تأخذك إلى أعماق الفكر

المفهوم الجديد للإنسان

مقال عن الفلسفة العربية الإسلامية المعاصرة

يُعد طه عبد الرحمن أحد أهم مفكري العالم العربي والإسلامي، لغزارة إنتاجه وضلاعته في الخطاب الحديث كما هو في التقليد الإسلامي القديم. إن معرفته بالشريعة والصوفية عميقة مثل تمكنّه من علم التوحيد الإسلامي والمنطق والقواعد والنظم الأفلاطونية والأرسطية، والتي أثرت جميعها على فلسفته الأخلاقية ونقده للحداثة.

طه عبد الرحمن مواليد 1944، هو فيلسوف مغربي معاصر من أبرز المفكرين المعاصرين في العالمين العربي والإسلامي، ويتقن طه الفلسفات اليونانية والألمانية والفرنسية والإنجليزية إلى جانب دراسته للتقاليد الإسلامية ولغاتها. وقد قام وائل حلاق، خريج المنطق من جامعات السوربون، بتقديم طه إلى الجمهور الغربي في كتابه “الدولة المستحيلة”، موضحًا أن عمل طه هو أقوى شهادة على أن الأخلاق هي المحور المركزي للإسلام.

بدأ طه عبد الرحمن مشروعه في التقليد الفكري لما بعد 1967 في العالم العربي الإسلامي جزئيًا كرد فعل على المثقفين المسلمين الآخرين. وعلى غرار محمد إقبال سابقًا، يختلف طه مع غالبية الفلاسفة الإسلاميين ويهاجمهم بسبب التبعية، والتقليد غير الواعي للفكر الغربي، قائلًا: إن هذا الأسلوب أضر بالمسلمين وأسفر عن شعور عميق بالخسارة، وبإفقار الفلسفة الإسلامية، من بين مشكلات أخرى. وعلى عكس “الإصلاحيين” السابقين، الذين ركزوا على فكرة “الأزمة الإسلامية”، فإن طه يخالف هذا الرأي، إذ يعتبر المشكلات التي يواجهها المسلمون اليوم ليست سببها الإسلام، وإنما العوامل والقوى الخارجية أهمها تأثّر العالم الإسلامي بأشكال المعرفة الغربية المهيمنة، والتي تضرب بجذورها في حالة “الحداثة المريضة” لأوروبا وأمريكا.

لقد جاءت محاكاة الفكر الغربي بثمن باهظ بالنسبة للمسلمين، مما تسبب ليس فقط في الاغتراب عن تقاليدهم، ولكن أيضًا عن الإنتاج اللاحق المشوه لمفهوم “الإسلامي” عن الذات. يكتسب هذا التشوه حدة عندما تنطوي المحاكاة على وهم التمتع بالفوقية على بقية الخلق، وهذا بفعالية هو تأليه للذات يوهمهم بأنهم الهدف النهائي للوجود. في ظل هذه الرؤية الحديثة المنحرفة، يصبح الإنسان متعجرفًا ويشعر أنه سيد كل ما هو موجود، وينظر إلى الطبيعة وبقية الخلق في المقام الأول، إن لم يكن حصريًا، بطرق نفعية مجرّدة من القيمة الروحية الجوهرية.

وهذه النظرة تتناقض مع النظرة الإسلامية للعالم، حيث يكون لكل شيء موجود غرض وقيمة روحية، لأن كل الأشياء أبدعها نفس الخالق بحكمته اللامتناهية. وبالتالي، يشعر الفرد بموقعه المتميز في الخلق، كما يتحمل عبء المسؤولية الذاتية عن كيفية التعامل مع كل ما قدمه الخالق، بما في ذلك الطبيعة بجميع أشكالها; البشرية والحيوانية والنباتية. وتجعل هذه النظرة الإنسان “وصيًا” بدلاً من “حاكم” على بقية المخلوقات، في حين أنه قادر على الاستمتاع بالطبيعة لتلبية احتياجاته وضرورياته، فهو مسؤول عن حمايتها بأقصى طاقته. انطلاقًا من أن الطبيعة والخلق ليسا ملك أحد، بل جميعها هدايا وقروض من الله يقصد بها أن تكون موضع تقدير ومعاملة بطريقة مسؤولة وفقًا لحكم الله الموضح في القرآن، إذ أنه من واجب الإنسان الاستفادة من جميع النعم بأفضل ما يمكن، مع إدراك أنه مؤتمن عليها لحين وقت إعادتها إلى الله الذي سيأخذ بعين الاعتبار كيف استخدموها.

