تأخذك إلى أعماق الفكر

حرائق غابات الأمازون: زعماء العالم يحاولون إبعاد البرازيل عن المسار الانتحاري

صرّح الخبراء بأنّ الضغط الدولي قد يكون السبيلَ الوحيد للتأثير على حكومة بولسونارو

أشار أحد أكثر العلماء احترامًا في البلاد أنّ الضغط الدولي على البرازيل قد يكون السبيل الوحيد لمنع الحكومة البرازيلية من السير في طريق انتحاري فيما يتعلق بغابات الأمازون -أكبر الغابات الإستوائية في العالم- التي تتعرض لإلاف الحرائق المتعمدة.

دفع العددُ الكبير من حرائق الغابات -التي تم إشعالها بشكل غير قانوني لِمسح وإعداد الأراضي للمحاصيل والماشية وللمضاربة العقارية- ولايةَ أمازوناس إلى إعلان حالة طوارئ؛ حيث أحدثت الحرائق سحابة دخانية عملاقة جنحت لمئات الأميال وأثارت المخاوف الدولية حول تدمير حوض الكربون الأساسي.

وشهدت البرازيل هذا العام أكثر من 72000 حالة اندلاع حريق حتى الآن؛ بزيادة قدرها 84% عن نفس الفترة من العام الماضي.

“منزلنا يحترق”

هذا ما غرده الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على موقع تويتر، حيث دعا إلى إجراء محادثات طارئة حول هذا الموضوع في مجموع قمة السبع الدولية هذا الأسبوع. لكن الاستجابة للأزمة كان متضاربة؛ ففي حين أن النرويج وألمانيا أوقفوا التبرعات لصندوق أمازون التابع للحكومة البرازيلية، وقع الإتحاد الاوروبي على صفقة تجارية مع امريكا الجنوبية وقضت المملكة المتحدة هذا الأسبوع في التركيز على الأعمال المتعلقة بخروج بريطانيا من الإتحاد الأوروبي مع البرازيل.

كان وزير التجارة البريطاني كونور بيرنز يصافح نظرائه في برازيليا يوم الأربعاء، وأعلن عن رغبته في “توطيد العلاقات“. إلا أنه رفض التعليق  حول حرائق غابات الأمازون عندما طُلِب منه ذلك،  وصرّح -حسبما أفادت التقارير- أنّ حكومة بولسونارو لديها طموحات مشروعة لتحقيق الرخاء لشعبها.
صرّح العلماء أن الحرائق المستمرة في غابات الأمازون سيكون لها تَبِعات و عواقب وخيمة على البرازيل والعالم أجمع. وصرّح كبير الباحثين في معهد الدراسات المتقدمة بجامعة ساو باولو  -كارلوس نوبر- أنّ الزيادة في إزالة   الغابات المطيرة كانت تقترب من مرحلةٍ حرجة ستتحول عندها غابات الأمازون المطيرة إلى السافانا الجافة، وسيكون هناك عواقب وخيمة على المناخ والحياة البرية والكائنات التي تعيش في الغابات.

إعلان

وأشار نوبر إلى أنّ عملية إزالة الغابات في طريقها للارتفاع بنسبة 20-30% هذا العام،  وأنه من المرجح أن تمر هذه الإزالة على 10000 كيلومتر مربع لأول مرة منذ أكثر من 10 سنوات. ظلَّت هذه الظاهرة تزداد سوءاً منذ عدّة سنوات، لكنها تسارعت بشكل ملحوظ في عهد حكومة بولسونارو الذي أضعف عمل وكالة البيئة وأعرب عن دعمه لعمّال المناجم و المزارعين والحطابين.

صرّح نوبر لصحيفة الجارديان:

الوضع سيء للغاية، سيكون الأمر فظيعاً. يعود سبب عدد كبير من هذه الحرائق إلى الدفعة الثقافية التي يواليها الوزراء. إنهم يشجعون على إزالة الغابات لأنها جيدة للاقتصاد؛ أولئك الذين يقومون بإزالة الأشجار بشكل غير قانوني يشعرون بالتمكين – أي أنّ لديهم السلطة لفعل ذلك دون عقاب.

