تأخذك إلى أعماق الفكر

من علم النفس: تسعة دروس أساسية لفهم الحقبة الترامبية

مؤيد

معارض

لا أعرف

ب- المجموعة الثانية:

لم يتم ذكر ترامب في البيان الخاص بهم. وكان هناك جانب ثالث للتجربة اختبر ماذا يحدث عندما يقال أنّ ترامب يؤيد سياسة المحافظين.

عندما كان يقال للمشاركين أنّ ترامب يؤيد سياسة الليبراليين، فإنّ مؤيدي ترامب كانوا أكثر ترحيبًا بتأييدها هم أيضًا. هم يتبعون قائدهم. وتعقيبًا على ذلك، قال جيرمي بوب -أحد القائمين على التجربة- ” ما تمّ استنتاجه من هذه التجربة أنّ متوسط جماهير أمريكا لن يوقفوا ترامب عن فعل ما يريد فعله”. فمثلًا لو أنّ ترامب يؤيد أحد سياسات الهجرة فإنّ مؤيّديه سيتبعونه بذلك. والتجارب السابقة التي أجريت على الليبرالييين وجدت نفس التأثير: فالليبراليون سيدعمون سياسات المحافظين لو تمّ إخبارهم أنّ قادتهم يدعمون سياسات المحافظين.

إعلان

مع العلم أنّه عندما يتمّ تغيير توجّهات الناس بهذا الشكل فإنهم يكونون في الغالب غير مدركين لذلك!

نستخلص من كلّ هذا أنه وبالرغم من أنّ ترامب من أكثر رؤساء البلاد المكروهين إلا أنه يمتلك قدرة هائلة في التأثير على ملايين الآراء الداعمة له.

لكنّنا أيضًا لا يجب أن نبالغ في مدى التأثير على عقول مؤيدي ترامب، فهم لم يتمّ غسل أدمغتهم بالكامل أو أنّ قناعاتهم السابقة تبدّلت لمجرّد اتباع نزوات قائدهم. بل الحقيقة أنّ الجماهير حقًا لا يتعمّقون في فهم السياسات التي تُطبّق عليهم، فبدلًا من أن نسأل أنفسنا سؤالًا مثل: “ما رأيي في سياسة الضرائب؟” نسأل سؤالًا أكثر سهولة كـ “ما رأي القائد الذي أدعمه في سياسة الضرائب؟”

4) يستطيع المرء إدراك الحقائق غير المريحة ولكن من الصّعب أخذها بعين الاعتبار

إليكم الأخبار الجدية: نستيطع التأكد من صحة الحقائق قبل أن نؤمن بها. وإليكم الأخبار السيئة: نحن لا نعتمد على الحقائق عند اتخاذ قراراتنا.

لقد وجد العالِم السياسي برندان نيهان وزملاؤه أنّ مؤيدي ترامب كانوا على استعداد تامّ للاعتراف بتمكّن ترامب وقدرته على التلاعب بالحقائق، وعلى الرغم من إدراكهم لذلك، إلا أنّ ذلك لم يغيّر شعورهم تجاهه!

كما أوضح العالم دان كاهان -عالم النفس في جامعة يال- صعوبة تغيير السلوك والآراء رغم التأكد من صحة الحقائق، حيث أثبتت الدراسات أنه كلما كان المرء أكثر إحاطة بالأمور السياسية، كلما ازدداد عناده وثباته على آرائه.

كما يستخدم بعض الناس عقولهم في تضليل الآخرين بدلًا من استخدام ذكائهم للوصول للحقائق. ومن ناحية أخرى، كلنا نتعرض للكثير من الضغوط للارتقاء لمستوى توقعات جماعاتنا، وكلما زاد ذكاؤنا، كلما استطعنا استخدام قوة عقولنا لخدمة ذلك الغرض!

في ضوء هذه الدراسات سيقوم دي كاهان بمنح المشاركين أنواعًا مختلفة من المسائل الرياضية. فعندما تكون المشكلة خارج إطار السياسة، مثل محاولة اكتشاف فاعلية عقار ما، يميل الناس لاستخدام مهاراتهم الحسابية للوصول إلى نتيجة، ولكن حينما يحاولون تقييم شيء سياسيّ تصبح المعرفة الحسابية غير مهمّة على الإطلاق ويحلّ محلها استخدام القوة في هذا الموقف؛ لأنّ المعرفة الحسابية سوف تجبر المناصرين على الانحياز .

