تأخذك إلى أعماق الفكر

عالم المثال الخيالي في الفلسفة الإسلامية

فـي هذا المقـال سأتحـدث عن جهـاد الجسـد وَ خيميـاء النار وَ حلم الوصُـول لعالم المثال ( Mundus Imaginalis ) لـدى السهرودي ، أبن عـربي ، المدرسـه الشيخيـه .

السهرودي المقتول :

يـؤمن ( الآريـون ) بجذورهُم النبيلـه حيـث بذرتهُم الصافيـه جائت من ( آران ويژ . Eran Vēj ) التـي موطنهـا من مركز الأقاليـم المُسمـى ( Xvaniratha ) وَ تعنـي العجلـه المضيئـه وَ هي أرض جنـه مفقـوده لدى الآريـون ، فيهـا جبل ( Hukairya ) وَ يعني ( العالـي جداً ) وَ منـهُ يتدفـق ماء الحياة وَ أيضاً أول جبل أشُعلت فيـه ( النار ) وَ منـهُ ( الشروق ) ( Usha ) وَ التي جائت منها كلمـة عقـل ( Ushi ) حيـث هذا الجبل نبع الحكمـه وَ هُو مسكـن الأرواح الخيرة بعد الممات ، وَ في هذه الأرض ( Eran Vēj ) يُولد مخلـص أخر الزمان في الزرداشتيه ( سوشيـانت . Saoshyant ) وَ في هذه الأرض قُتل الإنسان الأول في الأساطير الآريـه ( گيومورث . Gayomart ) الذي من جسـده تولدت المعادن وَ التي أشرفها هُو الذهب وَ الذي حفُر بالتراب فتولـد من عنصر الذهب الزوجيـن الأولين ( Mahryag ) وَ ( Mahryanag ) . وَ أيضاً بعد الموت في الزرداشتيه في هـذا الموطن الخفي يلتقـي الإنسان بصـورة ( Image ) أنعكـاس أعمالـهُ ( داينا . Daena ) وَ التي تسمـى ( روح الطريـق . Ravan I Rah ) .

لذلك يـرى هنـري كوربان أن العديـد من الأساطيـر الآريه وَ الزرداشتيه أحداثها وقعـت في هذا الأقليـم الخفي . حيـث هذا الأقليـم يصطبـغ بصبغـه خياليـه وَ له تاريـخ خيالي مستقـل وَ هذا الأقليـم سيدعـى لاحقاً ( الأقليـم الثامن ) لدى فيلسـوف إيران من القرن الثاني عشر ميلآدي ( شهـاب الدين السهرودي ) ، حيـث يصـف السهرودي هذا الأقليم بـ ( نا كوجا آباد . Na Kuja Abad ) بلآد ( اللا أين )  حيـث في رسالتهُ ( أصوات أجنحة جبرائيـل ) قال أنهُ أقليـم لا تجـد السبابـه إليـه متجهـاً وَ لأنهُ ( روح آباد ) أي موطـن الروح لذلك لا يحدهُ مكانيـة وَ زمانيـة الجسم وَ ( الروح ) أداة حركتهـا وَ نمُوها هـو ( الخيـال الفعـال أو النشـط . Active Imagination ) وَ حيـث لا تلـج الروح عالمهـا ألا بغيبـة الحواس وَ هُو ما أسماه ( حضور في الغـيب ) ، حيـث إذا طغـى العالم الحسـي الكثيـف على الإنسان يصبـح ذلك العالـم خامـل وَ حتى قطبـهُ أي ( أمام ذلك العالم / خليفـة الله الخفي ) خامـل لذلك سمـى السهرودي هذا العالـم بـ ( المُثـل المعلقـه ) حيـث ( صُور . Images ) هذا العالـم لها عالمهـا المستقـل حركـي بصـوره خياليـه في عالمـهُ ألا أن خامل في عالمنـا وَ لا يتكشـف للإنسان إلا عند الموت أو بحالة الحلـم أو الوجـد الصوفي كمـا لدى المتصوفـه وَ كشـف هذا العالم لدى السهرودي لا يكـون إلا برفـع الحجب عن ( الأنا الأخرى . Alter ego ) التي تقابـل في الزرداشتيه ( Daena ) وَ في الإسلام سُمي ( جبرائيل ) وَ بالفلسفـه ( العقـل العاشـر أو العقل الفعال ) وَ هـوُ لدى الأفلاطونـي المُحدث ( برقلـس . Proclus ) هُو ( الديمـورج . Demiurge ) العقـل ( الناري ) أصـل الفيـض في عالمنا الحسـي وَ هو بين مثالية ( الأب ) وَ مادية عالمنا وَ دعاهُ السهرودي ( ملاك الإنسان ) الذي يفيـض بالنور في عمق أنفسنا وَ جهاد الكثافه الجسدانـيه تولد الفيـض في داخلنا ليتجلـى الملاك الحـارس في خانقاه الهيكـل ( يقابل قدس الأقداس في الهيكل اليهُودي ) وَ عند تجليـه تحضـر ( السكينـه ) وَ التي سماهـا بـ ( السحاب الثقيل ) فيدخـل الإنسان في عالم المنفـى أي الهجره عن هذا العالم للأخر وَ الغربـه عن هذا العالم وَ هجرهُ هـو ( الأشراق ) لذلك سميت حكمة السهـرودي مشرقيـه ( Oriental Knowledge ) مايقابلـهُ في اللآتينيـه ( Coguitio Matutina ) أي معـارف النهار ، حيـث العالم الجسدانـي لديـه كثيـف وَ يحبـس الروح عن عالمها وَ مسكنها الأصلي ( الأقليم الخفي ) وَ الذي هُو عالم الشروق في حيـن عالمنا يسميـه عالم الغروب وَ السقوط وَ مثلهُ بسرداب المظلم وَ البئر .

