تأخذك إلى أعماق الفكر

سرّ الجرن القديم

أنزع فتيل الفكرة وألقيها بعيدًا، تأبى الفكرة إلا العودة لتنفجر في رأسي.

كثرت الأساطير في قريتنا الصغيرة حتى احتلت حيزًا كبيرًا من أحاديث أهل القرية، تقاليدهم، عاداتهم، وحتى دعواتهم، يخفت بريق أساطير الطفولة دائمًا عندما نكبر وتثقل كاهلنا الهموم، هذا بالتحديد ما حدث معي إلا تلك الأسطورة، كنت أكبر فتكبر ويزداد إيماني بكونها حقيقة، أسطورة أدعينوت ملك الجان. ردد أهل القرية حكايات مبالغًا فيها عن الذئب الذي تحول آدميًا وسكن منزل الحاج مسعود بعد أن انتقل للعيش في القاهرة، هو في ضوء النهار آدمي يعيش بينهم ونجح في التخفي طيلة مائة وستين عامًا رغم أن الحاج قد انتقل منذ عامين فقط، وليس حتى إلى القاهرة ولكن لمثواه الأخير!

“دائمًا ما يجدون مهربًا لتكتمل حبكة الأسطورة آخ منهم أولئك الفلاحين” هكذا علّق د. محمود صديقي القاهري طبيب الوحدة الصحية المكلف، أذكر أول يوم في تعيينه كان يشبه الألمان بملامحٍ حادة وعظمتي وجنتيه البارزتين ولم يمر إلا شهر واحتال مصريًا وازداد وزنه لأسباب كان يرددها بسبب أو بدون” لعنة الله على الناموس، وعلى فطيركم المشلتت الشهي هذا”، وجد صعوبة في التعامل مع أهل القرية، فكلهم مؤمنون حتى نخاعهم بالأساطير إلاي، لقد توسّم فيّ الصديق، يحتاج المرء دائمًا لصديق يتفهمه. وأسطورة دماء بيت فتحية، يشاع أنه في منتصف كل شهر تتشبع حوائطها بالدماء، يقال أن فتحية قتلت في مثل ذلك اليوم بالرغم من أنه لا أحد يعلم من فتحية ولا أبناء لها ولكنهم يعلمون أنها قبيحة ووجهها دون ملامح، رأي آخر يقول أن ذلك البيت مبني على بركة من الدماء التي سالت في إحدى الحروب، ما يضايقني أن أحدهم قرر أن يضفي على الأمر صبغة عقلانية فقال “الحوائط تتشرب الدماء من الأرض في هذا اليوم بالذات، هو أمر له علاقة بالجاذبية يشبه المد والجزر” كنت في فترة نقاهة من عملية في ساقي ولكني تعافيت تمامًا واستعدت قدرتي على السير،

ذهبت للدكتور محمود لأصرف الدواء ف دار بيننا حديث عن الأساطير وأخذنا نسخر منها واحدة تلو الأخرى ومن أهل القرية الذين ارتكنوا لحقائق اختلقوها هم، صِحتُ بصوتٍ غلبه الضحك: “تبًا لأدعينوت الملك وجانه جنيًا جنيًا” هنا دخل فايز ساعي الوحدة الصحية صدفة وسمع ما قلت، فرد علي: “لا تعرضنا للمهالك، أولادنا لا ذنب لهم أن يتيتموا بسببك، اسخر من أي أحد أو شيء إلا أدعينوت”. لم يكن يعلم أحد من هو أدعينوت ولا شكله ولا كنهه لكنهم عرفوا أن أحد كبار القرية توفي وقد بلل ملابسه وتخشب وجهه من الخوف وصاح قبل خروج روحه :”دعني يا أدعينوت” فتيقنت القرية ومن فيها بوجود جني يسلب الأرواح المذعورة لكن ليس كبقية الجن الذي قد تراه وأنت تقضي حاجتك أو وأنت في أرضك في الصباح الباكر أو عائد منها في ظلام الليل فيقشعر بدنك ويقف لوجودهم شعر يدك، أقسم أني في طفولتي رأيت جنيًا أو اثنين لكن الجن لا يؤذي سكان القرية، وحتى إن آذاهم فلن يعرف أحد أنه بفعل الجن، لذلك نصّبوا أدعينوت ملكًا على الجن، فهو مختلف عنهم يؤذيك بمجرد التفكير فيه. عزمنا أنا ومحمود بعد ما رأينا من ذعر على وجه فايز أن نفند تلك الأساطير أمام أهل القرية فرأى في ذلك مغامرة قد تكسر ملل التكرار في القرية فوافق، رافقته بعد انتهاء الدوام لنضع الخطة،

