تأخذك إلى أعماق الفكر

شخصية المرأة المثالية اجتماعيًا.. من هي المرأة التي تُرضي المجتمع؟

ما هو تأثير معايير الأُنوثة والرجولة المبالغ فيها في بعض الأحيان ؟

في الحَقيقة، مَررتْ بِمَواقف عَديدة جَعَلَتْني بِمَوضِع التَفْكير بِضَرورة تَوضيح خُطورة ما يتمّ بناؤه للمرأة كَقالب يَجب عليها التَقوقع به، وسَأَذكر لَكم هذه المَواقف.

صَادَفَني عنوان كِتاب “كاريزما الأُنوثة”، وكان العنوان الفرعي له “رحلةُ العودةِ إِلى كَمالك الأُنثوي”، فتُبَين الكاتبة أَنّ الفَشل في العَلاقات العَاطفية سَببه الأُنوثة غَير المُكتَملة، وتُشّبه المرأة، كَتصنيف لشِخصيات المرأة، بِقشرة الرُمانة وحبة الرُمانة.. وعِندَما تَصلين للرُمانة الكَاملة فهُنا تَبلغين الأُنوثة الكاملة! فكأنّ الكاتبة تقول لكِ: حاولي أَن تَكوني رُمانة جيدة لِتَنجحي بِحياتكِ.

أنا أَعتبر النَظرة للمرأة في هذا الكِتاب نَظرة تَسْليعية بِشَكل كامل، استخدمت الكاتبة ضرورة الكمال الاجتماعي المُتَمثّل بالمعايير الصارمة كفكرة لنجاح كتابها، ليسَ على المَرأة أن تُتقن معايير الأنوثة المفروضة اجتماعيًا لكي تَنجح علاقتها بالآخرين أو زواجها كذلك.

إنَّ هَذا الكتاب نَبذة عَن الصورة النَمطية التي يضعها المجتمع للمرأة ويَفرض عليها التشكل حَسب ما يُمليه عليها، فيتم وضع صفات عليها الالتزام بها جميعها.

فَعليها أَن تتنبه لشَخصيتها المُتمثلة في الصَوت النّاعم والمُنخفض، الابتسامة الدائمة، الاهتمامات المَفروضة عليها أيضًا، فيجب أن تهتمّ بالمواضيع الساذجة كألعاب الأطفال، والمسلسلات الدرامية المبتذلة لكي تتناسب مع قالب الأنوثة الموضوع اجتماعيًا. وإذا تتخلفت عن إحدى هذه الصفات ستواجه الوصم أو النبذ الاجتماعي.

إعلان

وهذا الأمر غير متعلّق فقط بالمرأة، فالرجل أيضًا يواجه عدة صفات عليه أن يتحلّى بها لكي يتناسب مع قالب الرجولة المفروض عليه، فعلى الرجل أن يبتعد عن إظهار المشاعر العاطفية مثلًا كالبكاء .

كَيف تَحُدّ هَذه المعايير الاجتماعية من فُرص النجاح في الحياة؟

إنّ المحاولة للبقاء داخل هذا القالب الاجتماعي يتطلب الالتزام بالأدوار المسموحة به، فمن الطبيعي أن يحدّ ذلك من الفرص المتاحة بغضّ النظر عن طبيعة هذه الفرص أكانت تعليمية أو مهَنية، فإنّ الشخص الذي يحاول أن يكون مثاليًّا اجتماعيًا لديه قائمة من التنازلات عليه أن يتخلى عنها، بما فيها اهتماماته الفردية أحيانًا.


فَفي إعلان لعدة دَورات تدريبية يطرحها اتحاد الطلاب في جامعتي لاحظت وجود قسم مخصص لدورات للفتيات فقط مما أثار فضولي لأرى محتواها فوجدت الكارثة، فقد كانت الدورات تختصّ بتشكيل البلالين والتَطريز والطَبخ والتَدبير المنزليّ! وفي ناحية أخرى تختص باقي الدورات المخصّصة للجميع باللغات والإدارة والأعمال.. الخ.

أهذه فعلًا المواضيع التي يجب على الفتيات الاطلاع عليها؟ لمَ لَمْ توضع موضوعات مثل الدفاع عن النفس أو تمكين المرأة مَثلًا؟
لكن لماذا يتمّ حصر دور وشخصية المرأة في هذه الصورة الساذجة؟

إنّ طبيعة السُلطة في المجتمع العربي هي ذكورية في التركيب البنائي للأدوار والمكانات، فإنّ فرض هذه الصورة الساذجة للمرأة فقط لم يكن بمحض الصدفة، بل لبقاء سلطة الذكور.

فهل تساءلنا يومًا لمَ يَجب على الفتاة أن تكون أقصر من شريكها أو زوجها؟ فللطول صفة السيطرة غالبًا والتي تتفق مع معايير الرجولة في مجتمعنا.

مع أنّ الرجل هو الأطول على الأغلب، لكن في الحالات التي تكون فيها الفتاة أطول تحرص على عدم ارتداء حذاء الكعب العالي لكي يتناسب طول قامتها مع طول شريكها ليكون هو الأطول، فهذا يحافظ على التزام كليهما بمعايير الأنوثة والذكورة المصاغة اجتماعيًا لهما، وكما تُعاني المرأة من الصورة النمطية المحصورة فالرجل أيضًا تُوضع له صورة تتسم بمعايير ذكورية عليه الالتزام بها.

فتجد المرأة نفسها تغوص في بحر من الضغوطات التي لا تنتهي، والمطلوب منها أن تتعامل مع هذه الضغوط والمشاكل بكلّ صدر رحب وهدوء تامّ، وأن تحافظ على ابتسامتها واسترخائها مهما كانت الظروف، وفي كلّ مكان تجد المرأة إرشادات ونصائح فيما يخصّ تخفيض الوزن والهوس بموضوع ضرورة اللياقة المثالية والمظهر، فعليها دائمًا أن تظهر بالمظهر الحسن وتتبع أحدث ما تُمليه عليها الموضة العالمية.

إنّ الصحة النفسية لـدى الفرد الخاضع لضغوط مضاعفة أو لـضـغـوط متناقضة، بشكل متكرر وعــلــى المـــدى الـبـعـيـد، يمكـن أن تـتـأثـر بـصـورة كبيرة، وقد تـؤدي هذه الضغوط بل تتسبب بنوبات قلق مستمرة، وإرهاق ذهني وشعور بالعجز لا بل بعدم الفعالية، وكذلك الإصابة بالاكتئاب وما إلى ذلك من هذه الأعراض. وهذه الملاحظات تنطبق تمامًا على المرأة، لا سيما المرأة التي تجد نفسها في مواجهة مجموعة من الخطابات المتضاربة والتي تمّت الإشارة إليها سابقًا.

صحيح أنّ صفات الرجولة والأنوثة مهمة، لكن من الضروري عدم المغالاة في فرض المعايير المستحيلة على الجنسين والتي تحصر أدوارهما في الحياة، وتعدمهما الشعور بالثقة النابع من عدم القدرة على الالتزام بهذه المعايير وتحقيقها بشكل كامل، مما يؤثر في علاقاتهما الاجتماعية.

.

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.