تأخذك إلى أعماق الفكر

رحلة مع القدّيس أوغسطين: فيلسوف هيبو والكنيسة الغربيّة (2)

(جزء 2)

كنا نحمل كلماتك مغروزةً في الأحشاء وأمثلة خُدَّامك الذين كنت قد حوّلتهم من الظلام إلى الضياء ومن الموت إلى الحياة.
-القدّيس أوغسطين (1)

لقراءة الجزء الأول من المقال اضغط هنا

وفاته

لم يغادر القدّيس أوغسطين هيبو وقد ظلَّ فيها خمسًا وثلاثين سنة كاملة منذ سفره إليها كآخر مقر، إلى أن فارق فيها الحياة في فترة حصار المدينة على يد الوندال سنة 430م.
ورغم الانتقادات التي تعرض لها وخاصة منذ القرن الثامن عشر بعد صعود حركات التنوير والنزعة العقلانيّة الحداثية كرد على فلسفات وعلوم القرون الوسطى القائمة على اللاهوت، إلا أنّه ما من أحدٍ قد أنكر أو استثنى العلم الذي كان لدى أوغسطين والمفاهيم التي درسها.
لقد ألَّف العديد من الكتب التي كانت تصبُّ حول الدين والفلسفة والسياسة والتاريخ وردوده على المانويّين وغيرهم، بعد أن خلق لمدينة هيبو روحًا مسيحيّة جديدة جاعلًا منها مركزًا مُهمًا لطلب العلم حيث لا يوجد الآن في العالم المسيحيّ الغربيّ من لا يعرفه.

أرافع هنا ضد جهلة أعطى جهلهم المثل التالي: «انحبس المطر عن الأرض والمسيحيون هم السبب» وإن يكن بينهم مثقفون كثيرون يحبون التاريخ.
-القدّيس أوغسطين (2)

آراؤه

– الوجود والأنا: لا شكّ أنّ الجميع يعرف كوجيتو ديكارت* «أنا أفكر، إذن أنا موجود». الذي جاء من شكِّ ديكارت بالحواس وبكل شيء ما عدا الشكّ ذاته، فنحن لا نقدر على الشكّ في شكنا ومن هذا الكوجيتو أتى استدلال ديكارت أو تأكيده على وجود الله انطلاقنا من أنفسنا كذلك.
يرى أوغسطين أنّ الشكّ في وجهين؛ فهناك الشكّ السلبي الذي ينتقص من وثوقيّة ويقينيّة كل معارفتا وحواسنا وخيالاتنا، وهناك الشك الإيجابي الذي يُعبِّر عن وجودنا الحقيقي، كما أنّ هناك الحقائق المطلقة التي لا يتضمنها الشكّ أبدًا مثل الرياضيّة أو المنطقيّة وهناك الحقائق التي نعرفها بمعرفتنا الحسيّة. (3)
يقول أوغسطين: «وبصرف النظر عن مظاهر الخداع التي تنطوي عليها المخيّلة بما تملكه من تصورات واقعيّة وأخرى خياليّة فأنا لا أشكّ البتة في أنّي موجود وأدرك حقيقة وجودي وأحب كوني موجودًا وعارفًا لحقيقة وجودي». (4)
كما يقول أيضا «حين تؤكد وجودك فإنّك لا يمكنك أن تخشى الخطأ إذ إنّك إذا كنت تخطئ فأنت موجود.. من لم يكن موجودًا فلا يمكن أن يخطئ». (5)
وكذلك يقول «إذا كان يشكّ فهو يحيا»، أو أننا نعرف أننا نحيا، أو أنّنا نعرف أنّنا نعرف أنّنا نحيا. (6)
أما عن وجود الله فهو يقول أنه بوسعنا التعرُّف عليه في أنفسنا وما دام هناك شيء أسمى من أنفسنا وعقولنا والحقيقة لا شيء يسمو فوقه فهو إذن الله. (7)
لقد شكّ أوغسطين مثله مثل ديكارت في الحواس إلا شكّه في نفسه وذاته، ومن نفوسنا هذه يمكننا التوصل إلى المعرفة وكذلك إلى وجود ما هو أسمى منا أي الله غير أنّه لم يفصِّل ولم يركِّز دراساته على هذا الأمر ويوسعه كما فعل أب الفلسفة الحديثة رينيه ديكارت.

