رمضان في تعريف العالم الجديد: موسمٌ دينيٌ للاحتفال، ولكن..!

تقديم:

يُعدُّ شهر رمضان، في تعريف العالم الجديد، مِن أبرز الحالات التي تَجلّت فيها “عولَمةُ الشّرق”_أيّ: صَهْر الثقافة العربية الإسلامية في النّظام العالمي الشمولي الجديد حيثُ لا خصوصيات ثقافية لِمَن لا يستطيعُ حماية ثقافته بالقوة_ بهذا المعنى تمّ إدْراجُ شهْر رمضان، ضمن تصنيف “مواسم دينية احتفالية”.

يُقال إنّ الشُعوبَ التي ليست لديها القُدرة على وصفِ ذاتِها سيأتي مَن يصِفٌها، وكذلك بالنسبةِ للثقافة والهُوِيّة

فالأممُ التي تَعجز عَن شرح ثقافتها وتقديمها للعالَم كهُوِيّة حصريّة واضحة المعالِم سيقومُ العالَم متمثلاً بأقطابه المتنفِّذة بفرضِ تصوّراتِه الخاصّة حول ثقافةِ تلكَ الأمَّة وتقديمِها على أنّها الهُوِيّة الحقيقية والوحيدة دونَ الرجوع إلى إرادة تلكَ الأمّة المُنهَكة.

وما نعيشه اليوم في الواقع العربي من صراعات وأزمات وتدخلات أجنبية في سِيادة القرار العربيّ الإسلاميّ، يُعدّ نموذجاً حياً على فرضِ تصوّرات العالَم الأول وأجِنداتِه على الواقع العربيّ، بل وفرض الصورة النهائية التي يجب أنْ يكونَ عليها ذلك الواقع، بذريعة أنّ الأنظمة العربيّة غير قادرة على إدارة شؤونها بنفسها، وهي بذلك غير قادرة على رَسْم هُوِيّة فريدة خاصّة بثقافة المنطقة العربيّة.

ووفقاً للصورة النمطيّة العالميّة عَنِ الإسلام وشعائِرَهُ، يتمُّ تقديم متطلبات الموسم الرمضانيّ الاحتفالي واحتياجاته كالفوانيس والزينة والهلال المضيء، والمفارش المرسوم عليها حبّات التمر، وأحياناً بعض الجِمال في الخلفية، وتلك الأقزام الرمضانية المُريبة؛ إلى المُستهلِك العربي المسلم، وعادةً ما تكون كلُّ تلك المستلزمات الروحانية الرمضانيّة من صناعة الصين، وهكذا يكونُ شهرُ رمضان في تعريف العالَم الجديد جاهزاً ليتمّ تقديمه إلى الشرق كموسم يتخذ الشكل الاحتفالي المُبهِج، ويحقق الجدوى الاقتصادية لرؤوس الأموال على مدارِ شهر كامل، ولكن حتماً لن يسأل العالَم الشمولي الجديد عن الحُرّيات الفردية في الوطن العربي، وعن العقوبات التي تُفرض على غير الصائمين، ولنْ يَكتَرث لحقيقة أنّ رمضان في بعض المناطق العربية يُستخدم كسَوْط للإخضاع وكسر الإرادة والإذلال تحت حُكم العساكر أو الإسلاميين على حدٍ سواء.

قد يَبْدو الأمر صادماً بالنسبةِ إلى السيّد الأبيض في المركزيات الغربية والأوروبية، أنّ شهر رمضان الذي يُعرّفون عَنه كشهرٍ احتفاليٍّ مبهج، هو موسم لقمْع الحُرّيات الفردية، وتدجين الشعوب ووضعها في قوالب جاهزة دون أدنى قدرة على النّقد أو التحليل.

إعلان

إنّ المسكوت عنه في العالم العربي، هو أنّك تستطيع أن تفرح بقدوم رمضان!

ولكِن قطعاً أنت لا تستَطِع إلا أنْ تفرح، فهذا ليس خياراً متاحاً، ولا نقاش فيه.

صيام رمضان كعبادة ذات مطامِع أبعد من الرُّوحانيّة!

لقد عرف الإنسانُ الصيام مبكراً منذ بدايات تشكيل تصوراته حول الحياة والإله والخير والشر، والقبائل والتجمُّعات، فكان الصيامُ في بادئِ الأمر شيئاً مرتبطاً بالقلق مِن عواقب الخطيئة، وأحياناً كان يُراد بِهِ التعبير عن الحداد والحزن، حيثُ في الطعام والشراب والجِنس استمرارية الحياة، والتوقف عن ذلك هو اعتزال لشَكْلِ الحياة المعهود، طلباً للغفران والتنقية والمباركة.