وأوضح كلين في ضوء أعمال كاهان

كلما كان الشخص أكثر ذكاءً، كلما حولته السياسة لشخص غبيّ، وهذا الأمر ليس مقتصرًا على المسائل السياسية فحسب، حيث وجد كاهان أنّ المواطنين أصحاب المعرفة العلمية الرفيعة يصبحون أكثر عنادًا عندما نسألهم عن تغيّر المناخ (أي أنّهم يكونون متمسّكين بآرائهم و بما يعرفونه دون أن يمنعوا التفكير به)، والمهمّ أنّ هذا النمط ثابت، فكلّما زادت المعلومات لدينا، كلما قمنا بتطويعها لخدمة أهدافنا السياسية.

وهناك نقطة أخرى انتهت عندها المناقشة وهي أنّ الاخبار الزائفة تكون مضللة حقًا، ولكنها لن تحدث ضررًا إذا كان لدى الناس معلومات سليمة وحقيقية متّفَق عليها من قبل الجميع.

5) من الصعب جدًا تغيير آراء المعارضين السياسين بمجرّد الجدال معهم

فلا يمكن معالجة الاختلاف عن طريق عرض فكرة مخالفة للرأي للآخر.

وقد قام الباحثون مؤخرًا في نيو بريتستن بأداء تجربةٍ دفعوا فيها بعيّنة كبيرة من الديمقراطيين ومشجّعي الحكومة ممن يستخدمون موقع تويتر لقراءة آراء كثيرة من الجانب الآخر (أي من الجانب المعارض لآراءهم وأفكارهم)، ولكنهم لم يجدوا أيّ دليل بأنّ احتكاك الجماعات ببعضها عبر السوشيال ميديا يقلّل من الاستقطاب السياسي. وأثناء تلك التجربة، أبدى مشجّعو الحكومة تحفظًا كبيرًا على مدار الاختبار، بينما زاد تمسّك الليبراليين بآراءهم و أفكارهم.

هناك نظرية تسمى بـ”الأسس الأخلاقية” يمكنها مساعدتنا للتعرف على أسباب الفشل الدائم في تغيير الآراء.

الأسس الاخلاقية هي عبارة عن فكرة تعني أنّ الناس لديهم أخلاق مستقرة ومستقيمة تؤثر على نظرتهم للعالم، وتشمل الأسسُ الأخلاقية الليبرالية على المساواة والعدالة وحماية الضعفاء. فالأسس الأخلاقية تحافظ على التمسّك بالولاء داخل الجماعة وعلى انتشارالنقاء الأخلاقي واحترام السطلة. وتفسّر الأسس الأخلاقية سبب تلقّي الرسائل التي تسلط الضوء على المساواة والعدالة صدىً لدى الليبراليين وسبب تلقّي المزيد من الرسائل الوطنية مثل”اجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى” لكسب بعض القلوب المتحفظة.

يقدّم الليبراليون حججًا لا تنتهي، ونقاشًا مستمرًا حول وجوب السيطرة على انتشار السلاح، راغبين بحماية الضعفاء والقضاء على الظلم (فيقولون مثلًا: من غير الصّواب أن يعيش معظم الأمريكيين في خوف من عنف السلاح). بينما يرسي المحافظون قضيتهم في حقّ تقرير المصير، فيقولون مثلًا بأنّ لكلّ فرد الحقّ في أن يحظى بحماية شخصية خاصة به.

الأمر هو أننا في الغالب لا ندرك أنّ للآخرين أسسًا أخلاقية تختلف عن أسسنا، فعندما ننخرط في نقاشات سياسية نميل جميعًا للمبالغة في قوة الأسباب التي نجدها مقنعة شخصيًا، ونعتقد بطريقة خاطئة أنّ الجانب اللآخر سوف يتأثر.