– الموسيقى والفنون: تلعب الموسيقى دورًا مهمًا في المسيحيّة رغم أنّ بداياتها عرفت جدلًا واسعًا بين مُتقبِّل ومانع، لقد كان أوغسطين يولي الاهتمام للموسيقى بشكلٍ لا يمكن لنا حسبه في أن نحيدها جانبًا من الحياة كما خَصَّصَ كتابًا مهمًا حولها. (8)
ومن الواضح أنّ أوغسطين تأثَّر كذلك بأفلاطون الذي كان يولي الموسيقى أهمية كبيرة كما كان يحب الاستماع إلى إنشاد المزامير ويتأثر بالموسيقى بشكلٍ بالغ. (9)
كما كتب أوغسطين كتابات عن ذلك مثل «في الموسيقى»، وكذلك عن موضوع الفنون حيث كان دفاعًا عنها ومحاولة لحض الغير على التفكير فيها وإدراك أهميّتها البالغة، وقد كان أوغسطين يرى في الفنون بما فيها الموسيقى والفن كعضو مساعد للعقل على معرفة العالم من حوله والحقيقة. (10)
كما آمن أوغسطين أنّ الموسيقى مع نغماتها لها علاقة ورابطة مع الروح والرياضيّات والهندسة وقد قام بدراستها، كما يسأل قائلًا: أيُّ قوةٍ يملكها العقل أكثر إدهاشًا من قدرته على تذكُّر الموسيقى دون أن يسمع فعلًا أيّة أصواتٍ حقيقية؟ (11)
لقد كتب أوغسطين عن الجمال أيضًا ورآه ليس أمرًا ذاتيًا كما قال فلاسفة عديدون أي أنّ الجميل ليس جميلًا لأننا نراه جميلًا بل لأنّه جميل بالفعل، لكننا نشعر به جميلًا كذلك.
فجمال بناية ما حسب أوغسطين يعتمد على نسبها الرياضية أما النوافذ فعلى قياساتها وأبعادها، وحتى جسد الإنسان كذلك غير أنّه حين تحدَّث عن حواء ادَّعى أن آدم لم يحب حواء لجمالها بل حبه لها هو الذي جعلها جميلة. (12)
والجمال عند أوغسطين بما هو متجذرٌ في الأرقام والرياضيات والإحساس، ظاهرٌ في الكون ومظهرٌ لخالقه لنا ومثله مثل الموسيقى والفنون متعلّقة بالرياضيات والجمال ومخاطبةً أرواحنا.

-الأطفال: لا يرى أوغسطين على عكس الكثيرين في الأطفال براءة فهو يتخذ في شأنهم موقفا سلبيّا إذ يرى في الأطفال المقدرة على الأذيّة فهم يأذون الناس ببكائهم وطلبهم الطعام كما أنّ ما يمنعهم عن الأذية الجسدية هو ضعفهم الجسدي فقط إذ يقول: «وهكذا فإن براءة الأطفال تكمن في ضعف أعضائهم أما أرواحهم فآثمة، رأيت مرة صبيًا حسودًا تمعنت فيه كان لا ينطق بعد وكان شاحب اللون يحدّق بمرارة في أخيه من الرضاع». (13)
وكذلك يقول: من يفكرني بخطيئة طفولتي بما أنه لا أحد منزّه عن الخطيئة أمامك حتى الطفل الذي لم يعش على وجه الأرض إلا يومًا واحدًا (14)
كما يتحدث عن نفسه في طفولته والمشاكسات والسوء الذي كان يفعله، مثل الغش في اللعب وفضح أحد الاطفال في فعلة سيئة يقترفها رغم أنّ الأمر حين يُطبَّق عليه من الآخر يكون مزعجًا بالنسبة إليه، ليسأل أوغسطين في الأخير عن ما إذا كان يمكن لهذا أن يُدعى براءة؟ (15)
لا شك أنّ نظرة أوغسطين إلى الأطفال أو كذبة براءة الأطفال لا تخلو من نزعته الأنثروبولجيّة حول الخطيئة التي كان يراها موروثة وموجودة حتى عند الأطفال، من دون نسيان معرفته على وجه الحق واعترافه بطيشه منذ طفولته ومراهقته الأمر الذي كان مُنهِكًا لوالدته.