وكانَ الصّيام في سحِيق التاريخ يتمّ على فترات غير منتظمة أو محددة بحدثٍ معين، ولم يتخذ شكلاً منظماً حتى ظهور الأدبيات والمخطوطات الدينية مع تطوّر العقل البشري، الذي ربط الطّقوس اللاهوتية بالشّكل الاجتماعي للقبائل التي تعتنق ديناً ما، وصولاً إلى الإسلام الذي أحدث تغييراً جوهرياً في الغاية من الدِّين، إذ رَبطتْ العقيدة الإسلامية الدِّين بنظام الحكم الكهنوتي، وبالسيادة والتوسع وخلافة الأرض تحت رايةٍ واحدة تُدار مِنَ المعبد الإسلاميّ.

وانعكس ذلك بطبيعة الحال على شكل العبادات والفِقْه الإسلاميّ، حيث اتخذَت العبادات شكلاً إلزامياً مطلقاً، يُعاقب تاركها بالنفي والتحقير والازدراء والاتهام بخيانة الحلم الإسلامي، كلّ ذلِك مِن دون حالة اجتماعية محايدة “مدنيّة” تحفظ له كرامته الإنسانية داخل المجتمع الإسلاميّ، إذا قرَّر اتباع إرادة مختلفة عن إرادة المجتمع.

وإذا ما أردنا في الواقعِ المعاصِر أن نُقارِن فريضة الصّيام، في الإسلام، بالصّيام في الديانات الأخرى، نجدُ أنّ الصيام في الإسلام طقساً جماعياً يُمارسَه الأفراد المُسلمون على سبيل الفرض الجماعي مِن أجلِ الحفاظ على البِنَى الاجتماعيّة السياسيّة للإسلام، ومَن لا يلتزِم سيُعاقبُ بالتحقير أولاً، ثمّ يُحدد النظام الحاكِم للمنطقة شَكْل العقوبة الرسمية المناسبة.

أمّا في الديانات الأخرى يكون الصيام وغيرِه مِن العبادات طقساً فردياً يُمكن للإنسان أداؤه أو تجاوزه وفقاً لمعتقداته حول ديانته، واستعداده الروحاني للقيام بواجبات دينية ما، وذلك لا يقلل من شأنه ولا يُنزل عليه أيُّ عقوبات رسمية مٍنَ الدَّولة، كما يحدث في بعض الدول الإسلامية حتى اللحظة.

في الواقع، إنَّ عولمة رمضان ومحاولة المركزيّة الغربية تصنيفه ضمن الطقوس الاحتفالية كانت مِن أجل تدجين الفِكْر الإسلامي المُتَطرّف، حيثُ وَضَعتْ شهر رمضان في خانة “الهالوين” أو “الكريسماس” لتكسر تلك الجِديّة الدينية التي كان ينطوي عليها في السابق وارتباطهِ بالعقيدة الإسلامية التي تضع سيادة العالَم هدفاً لها.

ولكن تلك المركزية الغربية والأوروبية لا تُدرِك أنّ صورة رمضان في تعريف العالَم الجديد، لم يتأثر بها سِوى الأوساط العربية النخبويّة البرجوازيّة، أمّا الشارع العربيّ نفسَهُ فلا يزال يعتبرُ شهر رمضان موسِماً لشَحذِ الهِمم من أجلِ إكمال المسِير نحو الحلم الإسلامي بسيادة العالَم، وكل ذلك يأتي ضدّ مصلحة الحُرّيات الفردية والإرادة الحُرَّة للإنسان العربي الذي لا يطمح لأكثر من مُواطَنة مدنِيّة حُرّة دونَ وصاية دينيّة.

رمضان في تعريف العالم الجديد: ستَفرح وستَصوم رُغماً عنك وليس بخاطرك!

إنّ ما يدفعُ الكثيرين إلى اتخاذِ موقِفِ الخصومة معَ الدّين في تشريعاتِه وعقائِده، هو ذلك الجبر والغصْب الذي يجيء به الدين الإسلامي على وجه الخصوص.

فإنكار الإرادة الحُرّة للإنسان يدفعه إلى التمرُّد بشكلٍ تلقائي طبيعي، هنا تقع المشكلة في الشعائر والمواسم والعبادات الإسلامية، أنها تفرضُ نفسها على كلّ المجتمع بثقل كبير، بل وتقصي تلك الطقوس والمواسم غير المشاركين فيها من المجتمع بشكل تام، أي أنها تلغيهم، في حين أن من حق الجميع أن يتفاعلوا في مجتمعاتهم ويعبروا عن ذواتهم بما يحقق لهم التوازن والرضا، دون وصاية دينية كهنوتية عُليا تضع شروطاً لقبول الأفراد اجتماعياً أو رفضهم.