اتفقنا على جمع أهل القرية وراءنا ونحن ندخل البيوت بيتًا بيتًا في الليل حتى يتأكدوا، فسألته أنى لنا أن نخرجهم من بيوتهم في تلك النزهة التي لدى كل منهم ألف سبب وسبب لرفضها، فقال أن فايز أخبره ذات مرة عن النداهة التي تنادي وإن لم تلبِ النداء قبضت روحك وعذبتها، أخبره أيضًا أن من لا يؤمن بأدعينوت لا يستطيع أن يدعي إيمانًا به، وهنا رنّت فكرة في رأسي أكاد أجزم أن محمود قد سمع صداها، سننادي عليهم من مكبرات الصوت في المساجد التي تغلق أبوابها بعد انتهاء صلاة العشاء، وسيصدقون. سألني: “كيف سنزامن النداء؟” فأشرت له أن يترك الأمر لي، حيلة بسيطة جدًا، سأوصل مكبر الصوت على سلك طويل يجتاز أسوار المسجد إلى مسجّل مدفون بجواره وأشغلهم واحدًا تلو الآخر، بدت له مقنعة وقمت بتجهيزها.

إعلان

في المساء نفذت الخدعة وناديت أهل القرية أن أدعينوت جاءني في منامي وأمرني أن أنادي فيهم أن قوموا ولا تخلّفوا أحدًا وراءكم وتجمّعوا عند المسجد الكبير، فاستجابوا لنداء المجهول هذا، لحقناهم إلى المسجد وهناك أخبرهم الدكتور محمود أن أدعينوت يريد أن يقتادني إلى الإيمان به عن طريقه، وعلى الجميع أن يتبعنا، فصمت أهل القرية على غير العادة وتبعونا.

بدأنا الرحلة بالمقابر، اقتحمنا سكونها ليلًا  وتردد أهل القرية هل يتبعونا أو لا حتى نادى محمود مدّعيًا كونه مجذوبًا “أدعييينوووووت” ثم أدار وجهه لي واستغرق في الضحك فمررنا من داخل المقابر إلى منزل فتحية الذي تلون معظمه أحمرًا، نحن في منتصف الشهر والبدر يكاد يفصح عن أسراره، دخلت المنزل وصعدت إلى أعلى وتركت محمود معهم اندهشت لرؤية عظام تشبه عظام ماشية نفقت، ثم فهمت السبب.  كانت فتحية تاجرة مواشي وتذبح كل يومٍ فتتناثر الدماء على الحوائط حتى كستها باللون الأحمر، ثم في منتصف الشهر يبزغ البدر فيتوهج لون المنزل المهجور منذ قرابة المائة عام، اقتنع أهل القرية بعد أن أشرت لهم بالعظام، وذهل محمود لما اكتشفته، هممت بالنزول حتى نكمل الرحلة وبينما أنا أهبط الدَرَج مزهوًا بقدرتي على حل لغز فتحية، الذي حير أهل القرية لأعوام طويلة، إذ بقطرة دمٍ تسقط على وجهي، مسحتها بيدي فاختفت من على يدي فتيقنت أنه يخيل لي حتى سقطت الأخرى وتبعتها الثالثة، تسقط القطرة وتختفي حتى خرجت من البيت وقد اقتنعت أن جنيًا مراهقًا يلاعبني.