حيث في رسالتـهُ ( عقـل سرخ ) أي العقل الأحمر تحدث عن الروح وَ الذي مثلها بصـورة طائر حر وقع في قفـص الجسد ، حيـث أصلها قبل السقـوط من ( جبل قاف ) وَ هُو جبل أسطـوري يقابل ( Hukairya ) في الزرداشتيه ، وَ سميـت الرساله بالعقـل ( الأحمر ) لأن هذا اللون لدى السهرودي هُو الوسيـط بين النور الأبيـض وَ الظلمه السوداء حيـث بهذا الأقليم الخفي موطـن الروح تغلـب الفتوه على المشـيب وَ قد تحدث عن هذا الأقليم أبن سينا في رسالـة ( حي بن يقظان ) حيـث ملك هذا الأقليم لا يُعزى لهُ عرق وَ ظهورهُ سبب بطونـهُ وَ تجليـه سبب خفائهُ وَ هناك لا يُعـرف المشيب وَ لا الهـرم حيـث لدى أبن سينا أن الخيال يُصيـر خلاق بجـره الى جناب الحق فيندمـج الخيال مع ما أسماه ( السر الباطـن ) وَ الذي فيـه يكمـن الشروق الداخـلي وَ هو ملكه مستقلـه حيه بذاتهـا وَ إذا أنصهـر الإنسان في ملكة سر الباطـن يغيـب عن نفسـهُ ليحضر الجناب المُقدس .

إعلان

وَ تأثر بهذا الفيلسوفان فيلسـوف القرن السابع عشر ميلآدي ( صدر المتألهين الشيرازي ) فأعتبـر عالم الخيال مستقـل عن العالـم الحسي وَ لهُ وُجود حي بذاتهُ حيـث حتى لو هُلك العضو الحسي المادي يظـل العالم الخيالي لهُ وجود ، وَ كان يرى ( النفس ) جسمانيـة أو جرمانية الحدوث وَ روحانية البقاء ، وَ النفس لا تُسمـى ( عاقلـه ) إلا إذا رجعت إلى موطنها الأصلي ( العالم البرزخـي الخيالي ) حيـث تجردت من البدن وَ بذلك تندمج مع ( العقل الفعال ) وَ النفس لديه ناريـه أي أثيريـه كما لدى أرسطو وَ فلاسفة اليونان أي ذات حراره جوهريـه حراره باطنيـه مختلفـه عن النار وَ الحراره الظاهره كما ذكرت في الأعلى لدى برقلـس أن العقل الفعال لديه ( ناري ) . وَ أيضاً كونهُ جعل عالم البرزخ مستقـل لذلك بدن البرزخ مستقـل عن البدن المادي المتحلل لذلك رأى أن الجسـد الذي يقوم يوم المُعاد هو البرزخي لا المادي الذي يعاش بعالمنا . وَ قد نسـب صدر المتألهيـن لفيثاغـورس بالقول أن لكل حركه وَ فعل وٕ فكره تتجسـد كصـُور بالعالم البرزخـي ، فالصُور الحسنـه تتجسـد حسنـه وَ يُهتدى بنورها في الأخرى وَ هذه الصُور الحسنه لها دُور بالمكاشفات كما لدى أبن عربي فهـي تصـل حتى مكاشفـة ( صورة الحق ) أي الرب لذلك رُبط بين المُوت وَ لقاء المحبوب وَ دُعي البرزخ ( وطن المحبـوب ) .

