تأخذك إلى أعماق الفكر

حديث مع ميلان كونديرا

تظلل حمرة مغيب الشمس الباريسية العميقة وجهه، فتبرز عيناه ذات اللون الأزرق الكثيف. يتكلم ببطء، بلغة فرنسية بليغة، مع لكنة سلافية قوية. يقول ميلان كونديرا في المقابلة المطولة التالية: “وحده العمل الأدبي الذي يكشف عن  جزئية مجهولة من الوجود الإنساني لديه سبب للوجود. أن تكون كاتبا لا يعني أن تبشر بحقيقة ما، بل أن تكتشفها“.

في عقد الثمانينيات، قدّم ميلان كونديرا، البالغ الآن السادسة والخمسين من عمره، إلى بلده الأم تشيكوسلوفاكيا، ما قدّمه غابرييل غارسيا ماركيز إلى أميركا اللاتينية في الستينيات، وما قدّمه ألكسندر سولجنتسين إلى روسيا في السبعينيات. لقد لفت انتباه جمهور القراء في أوروبا الغربية نحو أوروبا الشرقية، وقد فعل ذلك ببصيرة عالمية في جاذبيتها. دعوته إلى الحقيقة والحرية الداخلية التي لا يمكن بدونها التعرف إلى الحقيقة، وإدراكه أننا أثناء البحث عن الحقيقة علينا أن نتحضر للتصالح مع فكرة الموت، هذه هي المواضيع التي أكسبته إشادة النقاد، وفي هذا السياق كان نيله من أسبوعين جائزة القدس الأدبية لحرية الفرد في المجتمع.

اقرأ أيضًا: في ضيافة ميلان كونديرا ١

ميلان كونديرا

تتناول روايات كونديرا الأخيرة، كتاب “الضحك والنسيان” (1980) والرواية الصادرة العام المنصرم “كائن لا تحتمل خفته” موت الثقافة في أيامنا. هناك إشارة ضمنية إلى الشعور بالتهديد تتجلى بخطر الحرب النووية. يتعامل كونديرا مع هذا الخطر عن طريق المجاز، بإحساس جامح من الغرابة.

إعلان

على غرار مواطنه ميلوش فورمان، المخرج الحائز على جائزة الأوسكار الذي تأقلم مع المنفى وازدهر في الغرب، كونديرا الذي يعيش في فرنسا منذ العام 1975 كان غزير الإنتاج بما يكفي لتبديد الفكرة الشائعة القائلة بأن المؤلفين الذين يقتلعون من جذورهم يفقدون الإلهام. كتاب تلو الآخر، يجد القارئ فيها الشغف والهزل وكما هائلا من الإثارة الجنسية. نجح ميلان كونديرا في تحويل تشيكوسلوفاكيا التي عاش فيها في شبابه إلى أرض شهوانية، أسطورية، حية.

قد تفسر طبيعة إنجازاته بطريقة ما السبب وراء حرص كونديرا بشراسة على خصوصيته. لا يود أي صانع أساطير، أو لغز ما، أن يماط عنه اللثام. في مقابلة سابقة، اقتبس الروائي فيليب روث كلاما لكونديرا قاله له:

حين كنت صبيا صغيرا، يرتدي سروالا قصيرا، حلمت بمرهم عجائبي يجعلني غير مرئي. ثم كبرت، وشرعت في الكتابة، وسعيت إلى النجاح. الآن، أصبحت ناجحا وأود لو أحصل على ذاك المرهم الذي يجعلني غير مرئي.

كما هو متوقع، لم يكن في صوت كونديرا أي أثر للحماس حينما هاتفته من سان فرانسيسكو في شقته الباريسية لأطلب مقابلته. جاءت المساعدة من جانب غير متوقع، ذكرى جدي، ليونيد اندرييف، كاتب المسرحيات الروسي في مطلع القرن. حذرني بعض الأصدقاء المشتركين، أن إخضاع السوفيات لبلاده، جعل كونديرا عديم الثقة بالروس، جميع الروس، لكني شعرت أنه علي الإفصاح عن أصولي الروسية.