كما وشارك نوبر في تأليف دراسة أُجريت العام الماضي، وتوقعت هذه الدراسة أن تصل المناطق الجنوبية والشرقية والوسطى من الأمازون إلى مرحلة لا رجعة فيها من التدهور بمجرد إزالة 20-25% من الغابة. ولم يكن هذا متوقعاً قبل 20-25 عاماً، لكن نوبر قال أنّه من المرجح أن تكون نقطة التحول أقرب بخمس سنوات إن استمرت معدلات تدمير الغابات على هذا الحال خلال عامنا هذا. 

وصلت عملية إزالة غابات في منطقة الأمازون الى مستوى قياسي في يوليو 2019
وفقاً لبيانات المعهد الوطني لأبحاث الفضاء (INPE)، في الأيام الخمس الماضية وحتى يوم الأربعاء، كان هناك 7646 حريقاً في البرازيل.  يأتي هذا بعد الارتفاع بنسبة 278% في معدل إزالة الغابات الشهر الماضي.  ورغم أنّ هذه الأرقام أولية،  إلا أنّه لوحظ -عبر أنظمة مراقبة الأقمار الصناعية- وجود اتجاه تصاعدي في الحرائق.

ووفقاً لبيانات المعهد الوطني لِأبحاث الفضاء، سجلت البرازيل أكثر من 72000 حريق هذا العام بزيادة 84% عن نفس الفترة من عام 2018؛ ورغم أنه لم تكن جميع هذه الحرائق في الغابات، إلا أن أكثر من نصفها كانت في منطقة الأمازون.
وصرح  ناشط في العمل البيئي في بلدية بورتو فولهو – التي تعد واحدة من أكثر البلديات تضرراً- أنّ هناك حرائق في جميع أنحاء المدينة وأنّ  الشوارع كانت مليئة بالدخان.

وصرحت منسقة منظمة كينيدي البيئية -ايفانيدي بانديرا كاردوزو- قائلةً:

إنّ  الناس خائفون، والمستشفيات مليئة بالأشخاص الذين يعانون من أمراض في الجهاز التنفسي. هذه هي المرة الأولى منذ 60 عام التي أشعر بها بصعوبة في التنفس، إنها أسوء بألف مرة مما كانت عليه في السنوات الماضية”. وأضافت: “يعتقد المزارعون السيئون أن بإمكانهم إزالة الأشجار كيفما يحلو لهم لإنهم لن يعاقبوا، يبدو أن البرازيل ليس لديها قانون وأن جميع القوانين في حالة يُرثى لها.

وفي ولاية ماتو غروسو التي تقع على حدود الصويا والتي تعد من الولايات التي تعرضت للحرائق هذا العام أكثر من أي مكان آخر في البرازيل،  تم اكتشاف وجود حرائق داخل أراضي السكان الأصليين وفي المحميات الطبيعية.
ووفقاً لإستطلاعات الرأي العام، ترغب الغالبية العظمى من البرازيليين في حماية الغابة، لكن الحكومة أعطت الأولوية للمصالح التجارية. وأعلن بولسونارو هذا الأسبوع أنه سيستأنف مشروعات الطاقة المائية الضخمة في منطقة الأمازون التي توقفت لأسباب بيئية.  وقد جاء ابنه بمشروع قانون في الكونغرس من شأنه أن يُضعف الحماية حول أراضي السكان الأصليين والمحميات الطبيعية.
وصرّح نوبر أنّ إحدى الطرق القليلة المتبعة للحيلولة دون وقوع خسائر خطيرة للغابات هي الاحتجاجات الخارجية وتصرف المستهلك.  حيث صرح قائلاً:

إنّ السياسيين في البرازيل يولون اهتماماً أكبر للضغط الدولي مقارنة باهتمامهم  بصوت البرازيليين. أعتقد أنّ الضغط الدولي ضروري لعكس هذا المسار المأساوي. حيث يساور قطاع الزراعة في البرازيل قلقٌ شديد لأن المستهلكين الأوروبيين لن يشتروا المنتجات البرازيلية. وقد تكون هذه هي الطريقة المثلى لمنع الحكومة البرازيلية من اتخاذ الطرق الانتحارية للتخلص من غابات الأمازون، الأمر الذي سيكون له عواقب وخيمة على البرازيل والمناخ.

