تأخذك إلى أعماق الفكر

جياكومو ليوباردي | محاورة فرفوريوس وأفلوطين.. عن الانتحار وقسوة الطبيعة

يناقش جياكومو ليوباردي في محاورة فرفوريوس وأفلوطين فكرة الانتحار وأن هذا الفعل ليس إنكارًا للوجود، بل عمل موجه ضد التعاسة والملل المُستشريان في حياة الإنسان

ذات يوم كنت أنا، فرفوريوس، أتأمَّل في وضع حدٍّ لحياتي، وحين خمَّن أفلوطين نِيِّتي قاطعَني، وقالَ: إنَّ مثل هذا المخطط لا يُمكن أن ينطلِقَ من ذهنٍ سليمٍ، ولكنَّه ينطلقُ من بعض النّفور السَّوداويّ، وإنّه لابدَّ لي من استنشاقِ هواء جديد.
(حياة أفلوطين، بقلم فرفوريوس)

ويتمّ سرد نفس الحادثة (في حياة أفلوطين المكتوب بواسطة إونابيوس)، والذّي أضافَ فيه أنَّ أفلوطين سجَّلَّ المحادثة التّي أجراها مع فرفوريوس حول هذا الموضوع بعدها في كتاب.

أفلوطين: أنت تعرفُ، يا فرفوريوس، كم أنا صديقٌ مُخلصٌ لك. ولذلك لن تتعجَّّب من قلقي عليك؛ لقد لاحظت منذ بعض الوقت مدى حُزنك وانشغال تفكيرك، إنَّ تعبيرات وجهك غير عادية وقد ذكرتَ أنت كلمات مُعيَّنة أثارت في نفسي قلقًا.. باختصارٍ أخشى أن تدفعك نفسك للتفكير في مخطّط شرير.

فرفوريوس: كيف؟! وماذا تقصد بذلك؟

أفلوطين: أعتقد أنّك تنتوي إيذاء نفسك؛ وهذا الفعل من نذير شؤم أن نُعطيه اسمًا.. لذا فاستمع لي، يا عزيزي فرفوريوس، ولا تُخفِ الحقيقة، ولا تُخطئ الظنَّ في صداقتنا القائمة منذ فترة طويلة، إنني أعلمُ أنَّ كلماتي قد تتسبَّب في استيائك، ويمكنني أن أفهم بسهولةٍ أنّك تفضل إبقاء مخططك مختبئًا.. ولكنني لا أستطع الصمت في مثل هذه المسألة، وعليك ألا ترفض أن تثق في شخصٍ يُحبُّك كما يحبُّ ذاته، ولذا دَعْنا نتحدث بهدوء، ونزن كلماتنا… وافتح قلبك لي، وقل لي مشاكلك، واسمح لي أن أُصغِي لفاجعتك؛ فلقد استحققتُ ثِقتَك، وأعدك من جانبي بعدم معارضتك في تنفيذ قرارك، إذا اتَّفقنا على أنه مفيدٌ وعقلانيٌّ.

