تأخذك إلى أعماق الفكر

رحلة بحث برعاية الحرب

وسط أصوات إطلاق الرصاص المنتشر حوله في كل مكان، يجلس طفل لم يتعد التاسعة من عمره، مترقبًا حاملًا أخاه الرضيع ينظر من خلف الستائر مرتعدًا، وعلى وجهه أعتى علامات الخوف، فهم يقتلون والدته ووالده بالرصاص على مرأى من عينيه خارج المنزل.
يدعى الطفل “حجي”، يبكي أخوه الرضيع ويصرخ من أصوات الرصاص التي صمت أذنيه، فيمسك أخوه بفمه خائفًا.
يسمع وقع أقدام أحد الجنود آتية نحو المنزل للبحث عن ناجين لتتم تصفيتهم أيضًا، وهنا يذعر الطفل ويهرع للاختباء تاركًا أخاه على فراشه، فيقترب الجندي ليرى الرضيع ويفكر، هل يقول لرفيقه المسلح المنتظر بالخارج أنه وجد الرضيع ليأمره بقتله، أم يصمت ويدعه ليعيش؟ وبعد برهة من التفكير يقرر تركه وإخبار الجنود بالخارج أنه لا أحد بالمنزل.

هكذا يبدأ الفيلم الفرنسي “البحث – The Search”، وتدور أحداثه عام 1999 وقت اندلاع الحرب الشيشانية الثانية التي شنتها روسيا الاتحادية على جمهورية الشيشان، الفيلم للمخرج الفرنسي ميشال هازانافيسيوس، كما نافس على جائزة السعفة الذهبية في مهرجان كان السينمائي الدولي 2014، ويتتبع الفيلم مصير 4 شخصيات رئيسية يجمعهم ألم الحرب ومأساتها.

– “حجي”.. الطفل وصدمة الفقد

الطفل التائه “حجي” يذهب في رحلة بحث محفوفة بالمخاطر لإيجاد أخته “ريسا” حاملًا أخاه الرضيع بعد أن قُتل والداه أمام عينيه بالرصاص من قبل القوات الروسية، ودمرت قريته، فنجده يمشي في الظلام وسط حطام البيوت المهدومة بفعل القصف يحاول إيجاد مكان آمن ليودع أخاه الرضيع به، وبالفعل يجد منزلًا بداخله أسرة مختبئة خوفًا من القصف الجوي، فيطرق بابهم ويضع أخاه أمامه ويفر هاربًا، بعد أن حفظ مكان المنزل أملًا في أن يقوم بإعادة أخيه إليه بعد العثور على أخته أولًا.
يسير “حجي” وسط أزقة قريته المدمرة بلا وجهة ولا دليل، ليقابل ألم اعتصار قلبه على والديه بصمت تام ورفض قاطع للحديث.

– “كارول”.. هل يبالي من أحد؟

“كارول” تعمل لصالح منظمة حقوقية بالاتحاد الأوروبي، تعثر على “حجي” في زقاق، خائفًا ينظر بنهم إلى شطيرة تأكلها، لتساعده على إيجاد أخته كما توفر له الطعام والمسكن، تسعى جاهدة لإيصال تداعيات الكارثة الإنسانية التي سببتها الحرب للعالم، أملًا في تلقي استجابة دولية تنصف نضال الشعب الشيشاني وتنهي الحرب.

إعلان

– “ريسا”.. بين الخوف والأمل

تحاول “ريسا” أخت “حجي” هي الأخرى العثور عليه وعلى أخيها الرضيع، بعد فقدانها كل شيء، وإحساسها العارم بالعجز والخوف. تواصل طريقها للنجاة أملًا في أن تجد إخوتها، تصلي وتدعو علها تجد السلام في اللحظات القليلة الآمنة بين فترات القصف الجوي المتتالية.


– “كوليا”.. من فنان إلى قاتل

هذا الفيلم أظهر أنه لا فائزين في الحروب، فالحرب مرادفها الشر والأبرياء فقط من يذهبون ضحايا لها، هم فقط من يدفعون الثمن بأرواحهم، حتى الجندي الروسي “كوليا” ظهر بالفيلم بطريقة ما ضحية للحرب هو الآخر، ففي البداية يظهر شخصًا بريئًا لاعب جيتار فنان، يبلغ من العمر عشرون عامًا فقط، يخضع للتجنيد لتفقده الحرب إنسانيته ويتحول إلى آلة للقتل لا تملك المشاعر، ولكنه يقتل فقط سعيًا للبقاء على قيد الحياة دون تمييز بين بريء ومذنب، ويظهر الفيلم تحولات شخصية “كوليا” بالتدريج وماهية التغيير الذي طرأ عليها من رفض للانسياق للأوامر إلى تقبل الواقع، فبعد كل الخوف الذي شعر به وكم القتلى من أصدقائه الذين حملهم، بالإضافة إلى الأيديولوجية التي طبقت عليه من قبل قادته ليفقد صوابه وإنسانيته، تحول “كوليا” من شاب بريء إلى مجرد سلاح كما يريدون.

الفيلم درامي بالدرجة الأولى، ووظفت به التأثيرات الصوتية والبصرية بشكل ممتاز بالإضافة إلى الموسيقى المؤثرة بالفيلم، لتجعل المشاهد يعيش تلك التجربة، ويشعر بما تشعر به الشخصيات من مشاعر متقلبة وصراعات نفسية مثيرة.

ربما يرى البعض أن عرض الفيلم لبعض الأحداث اتسم بشيء من القسوة، فرؤية الكثير من الدماء ومشاهد القتل ليس بالشيء الذي يرغب المشاهدون في رؤيته، ولكن بالرغم من تلك المشاهد القاسية، إلا أنها كانت ضرورية لإيصال المغزى الحقيقي من الفيلم. فهذه ليست مشاهد خيالية ولكن هذه حقيقة ما يحدث على أرض الواقع وهكذا تكون الحروب، ليدرك الجميع مدى الوحشية التي يتعرض لها من يعيشون تحت وطأة الحروب.

أنصح بمشاهدة فيلم “البحث – The Search” لكل من ينتابه الفضول حول رؤية الوجه الحقيقي للحرب ومدى ظلمه وسوداويته، أنصح به لكل من يؤمن بقوة الأمل في هزيمة أصعب الظروف، إنه فيلم مؤثر للغاية، ولكن كن حذرًا وأنت تشاهده، فسيشعرك بمزيج من الحزن والأمل، وبلمسة خفيفة مستترة من السعادة..
هذا الفيلم سيخبرك الحقيقة.

نرشح لك: فيلم Good Will Hunting: الخوف من الهجر وكبح الحياة

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: أسماء شاهين

تدقيق لغوي: مصعب محيسن

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.