أجاب كونديرا بأنه قرأ في شبابه أعمال جدي وأعجب بها. أُذيب الجليد، وتم ضرب الموعد. ولكنه كتب في رسالة تلقيتها منه بعد فترة وجيزة: “عليّ أن أحذرك من مزاجي السيء، فأنا عاجز عن التحدث عن نفسي، وحياتي، وأحوالي النفسية. أنا متحفظ إلى درجة شبه مرضية، ولا أستطيع القيام بشيء بخصوص ذلك. إن كان ذلك لا يشكل مانعاً بالنسبة إليك، أود التحدث عن الأدب فقط“.

ميلان كونديرا

يعيش ميلان كونديرا وزوجته فيرا في واحد من الشوارع الجانبية الهادئة في مونبارناس. شقتهما الصغيرة هي حجرة علوية أعيد تصميمها مطلة على أسطح باريسية رمادية. ما يضفي على غرفة الجلوس طابعها الخاص هي اللوحات السوريالية المعاصرة على الجدران. بعضها رسمها فنانون تشيكوسلوفاكيون، وبعضها الآخر رسمها كونديرا نفسه، رؤوس ضخمة متعددة الألوان وأيدٍ بأصابع طويلة تشبه يدي كونديرا.

فيرا كونديرا امرأة جميلة بشعر بني قصير، تبدو نحيلة هيفاء بسروالها الجينز. قدمت إلينا النبيذ، وقشرت لنا ببراعة حبات الكيوي. بينما كنا نتحدث، كنت مندهشا بتقدير مضيفيّ الجانب المرح للحياة الباريسية، مثل سهولة التسوق في محل بون مارشيه المجاور، والفاكهة الإستوائية من المتجر عند الزاوية، والمعارض الفنية خلال السنة. لكن خلال المقابلة، كانت فيرا مشغولة جدا في الغرفة المجاورة بالكتابة والرد على مكالمات المسافات الطويلة. صار كونديرا شخصية مشهورة، وأصبحت هي المسؤولة عن التعامل مع الطلبات الآتية من التلفزيون الأوروبي والمخرجين المسرحيين والسينمائيين.

بجسده الطويل النحيل، يجلس كونديرا، مرتديا سترة زرقاء قديمة، متهدلا في كرسيه. من الواضح هنا، أنه رجل “مرتاح في جلده”، و هو تعبير فرنسي يشير للإنسان المرتاح مع نفسه، كان كونديرا قد تعمق باكتشاف دلالاته في روايته “كائن لا تحتمل خفته“. أخبرته، بتشجيع من أسئلته، عن تجربتي مع الهجرة في طفولتي في باريس. يعود افتتاني بمدينة براغ إلى تلك الأيام، حين كانت الشاعرة الروسية المهاجرة مارينا تسفيتاييفا تزورنا في المساء وتلقي أشعارها بصوتها شبه الحنجري. واحدة من القصائد التي لم أنسها، كانت موجهة إلى أحد التماثيل على جسر نهر فلتافا، حارس لا ينفك يحرس براغ : أيها الفارس الشاحب، أنت حارس النهر الرشاش، والسنين العابرة، تراقب الخواتم والمعاهدات وهي تتحطم على السد الحجري.

كان هناك الكثير من الانكسارات في الأربعمائة عام الفائتة:

كان ذلك عام 1936 أو 1937، و حتى في ذلك الحين كانت براغ قريبة جدا من ألمانيا النازية ومن روسيا الشيوعية على حد سواء. ضخامة الخيانات القادمة والوعود الكاذبة كانت عصية على التخيل.

كان كونديرا منخرطاً في أحداث ربيع براغ 1968، التي شهدت تحطم الوعد بالإشتراكية ذات الوجه الإنساني تحت سلاسل الدبابات السوفياتية. كان نشر روايته الاولى “المزحة” في براغ  واحدا من الأحداث الرئيسية في تلك المرحلة المفصلية.

كانت رواية “المزحة“، التي كتبها كونديرا بإحكام وبناها بإتقان، اتهاما للعبثية القاتمة للحياة  في ظل الحكم الشيوعي، ولكن أيضا للحياة أينما كانت، حيث يُسمح للخيانة والإنتقام بإفسادها. شق المخطوط طريقه إلى دار غاليمار للنشر في باريس، وسرعان ما نال إشادة عالمية. فقد كونديرا عقب الغزو السوفياتي لتشيكوسلوفاكيا وظيفته كأستاذ في معهد الدراسات السينمائية العليا في براغ كما منعت كتبه، ثم أصبحت الحياة شيئا فشيئا غير محتملة بالنسبة إليه حتى تعرض للنفي من وطنه الأم.