– اللّغة: لقد درس عدة فلاسفة ومنهم فيلسوف وعالم اللغة فيتجنشتاين* اللّغة عند أوغسطين كما لا يزال فكره اللّغويّ مؤثرًا في عدة نظريّاتٍ لغويّةٍ. (16) فهو يقول أنّه حين كان صغيرًا كان يملك فهمًا قبل أن يتعلّم اللّغة، وأنّ ذكائه من سمح له بفهم العلامات التي كان يعلِّمها له الكبار ليفهم طبيعة الأشياء وهذا الأخير هو هبة إلهيّة كما اعتقد أوغسطين. (17) فالذكاء هو الحد الفاصل بين الإشارة ومقدرة ربطها بفهم الأشياء وليس مجرد علاقة بين الإشارة والأشياء.
يقول القدّيس أوغسطين أنّ الكلمة هي علامة وكل علامة هي دلالة على شيء ما، وبذلك فهو يطرح على ابنه أديوداتوس عن معنى كلمة «لا شيء» ليجيبه ابنه بأنّ معناه «ذلك الذي لا يوجد»، بالتالي فجواب ابنه يذهب بنا إلى كون الكلمة ليست لها دلالة عكس قول والده، غير أنّ أوغسطين لا يرى أنّ إجابة ابنه صحيحة في تعريف “لا شيء”، كما يرى أنّ كلمة لا شيء هي حالة نفسية تصيب الشخص وهو يبحث عن شيءٍ ما ليجد أنّ الشيء الذي يبحث عنه غير موجود، بالتالي فهذا ليس معناه أنّ الشخص يبحث عن لا شيء، إنّ كل كلمة هي دلالة على شيء أو حدث ما عند أوغسطين. (18)
كما في محاورة أخرى مع ابنه أديوداتوس يقول: نحن حينما نتكلم نريد أن نتعلّم شيئا ما أو نتذكره. (19)
الأمر الذي يعارضه ابنه بطرح أمثلةٍ كالغناء فاللّغة في الأغنية تقوم لأجل الترفية والاستمتاع، أما المثال الآخر فهو الصلاة فلا يمكن أن يكون الغرض منها هو تعليم الرب.
أيّ أنّ اللّغة في تقدير أديوداتوس وذلك هو الصحيح لا تأتي لنتعلَّم ونعلِّم ونتذكر فقط بل لكي نفعل بها عدة أمور ونعيش عبرها.
لقد كتب أوغسطين كتابًا عن قواعد اللغة تم تسليمه لعائلة كاسيودوروس* في القرن السادس ميلادي وقد كان كتابًا مهمًا في اللغة حسب كل من تطلّع عليه كما تم تعرضه للسرقة بعدما كان في أحد المكتبات. (20)
إنّ كتابات أوغسطين عن اللّغة كانت من الأهميّة حد أن درسها فيلسوف اللغة فيتجنشتاين وعدة باحثين كما رأينا تناولوها في دراساتهم سواء أشادوا بها أو تم نقدها علميًّا.