في دراسة لعلماء النفس:

قام روب وبلر وماثيو، شارك فيها ما يقرب من 200 من المحافظين والليبراليين، حيث قام كلّ منهم بكتابة مقال لتغيير آراء خصمه السياسي نحو قبول الزواج من المثليين أو جعل اللغة الانجليزية هي اللغة الرسمية في الولايات المتحدة. وقد قام 9% فقط من الليبراليين بتقديم نقاشات تعكس المبادئ الأخلاقية، وارتكب ما نسبته 8% من المشاركين نفس الخطأ في تشجيع النقاشات قد أعطتهم فرصة أكبر لإقناع الليبراليين، برغم أنه من الصعب تقبل آراء وأفكار شخص معارض.

خلاصة القول: أنّه من الجيّد أن تكون متعاطفًا ومتحمسًا عندما تتجادل مع شخص أخر.

6) خوف العرق الأبيض من استبدالهم يعد حافزًا قويًا.

لم يخجل القوميون البيض في شهر أغسطس الماضي عندما كانوا يسيرون في مدينة شارلوتسفيل، فيرجينيا هاتِفين “لن تستبدلونا” وأيضًا “اليهود لن يستبدلونا”.

وفي ظاهر الأمر، أن خوفهم – من أن يتم استبدالهم – يعد أمرًا سخيفًا. حيث أنّ العرق البيض -الرجال الأكثر بياضًا على وجه التحديد- يعدّون الطبقة السياسية والاقتصادية المهيمنة من الأمريكان منذ قبل تأسيس هذه البلاد.

ويعزى هذا الشعور إلى شهر نيسان من عام 2017، عندما وجد فريق من علماء النفس نموذجًا لدراسةٍ استقصائية على الانترنت لـ 447 شخصًا عرّفوا عن أنفسهم بأنهم جماعة اليمين المتطرف قادهم -النموذج- إلى سلسلة من أسئلة الاستقصاء النفسية. ثم قاموا بمقارنة جماعة اليمين المتطرف بنموذج لدراسة استقصائية على الانترنت لـ382 شخصًا ليسوا من جماعتهم.

وقد كشفت الدراسة أنّ جماعة اليمين المتطرف في قلق شديد من بلوغهم موقفًا ضعيفًا، مقارنة بالعينة المدروسة. حيث أنهم في خوف من أن يتمّ تشريدهم بسبب ازدياد أعداد المهاجرين والدخلاء على هذه المدينة. فهم يرون أنفسهم كضحايا محتملين.

إنه لمن السهل التفكير بأنّ هذه المخاوف هي أمر مقيت ومحصور فقط بمجموعات محددة. ولكنها توجد أيضًا وعلى مستوى أقل، ضمن الفئة الغالبة من الناس والذين قد لا يعتبرون أنفسهم عنصريين.

قد أصبحت المخاوف من الدخلاء ومخاوف الاستبدال والبغض العنصري محرضًا سياسيًا قويًا، فقد أدلى واحد وأربعون بالمئة من جيل الألفية من ذوي العرق الأبيض بأصواتهم لصالح ترامب، وفي هذه الفئة، وجد علماء سياسيون أنّ خوف العرق الأبيض من أن يتمّ تشريدهم من أجل أجناس أخرى هو أمر شائع. وقد وضّح أخصائيو العلوم السياسية ماثيو فاولر وفلاديمير انردكي مدنيكا وكاثي جاي كوهين نتائجهم في الصحيفة الأمريكية واشنطن بوست: “إنّ جيل الألفية الأبيض الذين سُجّلت لهم درجات عالية في سلّم قياس ضعف العرق الأبيض، كانت احتمالية تصويتهم لصالح ترامب أكثر بنسبة 74% من أولئك الذين في أسفل السلّم”.

وبناء على التجارب، فإنه عندما يتمّ تذكير المشاركين المحايدين أنّ الأمريكيين سيؤولون إلى أقلّيّة خلال بضعة عقود، تبدأ لديهم مشاعر الكراهية تجاه القوميات والأجناس الأخرى، وقد أظهرت إحدى التجارب أنّ تذكير العرق الأبيض بهذا الأمر سيؤدي إلى زيادة الدعم للرئيس الأمريكي ترامب.

وقالت الباحثة الاجتماعية في التحيز العرقي والتي أنجزت جزءًا كبيرًا من هذا البحث، جينيفر ريتشيسون: “إنّ الناس الذين يجدون أنفسهم غير متحيّزين “وليبراليين” يظهرون آثار هذه المخاطر”.