الحياة هي في مكان آخر

شقت الكتب التي انهالت على جمهور قراء أوروبا الغربية في السنوات التالية الباب أمام رحلة فكرية وعاطفية. كانت رواية “الحياة هي في مكان آخر” المنشورة في الولايات المتحدة عام 1974  بحثا حول أقصى التبعات الناجمة عن الحماس الثوري الشاعري.

أما المجموعة القصصية “غراميات مرحة” (1974) و رواية “رقصة الوداع” (1976) فقد احتفتا بالحب الإروتيكي كما مزجتا بين المرح والتعاطف. ألقيت في “رقصة الوداع” ملاحظة جديدة، حينما اختار ،”جاكوب”، إحدى شخصياتها الرئيسية، الرحيل عن وطنه المحتل، فدخل أرضا جديدة غير مكتشفة، هي أرض المنفى. بالطبع كان ذلك هو المشهد الذي ترامى قبل رحيل كونديرا عن تشيكوسلوفكيا عام 1975، وكان أول ما سألته عنه في مقابلتنا.

أنت تعيش في فرنسا منذ عشر سنوات، أي منذ أن كنت في السادسة و الأربعين من عمرك. هل تشعر أنك مهاجر، أم فرنسي، أم تشيكي، أو أنك مجرد أوروبي دون جنسية محددة؟

حينما غادر مثقفو ألمانيا وطنهم إلى أميركا في الثلاثينيات، كانوا على يقين من عودتهم يوما ما إلى ألمانيا. اعتبروا بقاءهم في الخارج أمرا مؤقتا.  في المقابل، أنا ليس لدي أي أمل بالعودة. بقائي في فرنسا نهائي، ولذلك فأنا لست مهاجرا. فرنسا هي وطني الوحيد الآن. ولا أشعر أني مقتلع من جذوري. كانت تشيكوسلوفاكيا جزءًا من الغرب لألف سنة، أما اليوم فهي جزء من امبراطورية مترامية في الشرق. كنت سأشعر بقدر أكبر من الغربة في براغ مما قد أحسه في باريس. لكنك تكتب باللغة التشيكية؟ أكتب مقالاتي بالفرنسية، أما رواياتي فأكتبها بالتشيكية لأن تجاربي ومخيلتي راسية في بوهيميا، في براغ.

سبقك ميلوش فورمان إلى جعل تشيكوسلوفاكيا معروفة لدى جمهور واسع في الغرب، من خلال صناعة أفلام مثل“حفلة رجال الأطفاء”.

بالفعل، هو تجسيد لما أسميه أنا روح براغ، هو وصانعي الأفلام الآخرين، إيفان باسر وجان نيميش. صُدم الجميع و انبهروا حينما جاء ميلوش إلى باريس. كيف يعقل أن يخلو صانع أفلام من التكبر؟ في باريس، المكان الذي لا تعرف فيه مجرد بائعة في غاليري لافاييت  كيف تتصرف على طبيعتها، بدت بساطة فورمان وكأنها استفزازية.

كيف تعرف “روح براغ”؟

رواية “القلعة” لكافكا، ورواية “الجندي الطيب شفيك” لياروسلاف هاشيك مليئتان بهذه الروح. إحساس استثنائي بالواقع. وجهة نظر الرجل العادي. التاريخ كما يُرى من الأسفل. بساطة مستفزة. عبقرية العبث. فكاهة ممزوجة بتشاؤم لا نهائي.

على سبيل المثال، يتقدم رجل تشيكي بطلب للحصول على تأشيرة هجرة. يسأله الموظف: “أين تود الذهاب؟” فيجيبه الرجل: “لا يهم ذلك”. يُعطى مجسم الكرة الأرضية. “اختر من فضلك”.
ينظر إليها الرجل ويديرها ببطء ثم يقول: “أليس لديك واحدة أخرى؟

بالإضافة إلى جذورك في براغ، ما هي الأعمال الأدبية التي تحبها التي ساهمت في تكوينك؟

أولا، الروائيان الفرنسيان رابليه وديدرو ، بالنسبة إلي، المؤسس الحقيقي وملك الأدب الفرنسي هو رابليه، كما حملت رواية “جاك القدري” لديدرو روح رابليه إلى القرن الثامن عشر. لا تضللك حقيقة أن ديدرو كان فيلسوفا. لا يمكن اختزال هذه الرواية في خطاب فلسفي. هي مسرحية ساخرة، الرواية الأكثر تحرراً في التاريخ، الحرية متجسدة في رواية.

