عدد الأحياء ثلاثة عشر فردًا؛ اثنان وفدوا على كلّ جانب منه. السيد (ق) قال عن بعد عن الجثة المترامية أن هذه الروح لعلها تحفل الآن بنعمة النظر، والوصول للاستكانة، قانعة بالاستقرار فوق أكاليل البراح، وهنالك ستقبع الروح العظمى، متأملة منظره البشع، وتغلي أنسجته إلى الجحيم، وتبصق.

نظر له (ط) صديقه على اعتبار أنه لو فكر ينتحر سيقذف نفسه تحت عجلات حافلة. أفضل! لن يرى أحد وجهه، وسيتفتت عظمه، وستنحل الأرض أجزاءه بسويتها. سيكون خفيفًا للغاية كغيمة ساكنة، سيفعلها بيوم ليزيّت عجلات قطارٍ بدمه… فكره عن المسكين أنه لم يحتمل المناخوليا القابعة تحت الأنسجة، الروائح الفطرية النافرة الناشرة للموت بأرنبة أنفه. ربما أراد ضجة أخيرة؛ بحثًا عن سعادة مجنونة حالمة، وهو ينزل بسطر وحيد مثله بملحق الوفيات:
“شاب يدعى كذا …انتحر أمام جامع”
سيكتب عنه أحد الشعراء المغامير قصيدة رثاء وستكون كالتالي:

“نبع الحياة أنت .. رضيت بعيشها
ألم تحتمل ما بها .. فقربت لموتها”

ستكون مبتذلة تمامًا، لكنه سيكون فَرِحًا على المرجة، وهو يقرأ ذلك بأخبار الغد، وهو يعبث مع قطة عمياء. من المؤكد أنّ أخبارنا تصعد إلى فوق. ولكن أحدًا -مع ذلك- لم يتحرك.

إعلان

توقف الشيخ المشنشن بالضحكات ورمق الجثة، تمتم “الله يحرق الحب وسنينه”.. كان يرجح تفسيره إلى أنّ الفتى المسكين كان غارقًا بوشيش برأسه إلى قمله. “تضيّع زينة الشباب من أجل امرأة، أعوذ بالله”.. غارب من النساء صار حاجزًا بينه وبين ربه.

الاهتمام الآن بالفتى، الباحث عن الوهم الجميل، تحب ..أتظن أنك لتحب امرأة تتوجه لها وتنفصل عمن حولك وتقول أنها الدنيا “خسئت.. وربما فتاة بلا جاذبية، منفرة، قاسية القلب؟ تنتحر وأمام جامع.. يا بجح؟! تبيد حياتك لأجل ست؟!” وظلّ يطنطن بالكلام مع نفسه..
لأن المناجاة النبيلة التي حدّثها إمام الجامع كانت أقوى إيمانه، لَعَنَه بسرّه وقد أدرك “لقد سلبني ثواب الجماعة.. ما العمل؟”
“هل يجوز أخذه إلى الجامع؟ أم لا لأنه كافر، ولا تجوز عليه صلاة؟” أم سيقولون “أنه أتى بيت الله ورده؟”
“آه يا رب كم أقاسي.. دلني ما العمل.. ما أفعل معه؟”

الفتى الذي لم يمد له أحد يده ليعرفه، من مكاني رأيت الصليب موشومًا بيده، من المؤكد أنه كان ينتظر المغفرة، المسيح سيخلصه، المسيح هو كل ما يعرفه، كم يحبه، لا يوجد رجلٌ أحبه مثلما أحبه المسيح. انتَظَرَ يومًا للتخليص، كان يكره حياته، ومن المؤكد أن المسيح سمع وعرف. عشرون عامًا ولم يتغير شيء، لم يعرف شيئًا عن نفسه، ولم يعرف ما معه. ربما كان الفتى يبحث عن معانقة، معانقة حقيقية.. عانَقَ الأرض بعد عشرين سنة. دقت عنقه، كان وصولاً جميلاً ومؤلمًا بنفس الوقت.

لكن الفتى المعنِيّ بالمرجة لم يعنيه، ذلك أنه نظر للفتى الملقى كما لو كان ينظر لقيء، قيء يجب أن يزيله وينظفه. هل سيترك الدم أثرًا على البتلات؛ طعام البقر؛ البقر الذي يأتي به كلّ سبت، ليطعم من المرجة؟ وراعيها ينقِّده، هل سيرضى جلب بقراته إلى بركة من الدم بعد هذا، لا بدّ أنّ أمر المرجة رائحته قد فاحت. لن يرضَى أحد أن يجلب بقراته، سيتواترون بشأن من سيجلب بقراته هاهنا، ستحلب بقراته دمًا، أها يا مسكين، كيف ستُأكّل أولادك؟ سيأكلون عشب المرجة بعد أكلك.

كان قد انتاب الكسلَ فرّاشُ الجامع، لم يكن وليد اليوم فقط، كان يشعر دومًا أنه ولد به، وأن إحساسًا بالطاعة فقد فُقد عبر المحاولات المستمرة في تغيير شكل وجوده، مما حياته كلها فارغة.

فكّر في أمر الجثة المنزلة، هل سيحملها على كتفه مرة واحدة؟ هل يقسمها على أجزاء.. إنّ عملاً فارغًا كهذا يعدّ عملاً فارغًا. هل هؤلاء المقاطيع الأنطاع الذين لا يفعلون شيئًا سوى الصلاة سيساعدونه بأمر هكذا؟ لم لا يعتبرون هذا الأمر صدقة جارية؟ أمن هنا سيترفعون ويقولون أنها ليست مهمتهم؟ ماذا لو رفعوا رسغ الفتى وشاهدوا الصليب؟ إذن سيتنصلون مني.. يا سلام لو الجثة تنقل نفسها! “أنا أحتاج لمساعدة؟” هل من مجيب؟

تحرك الجمع الآن، الفراش جلب وعاء شطف رأس العجل، شطف رأس العجل كان يكفي لغطس غول بداخله، واتحدوا جميعًا على رفعه، رفعه مرة واحدة، دون حساب لأي شيء. رَفعَةً خالية من أي عاطفة، وتوحدوا في حمله بينما الباقون اتفقوا على قرآن بصفحات عقولهم ومضوا به رافعين يديهم إلى السماء، في صمت رهيب موحد.

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: إسلام عشري

تدقيق لغوي: ضحى حمد

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.