في يوليو من عام 2019، كان يتم إزالة 73 كيلو متر مربع من غابات الأمازون المطيرة يومياً. وتمتد هذه المساحة  في لندن من هايد بارك الى تاور بريدج. كما وتمت إزالة مساحة أكبر من لندن الكبرى على مدار الشهر بأكمله.

وشدد المؤلف المشارك في دراسة نقطة التحول -توماس لوفجري- على هذه المخاوف وقال إن هذه إحدى أحلك اللحظات منذ أكثر من 50 عاماً من العمل في الغابات المطيرة البرازيلية. وصرح قائلاً:

كان هناك دائماً هبوط وصعود في وضع غابات الأمازون، وكان المسار العام على وشك التحسن. أما الآن تتخذ البرازيل منحنى آخر مختلف كلياً. ففي ظل الظروف الطبيعية، سيسعى العالم الخارجي للمساعدة؛ لكن الحكومة البرازيلية لا تأبه بأي مساعدة.

وصرّح العلماء أن هناك علامات تدل على  بالفعل  على اقتراب الغابات من نقطة التحول. فكان موسم الجفاف أطول ب 20 يوماً عما كان عليه قبل 30 عاماً في الأمازون الجنوبية والشرقية، وكانت فترات الجفاف أكثر شيوعاً، ونسبة النباتات التي تعتمد على الرطوبة العالية أخذت في الانخفاض. وفي المناطق التي أُزيلت منها الغابات، كانت هذه الظواهر أكثر  وضوحاً.
قال نوبر:

إذا استمر موسم الجفاف لمدة اسبوعين الى ثلاث اسابيع أُخرى سوف نصل الى لحظة حرجة. أما إذا استمر لفترة أطول من 4 أشهر، سيصبح المناخ أشبة بالمناخ الذي يحيط بغابات السافانا.

يعد الاحتباس الحراري إحدى العوامل الرئيسي المؤثرة. فكما هو الحال في سيبيريا وألاسكا وكاليفورنيا، من المتوقع أن يؤدي تدهور المناخ الى زيادة نسبة الحرائق وانتشارها على نطاق واسع.  ووقعت إحدى أكبر الحرائق هذا الأسبوع في الأمازون البوليفي حيث تسارعت عملية إزالة الغابات. ووفقاً لوكالة كوبرنيكوس الأوروبية لمراقبة الأقمار الصناعية، كان  هذا هو سبب الدخان الذي ساد على بعد آلاف الأميال في سماء ساو باولو يوم الاثنين.
وكانت الحرائق هذا الاسبوع كبيرة في كولومبيا وشرق البرازيل مقارنة بحرائق الأمازون التي يوجد فيها الكثير من عمليات الحرق الزراعي في المناطق التي أُزيلت منها الغابات.

سجلت ولاية أمازوناس فقط في الامازون البرازيلية رقماً قياسياً للحرائق على الصعيد العالمي في أغسطس حتى الآن. ورغم أنّ الحرائق كانت ضخمة وأبعد من المعتاد في القطب الشمالي، إلا أنّ البرازيل تظل مركز الاهتمام لأن المشكلة من صنع الإنسان.
وحاول بوليساريو إبعاد اللوم عن نفسه حيث أقال رئيس وكالة الفضاء وصرّح أن بيانات الأرقام الصناعية غير صحيحة. وادّعى رئيس أركانه أن المخاوف البيئية الاوروبية كانت مؤامرة لتقييد النمو الاقتصادي في البرازيل. كما وغرّد وزير الخارجية على التويتر مدعياً بأن هذا تكتيكاً من اليساريين في الدولة. وادعى بوليساريو هذا الأسبوع وبدون أي دليل أن المنظمات البيئية هي التي بدأت بإحراق الغابات لإحراج حكومته. وقد تم إدانة الإدعاء الأخير يوم الخميس في خطاب تم التوقيع عليه من منظمات المجتمع الدولي؛ وكتبوا ما يلي:

