تأخذك إلى أعماق الفكر

ريم بنا غزالة سحبت خيط قميصنا الرث

ريم بنا قامة يرافقها الصمود الدائم في وجه احتلالين؛ السرطان والعدو الصهيوني، ولم تكن لتهادن مع أحدهما ولم تكن إلا ندًّا لكليهما ولكل عصيّ متجبر على الإنسانية.

أصدرت ريم بنا نحو 13 ألبومًا، من أبرزها “مرايا الروح” عام 2005 الموجه لدعم الأسرى الفلسطينيين والمعتقلين العرب في سجون الاحتلال، كما أنها كانت قد أعلنت عن ألبوم جديد كان سيصدر في منتصف نيسان لم يكتب له أن يُسمع من عشاقها، فكان الموت يترصّدها بعد مقاومة شرسة لليأس.

وفي ٢٤ آذار ٢٠١٨ وبإحدى مشافي مدينة الناصرة المحتلة قفزت الغزالة البيضاء نحو راحة نفسها، فريم كانت قد أصيبت منذ العام ٢٠٠٩ بسرطان الثدي ثم بنوعين مختلفين منه، والفريد في شخصية ريم تواضعها لجمهورها ومخاطبتهم من خلال كتاباتها المحفزة ونصحهم مباشرة.

كما وتلقّت أثناء مسيرتها الفنية عدة جوائز، منها تكريمها كشخصية العام وسفيرة السلام في إيطاليا عام 1994، وشخصية العام من وزارة الثقافة التونسية عام 1997، كما فازت بجائزة فلسطين للغناء عام 2000 وبجائزة ابن رشد للفكر الحر عام 2013.

استطاعت ريم بنا أن تشعر باقتراب الرحيل فكتبت في 5 آذار الجاري، عبر صفحتها على فيسبوك:

إعلان

“بالأمس.. كنت أحاول تخفيف وطأة هذه المعاناة القاسية على أولادي.. فكان عليّ أن أخترع سيناريو.. فقلت… لا تخافوا.. هذا الجسد كقميص رثّ.. لا يدوم.. حين أخلعه.. سأهرب خلسة من بين الورد المسجّى في الصندوق.. وأترك الجنازة وخراريف العزاء عن الطبخ وأوجاع المفاصل والزكام… مراقبةً الأخريات الداخلات.. والروائح المحتقنة”.

كانت الجنازة المهيبة للفنانة الفلسطينية متّبعة لوصيتها في الغناء للوطن، وهي لطالما غنته بأسلوب مميز، حيث كانت تُعيد إحياء التراث بطريقتها الشخصية المُعاصرة. أما نحن فنقول يا غزالتنا كيف فقدناكِ دفعة واحدة، وارتضينا فناء العصافير في آن واحد؟ كيف شققتِ ضلوعنا لتلتصقي على السماء ويصبح غماس الأرض من عينيكِ؟! هذه الهاوية التي انكفأ العالم كله فيها، وانطفأ منها في صدرنا قنديل..

تمترستِ فيها بعد أن تمرّستِ في صناعة الأمل نخبًا يُسكب في عضلة قلوبنا نحن الفُقراء إليكِ، قد كانت يداكِ المتروكتانِ في الفضاءِ صنارتي نسيجٍ ترتق جروحنا، يا غجرية الهجرة، ورشيقة كالرّيم، وصبورة كالمجدليّة ، وقديسة الروح، أكان عليكِ العَدوَ دون أن تلوّحي لنا؟ أكان عليكِ أن تضعي عتادك في الدُخان؟! عفوًا، فإنك كشطتِ الجلد من فوق جروحنا النيئة، وليس لنا منكِ إلا أن ندين بديدنِ الجَلدِ الطويل، وأن نترك لكِ كفوفنا تسحبيها إلى قتالك المستمر، قد حكمتِ علينا امتشاق الجنون وابتداع البدع.

أمان الله عليكِ يا كرمل الرّوح المُسجّى في ناصرتي، يا خطّ الدّم الذي ينسكب بادئًا في كل باب نفتحه، يا جلجلةً نَسري إليها دون انقطاع، نُقرِئُك السلام لمن غابوا، ونهمس لكِ: نحبّك.

مساهمة من مرام سعدي

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.