تأخذك إلى أعماق الفكر

العمى الإنساني!

في عالم الأدب العظيم، هنالكَ كُتّاب أحيوا مصائر وحيوات، وكتّاب أخذونا معهم على بلاد ليست على الخريطة، وكُتّاب تركوا فينا نُدبة، لن يستطيع الزمن إخفاءها، وكتّاب جمعوا كُلّ هذا وأكثر، مثل جوزيه ساراماغو الكاتب البرتغالي صاحب رواية العمى والحاصل على جائزة نوبل للآداب عام 1998.

جوزيه ساراماغو

هذا العالم الذي بدأ بالانحطاط سريعًا وبلا أيّ إنذار، بدأنا نرى الظُلم يتوحش الأحياء، والخوف كما الماء ضروري لنقتات، الحُبّ أُعجوبة بلا رغبة!

رواية العمى هي رواية تحملك وتضعك بجزيرة نائية خاليّة من البشر والأسماء، الشوارع والصفات. رواية تدفعك دفعًا لِلتحليل، لتبدأ بالشّك بِلُبِّ الحقيقة البشرية هذه، من ماذا خُلقت، من طين، تراب وماء! أم نجاسة مخفيّة!

تصف الرواية، مدينة ما يحلّ بأهلها وباء العمى، ومنها ينطلق ساراماغو برحلته، رحلة مُبهمة في ذواتنا ومصيرنا البشري. ينطلق فيها من دوافع غريزية للانقضاض على الضعيف، الإيثار الذي يجد نفسه حاضرًا على أشّد دناءة الذات الإنسانية مُنتهيًا بالمصير الذي تحكمه الديكتاتوريات الغبيّة الضعيفة. وعندها ستُدرك معنى الحياة والموت، مواطن الضعف، والانسلاخ عن كونِ المرء بشري يتحول بموقف واحد إلى حيوان.
-حيوان ليست شتيمة، بل وصف رفيع للفعل-
وإنّ إمتلاك ضمير في هذا العالم بمثابة موت مُكرر.

تبدأ الرواية بمكان يضُم قلّة من المصابين، لينتهي بهم المطاف إلى أنّ العالم الكبير في الخارج أصبح داخل عدّة غُرف خاليّة من كُلّ شيء، إلّا الضيّاع.

وتُدرك بنصف الرحلة أنّك أصبحت إنسانًا لا يتمتع بالقيم المفروضة عليك شيئًا فشيئًا، بل ويُصبح لك رأي، وعلى هذا الرأي أن يُصبح مفروضًا، وعلى كُلّ شيء في بالك عليه أن يُدرس. ليت الأمر يتوقف هُنا، تُصبح مُصادرة الحقوق والانقضاض عليها غريزة بالكائن البشري، كالطعام والشراب الذي قد تقتل لتحصل عليه!

إعلان

أصابني سؤال استمر معي ليال طويلة، ولم أجد إجابته، إلى أي درك بائس وصل بنو الإنسان!
وأدركت، أن العمى الذي في الرواية هو العمى الأخلاقي، هو المُستنقع الذي غمسنا أنفسنا فيه بالوحل والفطريات! وهو أيضًا سبب الانحدار وانقراض الكينونة البشرية!

رواية مليئة، عميقة، بتعبير آخر تجدها صكًّا لمعرفة إلى أيّ نوع من البشر تنتمي!
في نهاية الرحلة، تستنتج أنّ في دواخلنا شيئًا لا اسم له، كما الرواية بكل ما فيها، شيئًا يُخبرك أنّك أنت ما تُفكر فيه وتفعله هو ضميرك الحيّ وأنّ سبب الخلاص والتوبة في الإنسان هو اللُّغز الكامن!

لطالما تساءلتُ أيضًا ما الذي يجعلني أقرأ ساراماغو دومًا دونّ ملل، على الرغم من طريقته الغريبة في المتابعة ورّص الفقرات حتى تمتد لصفحات والحوارات الممتدة بلا إشارة للمتحدث!
وجدتُ أن الشيء المُشترك بيننّا هو الطابع الذي نوليه كُل اهتمامنا، الطابع السيكولوجي الفلسفيّ.

في نهاية رواية العمى ونهاية المُراجعة على لسان المُبصر الوحيد في الرواية

لا أعتقد أننّا صرنا عميانًا، أعتقد أننّا عميان أصلًا. نحن عميان لكننا نرى، عميان بوسعهم أن يروا لكنهم لا يرون.

نرشح لك: الحياة في كتاب الإنسان يبحث عن المعنى.

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.