إعلان

يرى طه عبد الرحمن أن إفلاس الحداثة ينبع من الفصل بين البشر والقوة العليا التي منحتهم غرضهم الوجودي. هذه القوة العليا، التي تعطي الحياة وتأخذها، موجودة قبل البشر بوقت طويل، وستظل موجودة لفترة طويلة بعد رحيل البشر. وإنسان النظرة العالمية يعيش في سلام مع نفسه، وفي تواضع مع العالم.

إن أفكار طه عبد الرحمن حول كيفية حل أزمة الحداثة، وما ينتج عنها من تدمير واسع النطاق للعالم وتشويه الذات/ الروح، مستمدة من ألفية الأدلة التاريخية الحية من العالم الإسلامي. إن مفهومه الجديد عن الإنسان، الذي طوره حلاق من خلال التواصل مع طه، يتطلب نوعًا من العقلانية والذاتية التي تتجاوز فعاليتنا المادية الملموسة، والتي تستلزم بعض الخصائص. هذه الخصائص تعمل كترياق لداء الحداثة، ومهمة في حد ذاتها، لأن كل منها يؤدي وظيفة أساسية، وفي مجملها تنتج إنسانًا مختلفًا أخلاقيًا في جوهره.

وتأتي هذه الخصائص من التنفيذ المتعمد لمجموعة محددة من التقنيات المصممة لتشكيل الذات. تهدف هذه التقنيات، التي تتكون من سلسلة من الأفعال العملية، إلى تدريب وهيكلة الذات/ الروح؛ التي لا غنى عنها لإنتاج الخصائص المطلوبة. وبمجرد تكرار التقنيات وتنفيذها بشكل اعتيادي، سيكون الكائن البشري الذي يمارسها في واقع الأمر إنسانًا جديدًا نتيجة تطبيق الأمر نفسه مرارًا وتكرارًا. بعبارة أخرى، إن الطريقة الوحيدة للخروج من حداثتنا الكارثية “المستنيرة” هي تكوين أشخاص ذوي ميول أخلاقية وإنسانية.

مشروع طه عبد الرحمن، وخاصة مفهومه الجديد للإنسان، يركز إلى حد كبير على المفهوم الإسلامي للحياة، الذي كتب عنه ثلاث مجلدات. ولا يمكن ترجمة “حياة” إلى كلمة واحدة ، بل هي نظرة أو سلسلة من الخصائص المترابطة التي تشرح سلوك الناس وتطبيقه في العالم. امتلاك حياة يتطلب وجود البُعديْن المعنوي والروحي. الحياة هي الشعور بالحياء والتواضع والامتنان والخجل من السلوك السيء، النابع من حب الله، والخوف من فقدان حب الله لا الخوف من غضبه، في أسلوب يتخلل تمامًا وعي الإنسان، ويؤثر وينظم كيفية ارتباطه وتصرفاته تجاه كل ما هو موجود.

ومفهوم “الحياة” متجذر بعمق في المعرفة كطريقة “معيشة” كاملة يمثل أسلوبًا موجودًا في العالم مخالفًا للغطرسة الوجودية للموضوع الحديث. الإنسان الذي يجسد حياة ما، لديه تواضع تجاه كل ما تم إنشاؤه، بالإضافة إلى الامتنان والتواضع واحترامه. وهذه الخصائص مترابطة لا تتجزأ، حيث لا يمكن أن يكون هناك امتنان بدون تواضع، ولا تواضع بدون امتنان.

مفهوم طه عبد الرحمن للإنسان الجديد هو مفهوم الشخص الذي يعترف بشكل غريزي بأنه لا يمتلك السيادة المطلقة، ويعتبر أشد البعد عن أن يكون محكومًا بحب السيطرة والغموض (وهما شرطان أساسيان للمادية والجشع)، لأنه أصلًا لا يستطيع حتى تصور وجود فوقية على بقية الخليقة، معتقدًا أن المبادئ العليا الأبدية التي أنشأها خالق الكون بأسره، مثلها مثل القوانين الفيزيائية مثل الجاذبية، لا يمكن تغييرها أو تجنبها دون عواقب مدمرة تلحق الضرر الجسيم بكوكبنا.

نرشح لك: الحياة في كتاب “الإنسان يبحث عن المعنى”

Abdurrahman Taha’s New Concept of the Human: An Essay on Contemporary Arab-Islamic Philosophy

إعلان

مصدر مصدر الترجمة
فريق الإعداد

إعداد: أفنان أبو يحيى

تدقيق لغوي: مصعب محيسن

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.