أنهيت مؤخرا مسرحية مقتبسة عنها، عرضتها سوزان سونتاغ في كامبريدج، ماساتشوستس تحت عنوان “جاك و سيده” وقدمها مسرح أمريكان ريبيرتوري في كانون الثاني.

جذورك الأخرى؟

رواية أوروبا الوسطى في قرننا الحالي. كافكا، روبرت موزيل، هرمان بروخ، فيتولد غومبروفيتش. هؤلاء الروائيون مرتابون بشكل كبير مما أسماه أندريه مارلو بِ “أوهام الغنائية الشعرية” ، مرتابون من الأوهام المتعلقة بالتقدم، مرتابون من كيتش الأمل. أشاركهم معاناتهم فيما يخص الانحطاط الغربي. ليست معاناة شعورية إنما معاناة ساخرة. أما جذري الثالث: الشعر التشيكي الحديث. بالنسبة إلي، كان تدريبا عظيما للمخيلة.

هل كان ياروسلاف سيفيرت من بين الشعراء الحديثين الذين ألهموك؟ هل استحق جائزة نوبل التي نالها عام 1984؟

بالتأكيد استحقها. يقال أنه رشح لنيل جائزة نوبل في العام 1968، لكن لجنة التحكيم كانت حذرة في حينها لخوفها من اعتبار منحه إياها بادرة تعاطف مع دولة احتلت مؤخرا.

جاءت الجائزة متأخرة جدا، متأخرة جدا على الشعب التشيكي المهان، متأخرة جدا على الشعر التشيكي الذي انتهت حقبته العظمى منذ وقت طويل، ومتأخرة جدا على سيفيرت الذي يبلغ الآن الثالثة والثمانين من عمره. قيل أنه حين اقترب السفير السويدي من سريره في المشفى ليزف له خبر التكريم، نظر سيفيرت إليه طويلا ثم قال بنبرة حزينة: “لكن ما الذي سأفعله الآن بكل هذه النقود؟”

ماذا عن الأدب الروسي؟ هل ما زال يؤثر فيك؟ أم أن الأحداث السياسية في العام 1968 جعلته غير محل ثقة بالنسبة إليك؟

يعجبني تولستوي كثيرا. هو أكثر حداثة بكثير من دوستويفسكي. لعل تولستوي كان أول من تمكن من فهم دور اللاعقلانية في السلوك الإنساني،هذا الدور الذي تؤديه البلاهة، لكن في الغالب عن طريق لا مسؤولية الأفعال الإنسانية الموجهة من لا وعي غير منضبط وغير قابل للسيطرة على حد سواء.

فلتعد قراءة المقطع السابق لموت آنا كارنينا. لماذا قتلت نفسها دون أن تريد ذلك حقا؟ كيف ولد قرارها؟ قام تولستوي بالإحاطة بهذه الأسباب غير العقلانية والمراوغة بتصوير تدفق وعي آنا.
تجلس في عربة القطار وتختلط صور الشارع  مع أفكارها غير المنطقية والمتشظية داخل رأسها. صانع المونولوغ الداخلي الأول ليس جويس، إنما تولستوي في هذه الصفحات القليلة من آنا كارنينا. نادرا ما يعترف بذلك، لأن تولستوي ترجم بشكل رديء. قرأت في إحدى مرة ترجمة فرنسية لهذا المقطع، و شعرت بدهشة هائلة. ما كان غير منطقي ومتشظياً في النص الأصلي أصبح منطقيا وعقلانيا في النص المترجم إلى الفرنسية، كما لو أن الفصل الأخير من يوليسيس لجويس قد أعيدت كتابته، و مونولوغ مولي بلوم الطويل قد أعطي ترقيما تقليديا منطقيا.

إعلان

فريق الإعداد

ترجمة: أفراح مروّة

تحرير/تنسيق: نهال أسامة

تدقيق لغوي: حسن لزيق

تدقيق علمي: حسن لزيق

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.