تأخذك إلى أعماق الفكر

ميدوسا: ما قصة المرأة ذات الرأس الأفعواني؟

ميدوسا هي شخصية أسطورية ولدت في المخيّلة الشعبيّة للإغريق القدامى، وتظهر هذه الشخصيّة بصورة المرأة الجميلة التي حلّت عليها لعنة أثينا؛ فتحولت خصلات شعرها الجميل إلى أفاعٍ قبيحة، ويتحوّل الناظر إليها إلى تمثال حجري، وبزعم أنّها تمثّل تهديدًا؛ جُعِلَتْ رمزًا لدرء العين الحاسدة والشر.

تظهر هذه الشخصيّة الأسطوريّة بعدّة صورٍ في مختلف المصادر القديمة؛ إذ تختلف الروايات حول قصتها، لكن أشهرها ما ورد في قصيدة الشاعر الإغريقي هيسيدوس في قصيدته “ثيوغونيا”.

ميدوسا هي واحدة من الأخوات غورغن، وغورغن هو مخلوقٌ بشعٌ من العالم السفلي، تحدّث عنه هومر ليجسدهنّ لاحقًا الشاعر هيسيدوس كثلاث أخوات وهنّ: سيثنو، و أيرلن، وأشهرهن الأخيرة: ميدوسا. وتتميز الأخوات غورغن بمظهرهنّ المخيف؛ إذ أنّ نصفهنّ بشريٌ والنصف الآخر مسخٌ برأسٍ يحمل أنيابًا ولسانًا دائم التدلّي وأجنحة، وتختلف ميدوسا عن أختيها بأنها تُجَسّد أحيانًا بجمالٍ أخاذ، وكذلك بأنها مخلوقٌ فانٍ على عكس أختيها.

تحدي بيرسيوس:

 ورغم أن الراويات تختلف حول حياتها وأسباب لعنتها؛ إلّا أنها تتّفق على موتها.

تبدأ القصة بعد أن تنبأت العرافة للملك كريسيوس بأنه سيلقى حتفه على يد حفيده؛ فحبس بذلك الملك ابنته داناي في برجٍ برونزيٍ كي لا تلتقي بمخلوق، لكن لسوء حظه زارها الإله زيوس مع هطول أمطارٍ من الذهب، وتزوج منها لتنجب بيرسيوس، وعلم كريسيوس بالأمر فألقى ابنته وحفيده في صندوقٍ في البحر حتى وجدهم صيادٌ قرب جزيرة سيفيروس، فرعاهم حتى شبّ الفتى وأصبح رجلًا  قويًّا، وكان أخو الصياد ملكًا وقد زاغت عيناه على داناي وأراد تزوُّجها فرفضت، وخوفًا من بطش ابنها اتّخذ طريق الحيلة والمكيدة للتخلّص منه؛ فطلب هديّةً تعتبر مستحيلةً وهي رأس ميدوسا الأفعواني.

إعلان

بيرسيوس و ميدوسا:

ميدوسا
بيرسوس يحمل رأس ميدوسا للفنان الإيطالي بنفينوتو سيليني، فلورنس.

مستعينًا بنصيحة الآلهة وبعض أدواتهم استطاع بيرسيوس قطع رأس ميدوسا، وتمكّن ابن الإله زيوس بمساعدة درع أثينا من رؤية انعكاس الغرغون ميدوسا دون التحوّل إلى تمثال، و قتلها أثناء نومها بفصل رأسها عن جسدها؛ ليولد من دماء عنقها المنسابة أبناءها الحصان المجنح بيجاسوس و كرياسور الخنزير المجنح، ورغم محاولات أختي ميدوسا للفتك بقاتلها؛ إلّا أنه تمكن من الفرار بفضل خوذة هادس السحرية التي تمكّنه من الاختفاء وحذاء هرمس الطائر.

مع أن بيرسيوس قضى على ميدوسا إلا أن رأسها لم يفقد تأثيره؛ لذلك استعان بحقيبةٍ ليضعه داخلها، بيد أنه استغلّه للقضاء على وحش البحر بعد أن صادف أندروميدا مسلسلة على شاطئ، ليتزوجها لاحقًا.

وفي أثناء عودته علم بيرسيوس بالمكيدة التي دبّها الملك فما كان إلّا أن تخلص منه، ورماه في الجُبِّ الذي حفره، وخلفه في حكمه، ومن ثمّ سلّم رأس ميدوسا لأثينا التي وسمت به درعها، مستغلةً قدراته الخارقة لقهر أعداءها وإبادتهم.

ميدوسا والفن.

تداول الإغريق القدامى أساطير الأبطال والآلهة التي كان لها أثرا واضح في المخيلة الشعبيّة وبالتالي الفنون والنثر والشعر.