ويُشكل شهر رمضان في غالبية المناطق العربية نموذجاً حياً على تلك الوصاية الدينية المقوّضة للحُرِّيات الفردية، والإرادة الحُرّة للإنسان والتي يُفترض أن يضبطها النظام الأخلاقي القيمي الذاتي لدى كل إنسان، وليس النظام اللاهوتي الديني.

إنّ بإمكان الوصاية التي يفرضها النظام الديني العام الذي يتراوح حُكمه للمناطق العربية بين التشدد والوسطية وفقاً لظروف كل منطقة؛ أن تفرض الصيام ومشهد الاحتفال الديني العام برمضان على الجميع، ولكن هل تستطيع أن تفرض الحالة الروحانية المرجوة من الصيام على الجميع؟

رمضان في تعريف العالم الجديد

هذا اللاوعي الجمعي والاندفاع نحو شهر رمضان كموسم للغفران ومحوِ الخطايا وشحذ الإيمان بالعقيدة الإسلامية التوسعية، جعل من هذا الشهر رمزاً مُقدساً يجب أن نبتهج به، وندخل معه في الحالة الرمضانية العامّة كل سنة، والتي ستُجبر فيها على سماع القرآن بأعلى صوتٍ ممكن من جميع مكبرات الصوت المنصوبة فوق مآذن المساجد.

وستُجبر على سماع الأناشيد الدينية الرمضانية، تنبعث من كل فج وصوب، حتى أنها أحياناً تقتحم الأريكة التي تجلس عليها في بيتك، حيث تتحول المدينة إلى مسجد ضخم للغاية، دون الاكتراث لحُرية الإنسان الذي قد يكون غير راغب بدخول المسجد في هذا الوقت.

أمّا المركزية الغربية عندما دجّنت شهر رمضان والفِكر المتطرف وقدّمتهُ في قالب الاحتفال الدّيني، فهي بذلك جعلت تمرُّد المواطن العربي على انتهاك حُرّيته الفردية أمراً صعباً وغير مُبرر إن تمّ طرحه ومناقشته، وبهذا الشكل أخفت بِرْكة وَحْل بسجّادة فاخرة.

إنّ الرضوخ للسيل البشري الهادر في المسارات الدينية دون نقدٍ أو تفكير بأولوية تقديم الإرادة الإنسانية دائماً على فروض الوصاية الدينية، يجعل منا نسخاً مكررة تُحاكي ما يفعله الآخرون دون رغبة في الفهم أو النقد أو الشعور بالفردانية، وهذا يقتل فرص التقبل والتعددية والتنوع، التي تُعد أساس الخروج من مستنقع الجهل والظلام والوصايا العُليا.

العالَم الجديد والفرض الديني الكلاسيكي!

بمعزلٍ عن الصورة المُبتذلة للصائم الذي يريد مِن كل العالَم أن يصوم مثلَه لئلا يُخدَش شعوره الديني إن تطور مفهوم رمضان وفقاً لعوامل تقادم الزمن والحداثة والانفتاح والهيمنة الفكرية لمركزيات العالَم وما يُقصد به: “رمضان في تعريف العالم الجديد”، جعله يتحول إلى طقسٍ احتفالي سنوي أفرغه الزمن من أسباب تشريعه.

كما وتم فصله عن الحالة الروحانية التأصيلية التي كان يمكن أن يَستشعِرها المسلم في العهد القديم على مدار الثلاثين يوما.

أمّا اليوم فيُختصر رمضان بكامله في يومه الأول فقط ثم بعد ذلك يبدأ التأفف والملل!

ولا سيما أنّ خِصال الوظائف والأعمال التي يقوم بها الفرد في عصرنا الحالي هي التوتر والاحتراق والضغط النفسي، دون القدرة على احتمال مواسم دينية مطولة.

ورغم ذلك تستمر الحالة الاحتفالية بهذا الشهر دون أن يصرح أي أحد بحقيقة ما يشعر به، وذلك خوفاً من العقاب والتحقير، هذا على مستوى المواطن العادي، وعلى الجهة الأخرى من المجتمعات هناك دوماً تلك الطبقة المخملية من الأثرياء ورجال الأعمال الذين يملكون رَفَاهيَة الاستمتاع بأداء الفرائض التي تحمل السّمة الاحتفالية كالحج، أو صيام رمضان، حيث يَعدّونها ضرباً من ضروب التجديد وكسر رتابة الأيام العادية على مدار العام، ولما لا! فهم يملكون تكلفة تحويل رمضان الرتيب إلى رحلة دينية روحانية ترفيهية! هذا علاوة إلى أنّ بعض التجار والمؤسسات يرَون في رمضان فرصة ذهبية للربح، وموسماً جيداً للكسب من خلال بيع مستلزمات الروحانية، والأجواء الرمضانية!