” لا يحتاج الرئيس الى منظمات غير حكومية لحرق صورة البرازيل في العالم”.

أدت المخاوف حول تدهور الوضع الى احتجاجات في سفارات البرازيل. كما حثَّ الأمينُ العام للامم المتحدة -انطونيو جوتيريس- البرازيلَ على التحرك فوراً. حيث غرّد:

في خضم أزمة المناخ العالمية، لا يمكننا تحمل المزيد من الأضرار للمصدر الرئيسي للأكسجين والتنوع الحيوي في العالم؛ يجب حماية الأمازون .

وصرّح ماكارون أنه سيضع هذه المسألة على جدول أعمال مجموعة القمة السبع الدولية في فرنسا في نهاية هذا الأسبوع، في حين أن المشاهير بما فيهم ليوناردو دي كابريو ومادونا و كريستيانو رونالدو دقّوا ناقوس الخطر أيضًا.
وتم تقديم عريضة من قِبل مجموعة حملات آفاز Avaaz وطلبوا من الحكومة وقفَ إزالة الغابات غير القانوني من خلال توقيع 1.1 مليون شخص في البرازيل على هذه العريضة. ويحقق المدّعون الفيدراليون في ولاية بارا في سبب تراجع عملية التفتيش البيئي وفي غياب الشرطة العسكرية عن عمليات التفتيش -حيث اعتادوا دائماً على توفير الحماية لهم.
تحاول بعض الحكومات الأجنبية ومنظمات الحفاظ على البيئة التعامل مباشرة مع حكومات الولايات البرازيلية و المنظمات غير الحكومية بدلاً من التعامل مع السلطات الوطنية.  ورغم ذلك، ركزت المملكة المتحدة أكثر على بناء علاقات تجارية بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. وقال رئيس التجارة الدولية في البرازيل ماركوس ترويو أنه الى جانب المفاوضات الجارية مع الولايات المتحدة، كانت زيارة بيرنتر علامة على أن البرازيل لا تزال تحظى بثقة العالم الخارجي.
وصرح قائلاً:

أعتقد أنه من المستبعد أن يكون هناك دليل ملموس أكثر من الدليل المتوفر لدينا على أنه إضافة لاستعداد البرازيل لاجراء الأعمال التجارية،  يعد المجتمع الدولي مستعداً للقيام بأعمال تجارية مع البرازيل.

تم إدانة موقف المملكة المتحدة من قِبل منظمة أصدقاء الأرض؛ حيث صرح الناشط Guy Shurbsole قائلاً:

عليك أن تتساءل أين تكمن أولوياتنا إن كان هذا ما نحن مستعدين للقيام به  لعقد الصفقات التجارية بدلاً من اغتنام الفرصة على المستوى العالمي لحماية منطقة الأمازون الذي لا يمكن تعويضها ابداً.  لا يجب أن تتاجر حكومة المملكة المتحدة مع أي دولة تتجاهل التزاماتها المتعلقة بتغيير المناخ التي تنص عليها اتفاقية باريس للمناخ، وخاصة منطقة البرازيل التي يترأسها بولسونارو والتي تحرق غاباتها لتبيع الصويا ولحم البقر لنا وللعالم أجمع.

إعلان

مصدر
فريق الإعداد

إعداد: فرح أحمد سلمان

تحرير/تنسيق: نهال أسامة

تدقيق لغوي: راما ياسين المقوسي

تدقيق علمي: راما ياسين المقوسي

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.