عندما نخلط العلم بالسياسة لن نحصل إلا على السياسة

أن تكون جاهلًا بالأسباب يعني أن تصاب بالإحباط عند الأفعال. هكذا كتب فرانسيس بيكون، مستشار ملكة بريطانيا إليزابيث الأولى والمُصمِّم الرئيسي للمنهج العلمي. بمعنى آخر، لا تبني أفعالك على جهلٍ، وإلا ستفشل وتتسبَّب بإحداث الأضرار. اقترح بيكون أنه من الممكن استخدام الملاحظة الدقيقة للظواهر الطبيعية، جنبًا إلى جنب مع التجربة وجمع البيانات ثُمَّ تحليلها، بغاية اكتساب المعرفة عن آليات الطبيعة. إن منهج بيكون المعروف باسم المنهج الاستقرائي، يبحث في الحالات الخاصة (الملاحظات) من أجل الوصول إلى الحالات العامة (القوانين). عندما أسَّس الملك تشارلز الثاني الجمعية الملكية عام 1660، اعتُبرَت أفكار بيكون مبادئ توجيهية للفلسفة الطبيعة (الاسم القديم للعلم).

إن المنهج الاستقرائي ليس مضمونًا، حيث لا يوجد أي نظرية علمية قائمة عليه من الممكن مساواتها بالحقيقة النهائية لموضوعٍ ما، لكن هذا المنهج -وهذه “لكن” كبيرة- فعَّال بشكلٍ لا يُصدَّق في جمع الأدلة التي تُستخدَم بعد ذلك لصياغة مبادئ عامة تصف عمليات العالم الطبيعي. بمجرد تدقيقها من قِبَل المجتمع العلمي، تصبح المعرفة العلمية الطريقة الوحيدة لتطوير تطبيقات تكنولوجيَّة تخدم المجتمع، بدءًا بالصادات الحيوية واللقاحات مرورًا بالهواتف المحمولة وانتهاءً بالسيارات الكهربائية.

إن السبب الوحيد الذي يجعلك تركب الطائرة بطمأنينة هو أنك تثق بالعلم، سواء كنت تعلم هذا أم لا. أنت تثق بالديناميكا المائية المُستخدَمة في تصميم الأجنحة. تثق في الفيزياء الكيميائية للاشتعال، وتثق في نظام التوجيه -وهو نظام مُعقَّد بشكلٍ مدهش- الذي يتضمن الرادار، نظام تحديد المواقع GPS، الدارات الكهرومغناطيسية المُعقَّدة وحتى نظرية النسبية لتحقيق مستويات مذهلة من الملاحة الدقيقة. كما أنك تثق بالخبير، والطيار الذي تلقَّى تدريبًا على تشغيل الطائرة وأجهزتها.

المفارقة في عصرنا

إن مفارقة عصرنا هذا هي أنه بالرغم من أننا نعيش في عالمٍ يعتمد على العلم وتطبيقاته التكنولوجيَّة بصورةٍ جوهريَّة، فإن مصداقية العلم والعلماء قد أضحت موضع شك من قِبَل أشخاص ليس لديهم باع في العلم أو في طريقة عمله. لا يتعلَّق الأمر بالهجمات السخيفة التي تُشَن على وسائل التواصل الاجتماعي فقط، بل إنه يتعلَّق بالشك في المعرفة التي حصلنا عليها بشق الأنفس عقب سنوات من العمل الجاد والدراسة، لنصل بعد ذلك إلى إقرارٍ سطحي بأن هذه المعرفة خاطئة، أو الأسوأ من ذلك، أنها تلاعُب. فكيف وضعنا أنفسنا في هذه الفوضى؟!

عقب الحرب العالمية الثانية، تمتَّع العلماء بمستوى غير مسبوق من الإدراك العام. اعتمدت الاختراعات التكنولوجيَّة، التي قررت نتيجة الحرب بصورةٍ كبيرة، على أحدث العلوم، اعتمدت على فيزياء الكم والفيزياء النووية، على الرادار وأجهزة الحاسوب، على كسر الشفرات والمتفجرات الفعَّالة، على تكنولوجيا الطيران والطيارات والسفن الأكثر سرعة، وعلى الغواصات العميقة، والقائمة تطول. كان هنالك تحالف بين العلم والدولة. هذا التحالف كان حاضرًا في التاريخ الغربي منذ العصر اليوناني. تذكروا مقاليع أرخميدس والمرايا المشعلة للنيران التي طُبِقَّت لحماية سيراكيوز من الرومان الغزاة.

إعلان

ضاعفت الحرب الباردة من هذه المكانة للعلم، وحافظ الدعم الدفاعي على جزءٍ كبير من ميزانية البحث العلمي. ساد أيضًا فهم يعتبر أن العلوم الأساسية هي حجر الأساس للابتكار التكنولوجي، حيث ازدادت المواضيع المجرَّدة التي تستحق التمويل.

