تأخذك إلى أعماق الفكر

عدم وضوح الشيء لا ينفي وجوده!

كيف يؤثر هذا المعتقد على النظرة للمرض النفسي؟

لعلّ واحداً من أكثر القوانين الخاطئة التي تسير بها فئةٌ -ولو هيّنة- من الناسِ هي الجزم بأنَّ عدم ظهور الشيءِ يعني عدم وجوده، وبناءً على ذلك يتقرّر عدم الانشغال به أو أخذه على محملِ الجدّ، والحقيقة أن قانوناً كهذا يلقي بظلّه على كثيرٍ من الأمور في حياتنا حتى أفقدها أهميّة النظر فيها والتعامل معها.

ولعلّ من أكثر المواضيع عُرضةً لهذا المُعتقد هو النظر للمرضِ النفسي على أنّه شيءٌ خفيٌّ، يَتقررُ عدم الجديّة في التعامل معه، فيتبع ذلك إهمالٌ كبير في حلّ المشاكل التي تأتي تَبعاً لظهور ملامحه على مرأى من الجميع. فبجانب اعتباره وصمةَ عارٍ يحملها المريض النفسي في نظرِ بعضٍ من الناس، فهو في اعتبار مجموعةٍ أخرى محاولةٌ غير جادّة من المريض لكسبِ عطفِ الآخرين والتحرّر من مسؤولياتٍ يعفيه منها مَرضُه.

والحقيقة أن واحداً من الأسباب التي قد تغذّي معتقداً كهذا، وتقرّر صحّته فيما يخصّ النظر إلى حقيقة المرض النفسي قد يكون عدم وضوح أو ظهور بداياتِ المرض النفسي كشيءٍ محسوسٍ يُرى، واختبائه في النفس التي تُخفي الكثير بشكلٍ طبيعيّ، وبالتالي فاختباءُ المرضِ فيها لن يحمل معه تبعاتٍ كثيرة تُلاحَظ بشكلٍ فوريّ، مما يدفع البعض إلى الاعتقاد بأنّه زائرٌ خفيفٌ على النفس سُرعان ما يغادر، فلا يكون سوى الاستهانة بالأمر وعدم الإقرار بوجوده، أو اعتباره أمراً طبيعيّاً مآله إلى الزوال سريعاً بدون حتى أيّ مساعدة.

إنَّ ما نراه قد لا يكون هو الحقيقة، قد يُخفِي سطح الماء الراق حياةً لا نعرفها، وقد تغيب عنّا الحقيقة تحت أي سطح.(1)

كيف أثّر المجتمع على إخفاء حقيقةٍ مُخبّأة في المريض النفسي؟

إعلان

منذ زمنٍ طويل، تعرّض تعريف المرض النفسي للكثير من الأفكار الخاطئة التي شوّهت حقيقته وجعلته عُرضةً لادّعاءاتٍ لا صحّة لها، ليس هذا فقط بل إنها سلبت منه حقيقة الأسباب المؤديّة له، وألصقت به وصمةً سيّئة تُطبع على المريض النفسي، فكان الاعتقاد السائد لدى البعض من الناس أن المرض النفسي مرتبط بالمسّ الشيطانيّ، وأنّه متعلقٌ بوقوع المريض النفسي تحت تأثير السحر والشعوذة، مما أثر على فكره وسلوكه، وأصابه بالاضطراب، والحقيقة أن إرجاع كلّ الأمراض التي تصيب النفس البشريّة إلى تأثير الأرواح الشريرة التي تتلبّس تلك النفس، كان اعتقاداً متأصّلاً في القبائل البدائيّة منذ قديم الأزل، حتّى أن مسؤوليتها لم تقف عند حدود المرض فقط، بل كانوا يعتقدون بأن لها دوراً كذلك في الكوراث التي تحلّ بالقبائل، وفي الأوبئة التي تنتشر، وتبعاً لذلك كانت لهم طرقهم الخاصّة في التعامل مع هذه الأرواح الشريرة.