وتقول مورين كريج، التي تعاونت مع ريتشيسون : “عندما يسمع الناس عن تزايد أعداد فئة معينة، يبدأ لديهم شعور يُعرف بالتنافس العقيم بين هذه الفئات”. فعندما يسمع الناس بنشأة فئة معينة، يظهر لديهم تلقائيًا خوف من تناقص أعداد فئتهم. حتى أنّ هذا يحدث أيضًا لدى الناس ذوي النوايا الحسنة.

إنّ هذا لا يعني أنّ كلّ العرق الأبيض متحيّزون وعنصريّون، وإنما يعني أنّ خوفهم جميعًا يعدّ هدفًا سهلًا للغاية بأيدي رجال السياسة. فهم يخافون دون أيّ تفكير، حيث أنّ خوفهم هو السبب وراء كل أفعالهم ويدفعهم لتصديق الشخص الذي سيقول لهم أنه سيقضي على جميع مخاوفهم.

هناك أيضًا هذه الحقيقة وهي أنّ “الإعلام السلبي والمخيف غالبًا ما يكون أكثر ثباتًا وخلودًا في الذاكرة من الإعلام البنّاء”. وتوضّح صحيفة تعود لعام 2012 أنهم يبالغون في الاعتقاد بأن الاشخاص الذين لا يعجبونهم يشكلون تهديدًا لهم . حيث أُجري اختبار بسيط  طُلب فيه من المشاركين بتقدير المسافة المستقيمة الواقعة بين مدينة نيويورك وحتى المكسيك. فقدّر المشاركون الذين يحملون  البغضاء تجاه المهاجرين المكسيكيين بأنّ المكسيك أقرب بآلاف الأميال لمدينة نيويورك من أولئك الذين شعروا بتهديد أقلّ. فتبيّن أنّ خصومهم يبدون أقرب إليهم في عقولهم مما هم عليه في الواقع، فإن شعر الناس أنّ الجدار بين المدن آمن، فسيختفي هذا التأثير.

إنّ السياسيين المحنّكين يعلمون أنّ هذا الخوف يعد أمرًا محفزًا، وإنّ صيغة الخطابات هي التي تشعله. إنه لمن الصعب إلقاء اللوم على الناس بسبب مخاوفهم، فهناك تلك الأفكار التي تعمل كجدران حدودية وتهدّئ قليلًا من مخاوفهم.. هذه هي الطبيعة البشرية. ولكن بإمكانكم إلقاء اللوم على رجال السياسة الذين يتغذون على هذه الطبيعة البشرية.

7) سرعة تجرّد الإنسان من مشاعره تجاه معاناة الآخرين مثيرة للصّدمة

ربما تعتقد أنه في كل مرة نشهد فيها حدثًا لمقتل ناتج عن إطلاق الرصاص أو يتمّ تذكيرنا بأنّ هناك الملايين من اللاجئين والأشخاص المشرّدين حول العالم، سوف تثار في نفوسنا مشاعر التعاطف والحزن الشديد. ولكن لا، إنه من الطبيعي أن نفقد الإحساس مع مرور الوقت.

هناك مفهوم عميق ومثير للغضب في علم النفس، قد يساعد على تفسير الزيادة في فقدان الأحاسيس مع مرور الزمن. وهو أنّ: كلّما ازدادت أعداد ضحايا مأساة ما، كلّما قلّ صدق تعاطفنا واستعدادنا للقيام بشيء.

إنّ هذه النزعة تعرف بـ الخدران النفسي؛ وهو يوضّح كيف تتحول المآسي إلى أفكار تجريدية في عقولنا، وكيف أنّ هذه الأفكار التجريدية تضعف ويتم تجاهلها بكل سهولة. وقد قال عالم النفس والخبير في العلوم السلوكية في جامعة أويغون، بول سلوفيك، في مقابلة له: “ليس هناك قيمة ثابتة للحياة الانسانية”، وأضاف: “إنّ قيمة الحياة الواحدة تتناقص مقابل مأساة أكبر”.

إعلان

مصدر مصدر الترجمة

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.