تداولت أسطورة ميدوسا عبر مختلف الثقافات والعصور، لتتجدّد عبر الأزمنة وتتكيّف على طابع ذلك الزمان، ورغم اختلاف الروايات عنها غير أنه يمكن التعرف عليها بسهولة بفضل مظهرها المميز.

يظهر الرأس غورغن في العديد من واجهات المباني القديمة إلى جانب التحف والرسوم والمعادن كنوعٍ من الحماية من الشر، ولعلّه من أبرز المعابد التي تظهر بها ميدوسا هو التمثال الرخامي بأقواس معبد أرتميس بكورفو باليونان ورسوم كأس دوريس المشهور.

إلى جانب ذلك؛ أصبح رأس غورغن يحظى برواجٍ كبيرٍ في تصميم الدروع، ومثالًا على ذلك أنّ الإله زيوس وأثينا دائما ما يجسَّدون بصحبة درعٍ يُعتقد بأنه يحمل رأس ميدوسا، منهم تمثال أثينا بارثيونس المفقود، وهو واحدٌ من أشهر التماثيل في العصور القديمة الذي أُنجِزَ على يد النحات فيدياس، كما أن هناك العديد من الآثار الرومانية التي تحمل رأس ميدوسا على دروع الصدور، وواجهات السفن البرونزية، واللوحات الفسيفسائية.

ميدوسا على أقواس المنحدر الغربي لمعبد أرتميس، اليونان.

وبالإضافة إلى ذلك؛ لأسطورة ميدوسا أثرٌ واضحٌ في الأعمال الأدبيّة لقدماء الإغريق، لكن ذياع صيتها لم يقتصر على اليونان، وتأثّر بقصتها مع بيرسيوس الكثير من الفنانين في أعمالهم أمثال ليوناردو دا فينشي، وسلفادور دالي، ووبينفينوتو سيليني، وبابلو بيكاسو.

كما تظهر ميدوسا في العديد من الأفلام والكتب والصور المتحركة وألعاب الفيديو والأغاني، واستُلهمت من خلالها العديد من التصاميم؛ حيث يظهر رأس ميدوسا كعلامة الموضة فيرساشي.

ميدوسا
رأس ميدوسا، العلامة التجارية المعتمدة لفيرساتشي.

ميدوسا وقضية المرأة :

لطالما تم ربط ميدوسا بكل ما هو لعنة ودمار، ومن خلال نظرةٍ نقديّةٍ لأسس هذه الأسطورة التي ولدت من رحم مجتمعٍ خيالُه متأثِّرٌ بنظرة الاحتقار للمرأة وكراهيتها يبدو أنها لم تكن ذلك الوحش المخيف بل رمزًا للاضطهاد حتى من بنات جنسها.

ميدوسا، التي اغتُصِبَتْ من أحد آلهة الإغريق فحلّت عليها لعنة أثينا وغضبها لتدنيس معبدها، لم تكن سوى ضحيّةٍ تحملت مسئوليّة مصابها وشوّهت صورتها للأبد؛ فتعكس هذه الأسطورة واقعًا تعيشه ضحايا الاغتصاب إلى يومنا هذا وما يواجهنه من تحيُّزٍ ذكوريٍّ ضدهن؛ فهن يعانين الجرم وبشاعته ويتحمّلن مسؤوليته في مجتمعٍ يبرّر الاغتصاب ويعاني التحيُّز الجنسيّ.

نسخة طبق الأصل لتمثال أثينا بارثينوس المفقود، ناشفيل، تنينسي، الولايات المتحدة الأمريكية.

لأيامنا هذه شُبِّهت النساء القياديّات بميدوسا؛ كمحاولةٍ لتقويضهنّ وإخضاعهنّ، سياسياتٌ مثل هيلاري كلينتون، وأنجيلا ميركل، وتيريزا ماي، وغيرهن.

وربّما كانت ميدوسا ضحية، لكنها أيضا أضحت رمزًا للمقاومة والقوة؛ فقد اتُّخذت صورتها لدرء الأرواح الشريرة، وجُسِّدَت كشعارٍ للانتفاض والتغيير خلال الثورة الفرنسية، وقد ظهرت في العديد من الكتابات الرومانسيّة بصورةٍ تتعارض مع الرمز الشيطاني المتعارف عليه، ومن ذلك ما كُتِبَ عنها في قصيدةٍ لشاعرٍ شيلي.

المصادر :

https://www.metmuseum.org/toah/hd/medu/hd_medu.htm

https://www.ancient.eu/Medusa/

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: ألفه المناعي

تدقيق لغوي: عبير الششتاوي

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.