إحدى الطرق لطرد تلك الأرواح من نَفسِ الإنسان، كانت بإحداثِ ثقبٍ في رأسه ظنّاً بأن ذلك يسمح بفِرار هذه الأرواح منه، وتطّورت طرق العلاج فيما بعد فتمّ اللجوء في حقبةٍ زمنيّةٍ ما إلى الكهنة للتعامل مع تلك الأرواح، والحقيقة أن مثل هذه الطرق كانت تُضاعف الألم الذي يشعر به المريض بدلاً من تخفيفه، وبتتبّع تاريخ الطب النفسي نجد أنه قد مرّ بمحطّاتٍ كثيرةٍ قبل أن يصل إلى الطرق الحديثة التي يشهدها العصر الحالي، ولكنّها لم تمرّ مرور الكرام على موضوع الطبّ النفسي، حيث كان لها أثرٌ كبير في تشويه النظرة للمريض النفسيّ، واعتبار الطريق إلى المصحّة النفسيّة هو ضربٌ من الجنون.

فأصبح يُنظَر للشخص الذي يتردّد على المصحّة النفسيّة للتعامل مع المرض الذي يُسيطر على عقله، على أنّه مجنونٌ تُقرَّر له معاملةٌ خاصّة، وألقاب خاصّة كذلك ليوصف بها، ممّا أثقل المريض النفسي  بشعورَيْ الحرج والخزي يحملهما على ظهره إلى أن يصل وجهته!

كلماتٌ في حديثٍ عاميّ تُصعِّب الأمر أكثر!

العائد الذي يُحصِّله المريض النفسي لا يقف عند حدّ الشعور بالعار عند التحدّث عن مرضه، أو بالحرج من مشاركة ما يطرأ عليه من تغييراتٍ في الفكر أو السلوك، بل يتعدّى ذلك إلى شعوره بعدم تَفهُّم أفراد المجتمع لما يمرّ به من تجربة، حيث يظهر ذلك واضحاً عند البعض في استخدامهم  -على سبيل المزاح- ألفاظاً تُطلق بشكلٍ خاصّ للتعبير عن المرض النفسي، فمثلاً نجد تعبيراتٍ مثل “يا متوحّد!”  تستخدم بشكلٍ مُزاحيّ للتعبير عمّن يجلس بمفرده بعيداً عن الزحام، أو “تتصرّف كالمريضِ النفسيّ!” عند ذمّ فعلٍ غير سويٍّ قام به الشخص، أو على من يتردّد في اتخاذ قراراته ويغيّر رأيه في كثير منها بأنّ لديه انفصاماً بالشخصيّة!

وتعبيراتٌ مثل هذه لا ننكر أنّ لها دوراً كبيرًا في إهانة المرض النفسي وتزييف حقيقة تلك التعبيرات؛ ممّا جعل هذه الأوصاف هيّنة، لا تشغل من القضيّة أمرًا.

إن الشائعات الأولى التي تعرّض لها المرض النفسي، مروراً بثبات بعض الأفكار الخاطئة في عقولِ البعض وتأثيرها عليه، أظهرت معتقداً خاطئاً عن المرض النفسي، وأسماءً مُهينة في الحديث العاديّ المتعلّقة به، والأهم من ذلك أثرها في إشعار المريض النفسيّ بالخزي وسط مجتمعه، وعدم القدرة على معايشة الآخرين. والحقيقة أن تبعاتٍ كهذه لا يتحرر المريض منها إلّا بتوضيح حقيقة الأمر للمجتمع الذي يعيش فيه، والتوعيَة بالأسباب الحقيقية التي هي وراء المرض النفسي، بل وتيسير الطرق نحو العلاج، وتجريده من الأحكام الخاطئة التي لا أصل لها من الصحّة، وقبل كلّ ذلك الاقتناع بأنّ عدم وضوح الشيءِ حتماً ليس دليلاً على عدم وجوده.

نحن في العادةِ لا نعترف إلّا بما نراه ونلمسه، وهذا غرور، فما أقلَّ ما نرى وما أقلَّ ما نُدرك في هذه الدنيا.

– مصطفى محمود.

نرشح لك: الخارجون عن المألوف: نظرة على المرض النفسي والطب

المصادر:
1- https://www.goodreads.com/quotes/510396

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: سلمى عصام الدين

تحرير/تنسيق: نهال أسامة

تدقيق علمي: أحمد قياتي

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.