عبرنا الطرقات إلى حيث البئر الذي تقبع في قاعه النداهة ربطت نفسي بالحبل وأنزلني محمود رويدًا رويدًا في البئر الذي جفت ماؤه حتى وصلت قاع البئر والتقطت بعض الطين وشددت الحبل له فجذبني إلى أعلى وأشرت لهم بالطين فطلبوا مني تكرارها حتى يصدقوا، هز محمود رأسه موافقًا وأنزلني لأحضر حفنة أخرى من الطين، وأنا في طريقي إلى الصعود تذكرت أنني لمست شيئًا يشبه اليد، وشعرت وقتها بأنفاس باردة على خدي، ثم وصلت إلى سطح البئر وأشرت لهم بالطين مرة أخرى فتأكدوا، فواصلنا المسير حتى منزل الحاج مسعود. أخذت مشعلًا  من أحدهم وكسرت الباب بقدمي وصعدت، ذعرت لرؤية الذئاب تملأ المنزل لكنني اطمأننت عندما رأوني ولم يهاجموني ورأيت ورقة بالإسبانية تفيد أن مستكشفًا من بيرو أدخل فئة جديدة من الذئاب لمصر، ذئاب لا تعوي، اقتربت منهم وحملت أحدهم وخرجت به إلى الشرفة فرآني الناس أحمل الذئب والنار، ولا يهاجمني الذئب ولا حتى يهاب النار، أقسم أن ذلك الذئب قد كلمني وقال “خذني معك قد اكتفيت من هذا المنزل”.

“هيا إلى الجرن القديم” صاح أحدهم، وأسكته الجمع. سعدت برغبة أحدهم قهر أحد مخاوفه وعزمت على مساعدته لكن كانت للجرن حكايته التي لا يمكنك إخبار أحد بها وإلا…..

حاول أحدهم منذ زمن إفشاء سرّ الجرن لكنه أصيب بالبكم، فقرر أن يتبع سياسة الأرض المحروقة وأقسم على أنه لن يموت حتى يخبر كل طفل وشيخ وامرأة في القرية بسر الجرن.  كتب السر على جدران البيوت حتى رآه الناس، يقال إنه اقتحم البيوت وحفر على أرحام النساء حتى يعلم كل مولود السر، إلى أن وجد مصلوبًا على باب الجرن.

لم يكتفِ بهذا بل ما زال إلى اليوم يخاطب الناس في أحلامهم بالسر، صدقًا أنا لا أعلم كيف عرفت هذه الحكاية، أنا شخص مهووس بالتفاصيل لا أنسى منها أي شيء، ويمكنني أن أخبرك عن كل أسطورة سمعتها -على كثرتهم- من أخبرني إياها وكيف ومتى، يمكنني حتى أن أخبرك ماذا كنا نتناول وكيف كان طعمه وكيف كان الجو، إلا حكاية الجرن استيقظت يومًا لا أذكره وجدتني أعرفها وكأنها نبتت في خاطري.

شققنا طريقنا في الظلام إلى الجرن حتى وصلنا ورأينا العظام المصلوبة، بعض الناس هنا قد شابوا دون ان يجرؤوا على الاقتراب من الجرن ولو لمرة،فتحت باب الجرن، ثم دخلت حاملا المشعل.  سرت قليلًا وحرصت على التلفت خلفي مرارًا لأتأكد من أنهم يرونني، لمحت شيئا ف تبعته بنظري، والتفت وإذ بالباب قد احتال حائطًا وانسد طريق الخروج، إذن لا عودة من هنا! سرت حتى النهاية وقلبي يرتعد، حتى رأيت ما لم أرَ مثله من قبل.

في ضوء القمر ظهرت عباءة ذات أكتاف عالية تنسدل على جسد نحيف دون أرجل، نظرت يميني فوجدت امرأة دون ملامح تفوح منها رائحة الروث والدماء، وعلى يساري ذئب يقف على اثنتين ويرفع يديه نحوي كأنه يحدثني، لم أحتج للنظر خلفي فقد علمت من الأنفاس الباردة أنها النداهة، إذن كل هذا حقيقة! إذن أهل القرية ليسوا جهلة توجههم الخرافات يمينًا تارة وتارة يسارًا! حسنًا، لا بد أن ذو العباءة أدعينوت.

أيقنت أنني ميت على أقل تقدير، إن لم يحلُ لهم تعذيبي قبل أو بعد موتي، وإذ بنداء يهز صداه رأسي “افضح أمرهم كما فعلت ولا تخف”، يصرخ النداء ثم يختفي، يبدو أن أحدهم قتله في رأسي، فجأة توهّج المشعل وظهر أدعينوت معلنًا اقتراب موتي.

يقترب مني، أحاول أن أرى وجهه فلا أرى سواي، وينفضّ  الجمع دون أن يفشوا سرّ الجرن القديم.

نرشح لك: البيت المسكون لـ فرجينيا وولف.. قصة قصيرة

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: شريف نصر

تدقيق لغوي: مريم زهرا

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.