مع تقدُّمه، أصبح العلم أكثر تقنية وتعقيدًا وازداد غموضًا مُبتعِدًا عن الإدراك العام له. يُعَد كلٌ من فيزياء الكم، علم الوراثة، الكيمياء الحيوية، الذكاء الاصطناعي والتعلُّم الآلي جزءًا من حياتنا اليومية، حتى لو لم يكن هناك إلا قلة ممن يعرفون الكثير عن هذه المواضيع، حتى الخبراء أصبحوا معزولين داخل مجالات أبحاثهم. بالنظر إلى الكم الهائل من التفاصيل الموجودة داخل كل حقل فرعي، فإن التخصُّصيَّة هي الطريقة التي تنتج المعارف الجديدة بها؛ مثلًا لا يعرف عالم الفيزياء الفلكيَّة المتخصِّص بالثقوب السوداء أي شيء عمليًّا عن فيزياء الغرافين أو البصريات الكمومية. إن للتخصُّصيَّة دور مزدوج، فهي تُقوّي مجالها الفرعي، لكنها تُضعِف الفهم العالمي لموضوعها. تُصعِّب التخصُّصيَّة على العلماء أداء دور الصوت العام لمجالهم بطرقٍ يتفاعل معها العامة.

حقائق مزعجة

ما عقَّد الأمور أكثر هو تغيُّر العَلاقة بين العلم والمجتمع. مع بداية الستينيات تقريبًا، شرع العلماء في استخدام النتائج التي توصلوا إليها لتحذير الناس والحكومات من مخاطر منتجات معينة، ومن التصنيع غير الخاضع للرقابة والنمو السكاني، فالسجائر ضارَّة لك. سيكون هنالك نقص في الطاقة والمياه مع تزايد أعداد البشر في العالم. التغيُّر المناخي سوف يُحدِث جحيمًا على الكوكب. البلاستيك مادة شريرة. سوف يقود تلوث المجاري المائية والمحيطات والغلاف الجوي الناس إلى الإصابة بالمرض، وسيؤدي إلى قتل الحيوانات وتدمير الموارد الطبيعية، وفي الوقت عينه نحن كنوع منفصل -حتى لو ادَّعينا أننا الأكثر ذكاءً على سطح الأرض- لا يمكننا العمل بشكلٍ جماعي لتغيير ما نفعله ببيئتنا.

كانت هذه الاكتشافات (وبعضها يعود إلى ما قبل الستينيات بعقود) مزعجة لأشخاصٍ كُثُر، فهي لم تلائم مصانع التبغ والسيارات، ولا مصانع الوقود الأحفوري والصناعات الكيماوية، لهذا أصبح العلماء أعزاء الخمسينيات من القرن الماضي، المنذرين بالأخبار المزعجة التي تُهدِّد حياة الناس وتُهدِّد ربحية قطاعات كبيرة من الاقتصاد، فكان لا بُدّ من إيقافهم!

دق العلماء ناقوس الخطر، واستنكروا طريقة مصانع التبغ والوقود الأحفوري في تطوير استراتيجيات لتقويض مصداقية العلم ومهاجمتهم للعلماء باعتبارهم انتهازيين ومتلاعبين. قفز السياسيون المتحالفون مع هذه المصانع، وتصدَّرت حملة لتسييس العلم عناوين الأخبار، حيث أصبحت المعرفة العلمية قضية رأي، وهذا ما حاربه فرانسيس بيكون منذ ما يقرب 400 عام. ساعدت وسائل الإعلام في الحملة، وغالبًا ما كانت تساوي بين رأي الغالبية العظمى من العلماء ورأي المجموعة الصغيرة المعارضة. هذا ما أدى إلى إرباك بلا نهاية للعامة. ضخَّم نمو وسائل التواصل الاجتماعي من هذا الضرر، فقد قفز أشخاص لا يملكون أي تدريب علمي (أو يملكون القليل منه) وهم على استعدادٍ لصناعة اسم لأنفسهم بوصفهم مدافعين عن الحريَّة والتحرُّر، وخلطوا الأكاذيب بالمفهوم الأميركي للحريَّة الفرديَّة.

ليس من المستغرب أن النتائج كانت كارثية، بدءًا من مجتمع الأرض المسطحة ومناهضي اللقاحات، وليس انتهاءً عند منكري المناخ. أصبحت السلطة العلمية والمعرفة مسألة مجانية للجميع، وهي متعلقة بالرأي الفردي بما يتماشى مع الآراء السياسية لصاحبه، وغالبًا ما ترعاها مجموعات مصالح الشركات والسياسيون الانتهازيون.

الطريق نحو الأمام

إن الخروج من هذه الفوضى يتطلَّب قدرًا هائلًا من العمل، لا سيما من قِبَل المجتمع العلمي ووسائل الإعلام والمعلمين. يحتاج العلم لمزيدٍ من الأصوات ذات الشعبية، وإلى أشخاص يمتلكون الموهبة في شرح الطريقة والغاية من عمل العلم للعامة. ينبغي للعلماء زيارة المزيد من المدارس والتحدُّث مع الأطفال حول ما يقومون به. يجب على المعلمين أن يعيدوا تنشيط منهج العلم ليعكس حقائق عالمنا، ودعوة المزيد من العلماء لزيارة الفصول الدراسية ورواية المزيد من القصص عن العلماء الذين ينخرطون مع الطلاب. هذا يضفي طابعًا إنسانيًا على العملية. غالبًا ما يقول المؤرخون إن التاريخ يتأرجح ذهابًا وإيابًا كالبندول. فلنحرص على ألا نسمح لبندول المعرفة العلمية بالتأرجح مرة أخرى إلى الظلامية التي سادت في القرون الماضية. عندما كانت القلة التي تمتلك القوة والوسيلة تسيطر على الغالبية العظمى من خلال إبقائهم في الجهل والتلاعب بهم عبر الخوف.

قد يعجبك أيضًا

المصدر

إعلان

فريق الإعداد

تدقيق لغوي: أمل فاخر

اترك تعليقا