وبالعودة إلى ذلك المواطن العادي المسحوق، الذي لا يكترث لتحولات رمضان عبر الأزمان أو عبر الطبقات الاجتماعية، ولا يُدرك تحول شهر رمضان إلى مجرد كرنفال ديني رمزي يُقام كل عام، هو فقط يُكابد أعباء الحياة من أجل اتمام صيام هذا الشهر كفريضة هو مُجبرٌ على الابتهاج بها في خِضَم حفلة اللافهم العارمة التي تدور حوله.

وهنا يمكن القول: “أنّ العالم الجديد بضروراته ومشاغله التي يفرضها قد دفع الأثرياء إلى تحويل الشعائر الدينية إلى مواسم احتفالية في محاولة لاستساغة الجدوى منها، أمّا المسحوقين فقد دفعهم تسارعُ الزمن والإحتراق من أجل لقمة العيش إلى حالة عدم الفهم للفرض الديني”.

إذن فالثريّ يُمارس الصيام كرَفَاهيّة روحانية، بينما المسحوق يمارسه طلباً للخلاص والمغفرة والمساعدة الإلهية، ما يُفسر اقتصار التشدد الديني والتطرف على المجتمعات الفقيرة فقط.

بين رمضان المسحوقين ورمضان الأثرياء: احتفالية دينية ليس الكل مدعو إليها

في حال أنّ رمضان في تعريف العالَم الجديد قد تحول إلى احتفالية دينية، إذن يحق لمن لا يريد المشاركة أن يتجاوز الأمر ويُكمل حياته بشكل طبيعي، كالفقراء مثلاً الذين ليس بمقدورهم تكّبُد تلك التكاليف الرمضانية التي تُعَد “بطاقة دعوة للمشاركة في رمضان”، من لا يملكها عليه المغادرة وممارسة الصيام وحيداً، وهنا سيكون بمعزل عن الحالة الرمضانية العامة ولن يتمكن من تحقيق مشروعية الصيام في رمضان وهي التكافل والمشاركة الاجتماعية بين جميع طبقات المجتمع.

ربما علينا أن نتساءل في أي رمضانٍ نحن نشارك؟ رمضان المسحوقين أم الأثرياء؟!

كيف حدث ذلك! ألم تكن مشروعية رمضان في الأصل من أجل ردم تلك الهوّة بين الأثرياء والفقراء، وتزكية النفس وتقريبها من الروحانية والتسامي عن الغرائز البدائية الأنانية للوصول إلى حالة النفس المتسامية والمتوازنة!

في واقع الأمر، إنّ الجار الغني ربما يَهِب جاره الفقير طبق “بيف ستراجنوف” فاخر في أحد أيام رمضان، ولكنّه حتماً  لن يبني له سقفاً لبيته المتهالك، ولن يصمم له كما صمم في بيته ركناً رمضانياً مملوءاً بالزينة اللامعة، والمباخر الفارهة، والفوانيس المضيئة، وتلك الأقزام الرمضانية التي لا يعرف أحداً كيف أصبحت جزءاً من رمضان لا يصح الصيام بدونها. لقد أصبح رمضان في أيامنا هذه شيئاً مُبهِجاً للثري، ومُشقياً للفقير، وقد غيّر تقادم الزمن وتطوراته المتسارعة في شكل شهر رمضان والغاية من تشريع الصيام فيه، إذ أصبح طقساً رمزياً، وموسماً تجارياً رابحاً لبيع المستلزمات الروحانية، وأيضاً شهر شقاءٍ لمن لا يملك ثمن المشاركة.

إذن رُبما على رمضان الحداثي أو رمضان في تعريف العالم الجديد أن يكفّ عن مُطالبتِنا جميعاً بالفرح في كل مرة يُطل علينا، فبعضنا ليس في حالةٍ مناسبةٍ للمشاركة في المواسم الدينية الاحتفالية، أما المقصد الروحاني فيُمكن تحقيقه في أيِّ وقت بمعزل عن حالة الجَبر والوِصاية واشتراط وقت محدد لا تكون الروحانية فعالة وذات جدوى إلا مِن خلاله.

إعلان

اترك تعليقا