إعلان

-النفس والبدن: إنّ النفس عند أوغسطين تفكّر وتوجد وتحيا وتعتقد وتتذكر، كما أنّها تعرف ذاتها وهي ليست مادة أو هواء. كما أنّها تتميز بثلاثة أمور وهي التذُّكر والإدراك وإرادة للشيء. (21)
وإنّ الفكر لا يكون عن طريق الجسم أو المادة بل عن طريق النفس، كما أنّها نفسٌ واحدةٌ وليست عدة نفوس كما قال أفلوطين، والنفس هي متغيّرة ليست ثابتة لكن خالدة، كما أنّها ليست من نفس الله، أما عن أصل النفس فلم يفصل أوغسطين في ذلك غير أنّ أكثر احتمال رآه هو أنّ الله قد خلقها حيث تنتشر إما بالتوالد أو أن يقوم الله بخلقها كل مرة في المولود. (22)
أما عن اتحاد النفس مع الجسم فهو اتحاد يجهله أوغسطين ويصفه بالغريب غير أنّه ليس كما يتصور المانويّين أنّ الجسم سجن للنفس أو شيئًا مثل هذا، بل إنّ النفس والجسم متلازمان حيث يقول: إنّ النفس والجسم لا يؤلفان شخصين بل إنسانًا واحدًا. (23)
إنّ النفس إذن كما يرى أوغسطين تعلو على الجسد وتتصف بالثبات وبالوحدة، كما أنّها تشترك في الفكر والاعتقاد والتذكر، ولا ريب أنّه ما من أحدٍ سيجهل التأثير الأفلاطونيّ على أوغسطين عند خوضه في موضوع النفس والبدن رغم اختلافه مع العديد من أطروحات الأفلاطونيّة حول ذلك.

-المعرفة: لقد كان أوغسطين يعتقد بمذهب الإشراق وهو مذهب يرى في المعرفة أشبه بنوع من أنواع الحدس إذا شئنا ذلك حيث يتعلَّق بنهل الذات من الجواهر النورانيّة أو الإله. (24) لقد كان أوغسطين يفصل بين المعرفة الماديّة والمعنويّة، فالمعرفة الأولى تعتمد على الحواس غير أنّ النفس تشارك في هذه المعرفة وهذا الإدراك فهي ليست معرفة ماديّة مطلقة يقوم بها الحسّ. كما أنّني حين أعرف الموجودات وأدركها فأنا أتذكر ما قاله لي الشخص، (25) أما المعرفة المعنويّة أي الباطنيّة التي تختص بالروحانيات والمطلق فهي تعتمد على الإشراق والمعرفة عن طريق الله الذي وهبنا ذلك إذ يقول: كما أنّنا نرى الماديات في ضوء الشمس فكذلك خُلقت النفس الناطقة بحيث تستطيع أن ترى المعقولات في ضوء لا جسمي يشرق عليها. (26) وإنّ العقل لا يستبعده أوغسطين من المعرفة فلا يمكننا إدراك شيء من دون استعمال عقولنا والرغبة في فهمه. (27)
كما يرى أوغسطين أنّ هناك فرق بين الحكمة والعلم؛ فالحكمة تختص بمعرفة الأمور المطلقة أو الخالدة والباطنيّة أما العلم فيشمل عالمنا المادي ومواضيعه، وإن الكتاب المقدّس يتضمن الشيء الأول أيّ الحكمة. (28)
ويمكننا إن شئنا تقسيم المعرفة كذلك عند أوغسطين إلى معرفة انطباعيّة إذا صح القول أيّ المعرفة التي تظهر بالنسبة لنا مثل أنّ الصوت الذي نسمعه هو صوت جميل أو الرائحة التي نشمها ما هي إلا رائحة زكيّة فلا يمكن أن نرى أنّها رائحة زكية من دون أن تكون كذلك ومن جهة المعرفة المجردة التي لا تحتاج منا صدقًا لأنّها صادقة في ذاتها مثل العمليّات الحسابيّة أو المنطقيّة.

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: سارة عمري

تحرير/تنسيق: نهال أسامة

تدقيق لغوي: بيسان صلاح

تدقيق علمي: عصام أسامة

الصورة: 1480 , ( Saint Augustin dans son cabinet de travail ( Botticelli Ognissan

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.