لذلك كما لدى ( أبن عربي الأندلسي ) فيلسـوف القرن الثانـي عشر أن العالـم كلهُ ( خيال في خيال ) أي خُلـق من صُور ( Forms ) أو ( Images ) وَ نحـن نعيش عالمنا هذا كحلـم وَ عند الموت نستيقـظ من حلم في حلم وَ عند القيامـه نستيقـظ من الحلم ..! فعالم الخيـال ( Mundus Imaginalis )لدى أبن عربي وجـود سابق عن الماده وَ الإنسان بل أن الصُور الخياليـه هي من تُشكـل العالم رؤيتـهُ كما أرى أن الذات هي فقط الحق وَ باقي العالم حتى الأراده و الحقيقـه المُحمديه حُلم في حُلم في حُلم لذلك دعى الأراده التي ولدت ( الكلمـه أو الحقيقـه المحمديه التي منها صور العالم ) بـ ( الوجود البرزخي ) ما بين الغيب وَ عالم الصُور أو ما بين الغيب وَ عالم الحس وَ الخيال هي أداة الخلق وَ الأبداع في العالم الأكبر وَ كذلك في العالم الأصغر أي الإنسان وَ هي كما قلنا أداة النفس أو الروح وَ شبه عالم الخيال بالرحم التي تتولـد منهُ الموجودات من حالة العدم إلى الوجُود وَ يرى أن أداة الخيال هي من تنير النفـس وَ تنميتها وَ كون أبن عربي أشعري سني رأى أن الله يتجلـى للإنسان في صُور مألوفه كتصـورهُ لموسى في الشجره أو جبرائيل بصورة ( دحيه الكلبي ) فهذه الصوره خياليه تتلاشى سريعاً من عالمنا وَ هذا العالم الخيالي يظهر بحالة النوم وَ أيضاً بحالات اليقظه وَ حالات الأنبياء لذلك رُبط ( التأويل ) بعالم الأحلام الذي هُو من عالم الخيال الذي يسمى أيضاً بعالم المعاني وَ أيضاً فك الرموز من ضمنها رموز القرآن فأصل القرآن جاء من تجسـد جبرائيل من عالم البرزخ الخيالي الى العالم المحسوس بذلك تأويلهُ أرجاعهُ لأصله البرزخي الخيالي وَ مثال ( العلم ) لدى أبن عربي حيث بعالمنا لا صورة لهُ لكن لدى أبن عربي أن العلم بعالم الخيال لديـه صورة ( اللبن الشديد البياض ) لذلك إذا ظهر في الأحلام اللبن شديد البياض أول على أنهُ ( العلم ) أو مثلاً الأجساد التي تتحدث كما في القرآن يد وَ لسان ينطقان عزاها الى كونهُ ممكناً في عالم الخيال وَ في هذا العالم يكـون الإنسان معكوس حيـث باطنهُ هُو ظاهرهُ وَ حيث ما تخيلهُ يصبح حقيقـه في عالم الخيال .

لذلك جعل أبن عربي لعالم الخيال مسرح أو أرض يجول بها العارفيـن بخيلاتهُم حيث هناك تتجلى خيلاتهُم وَ هذا العالم الخيالي وسيط مابيـن ظلمة الأرض وَ نورانية العالم النوراني لذلك هي برزخ وَ مجمع بحرين ما بين كثافـة الماده وَ لطافة العالم النوراني وَ هذا العالم المختلط بين عالميـن سماهُ ( سحر )َ مزج النور بالظلمه قبل الصبـح وَ منهُ جائت كلمة سحر حيث أرتبط السحر لديه بعالم البرزخ .

لذلك جعل أبن عربي عالم الخيال هُو الوجود المحيط بالإنسان وَ العالم فنحن جميعاً نعيش بلعبة الخيال أو كما لدى الهنود ( مايا . Maya ) .

الشيخيـه :

مدرسـه شيعيـه فكريـه من القرن الثامن عشـر ميلادي أسسها ( أحمد زين الدين الأحسائي وَ تلميذهُ كاظم الرشتـي ) برزت هذه المدرسـه كونها مدرسـه حكمه خيمائيه بصبغه شيعيـه وَ ركزت درساتهـا بعالم أسمتـهُ ( هورقيليا ) وَ هي كلمـه سريانيـه كما قال أحمد الأحسائي كانت متداوله لدى مندائين البصره تعنـي ( عالم المثـال ) وَ هورقيليا هـذه أرض مثاليـه تتوسط العالم المادي وَ الروحاني وَ التي يعيش فيهـا الأمام الغائب وَ لا يُوصل لها إلا بتبدل الحاله الجسديـه وَ لا تُرى الا بـ ( عين البرزخ ) بالفارسيـه ( چشماى برزخى ) الذي هو ( الخيال الفعال . Active Imagination ) لذلك الأحسائي قال أن للإنسان جسدين مادي كثيـف وَ هورقيليائي وَ هذا الجسد شفاف شبههُ بالحجـر أو الرمل أي العالم الكثيـف إذا صهرتهُ يتحول زجاج شفاف حيث في كل إنسان مبطن فيـه هذا الجسد الهورقيليائي النوراني وَ هو كما لدى ( برقلس ) الأفلاطوني المُحدث هو الجسد ( Okhema Symphes ) ( الجسـد النجمي . Astral Body ) وَ لدى الهرمسيـن ( Corpus ) ، حيث يرى برقلس أنهُ الجسد الأصلي ( الشفقـي .  auroral ) الذي تكمـن فيه الروح حيث لدى برقلس كما لدى الأحسائي أن هذا الجسد ينتمي لأرض هورقيليا أو كما الأفلاطونيه بموطن الأرواح ( Phaedo ) حيث يمكثون فيـه حتى يوم القيامه ( apokotastisis )

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.