فرفوريوس: أنا لم أرفض قط طلبًا لك يا عزيزي أفلوطين. لذا، سأعترف لك بما كنت سأفعله بنفسي؛ ولا شيء في العالم من شأنه أن يدفعني على أن أقول ذلك لأي شخص آخر. بلى أنت محق في تفسيرك لأفكاري. وإذا كنتَ ترغب في مناقشة الموضوع، فلن أرفض، على الرغم من عدم رغبتي في ذلك؛ لأنه في مثل هذه المناسبات، يُفضَّل للعقل أن يشمل نفسه بالصمت، وأن يتأمل في العزلة، ويترك نفسه لفترة من الوقت في حالة كُلية من الاستغراق الفكري الذاتي. ومع ذلك، أنا على استعداد للقيام بما ترغب.
في المقام الأول، جديرٌ بالقول أن أؤكد على أن تصميمي لا يتمخض عن أي محنة خاصة، أنه ببساطة نتيجة الضجر التام من الحياة، الملل (ennui) المستمر الذي امتلكني لفترة طويلة كالألم، وربما أضيف إلى ذلك الشعور بزيف وعبثية كل الأشياء، الذي يجتاح جسدي وروحي، ولا تقل أن هذه النزعة غير عقلانية، على الرغم من أنني أعترف أن جزء من هذه النزعة انبثق من أسباب جسدية. إلا أن هذه النزعة في حد ذاتها أمرٌ عقلاني تمامًا، وتختلف عن جميع تصرفاتنا الأخرى؛ التي تُبني على الوهم والزيف، لتجعلنا نصبغ بعض القيم على الحياة والأشياء البشرية؛ ولتثبت أن هذا التحليل يتعارض مع المنطق.
فلا يوجد ما هو أكثر عقلانية من الملل، جميع الملذات غير واقعية. الألم ذاته، أو بشكل خاص الألم العقلي، زائف بنفس القدر، لأنه عند اختباره نادرًا ما يكون له أي أساس، لا شيء على الإطلاق، ويمكننا قول نفس الشيء عن الخوف أو الأمل، الملل وحده، الذي ولِد من زيف الأشياء، هو الحقيقي، لا يُخادِع أبدًا. وبناءً على ذلك، كل شيء أخر هو محض عبث، إن واقع الحياة يتلخص في الملل.

إعلان

أفلوطين: قد يكون كلامك صحيحًا. ولن أتعارض معك فيما يتعلق بذلك. ولكن يجب علينا الآن النظر في طبيعة المخطط. فكما تعلم، أن أفلاطون رفض أن يسمح للإنسان بالحرية في الرحيل عن طريق الهروب، وأن يكون مثل العبد الذي يهربُ من الأسر الذي وُضِع فيه بإرادة الآلهة، عن طريق حرمان نفسه من الحياة.

فرفوريوس: أتوسل إليك، عزيزي أفلوطين، أن تدعك من أفلاطون الآن، بمذاهبه وأحلامه. فأن نثني على نظريات معينة في المدارس وفي الكتب ونشرحها ونؤيدها هذا شيئٌ، وتطبيقها عمليًا شيئٌ آخر. فالتعليم المدرسي يُجبرنا على الإعجاب بأفلاطون، والاقتداء به، وهذه هي العادة في الوقت الحاضر. ولكن في الحياة الحقيقية، من الصعب الاقتداء به، حتى أنه يتم مقته. فصحيحٌ أن أفلاطون ذاع صيته في الخارج من خلال كتاباته الخيالية حول الحياة المستقبلية (حياة ما بعد الموت)، والتي تركت البشر في شك حول مصيرهم بعد الموت، وتخدم غرضًا جيدًا في ردع البشر عن الشر في هذه الحياة، من خلال الخوف من العقاب في الحياة القادمة. إلا إنه إذا تخيلت أن أفلاطون هو مُخترع هذه الأفكار والمعتقدات، فسأود أن أتحدث معه وأخبره بالتالي: –

“أنت تلاحظ، أيا أفلاطون، كيف كانت القوة التي تحكم العالم دومًا معادية لعرقنا، سواء كانت معروفة باسم الطبيعة أو المصير أو القدر. وهناك العديد من الأسباب التي تعارض الافتراض المزعوم، والذي نحب أن نتخيله بسرور؛ بأن للإنسان مرتبة أعلى في ترتيب الخلق، لكن لا يمكن بأي حال من الأحوال حرمانه من الخاصية التي ينسبها له هوميروس، ألا وهي المعاناة، ومع ذلك، فقد أعطتنا الطبيعة علاجًا لجميع الشرور، إنه الموت، الذي يخشاه قليلًا أولئك الذين لا يملكون وعيًا كافيًا بذواتهم، والرجاء الذي يُنشده كل الآخرون.

ولكنك حرمتنا من هذه المرثية الغالية في حياتنا، حياتنا المليئة بالمعاناة. فالشكوك التي أثرتها، نزعت هذه الراحة من دواخلنا، وجعلت فكرة الموت أكثر الأفكار مرارة. والفضل لك، في أن البشر الفانين التُعساء يخشون الآن الميناء أكثر من العاصفة، حيث تم طردهم من مكانهم الوحيد الذي يستريحون فيه، وسرقة العلاج الوحيد الذي يمكنهم البحث عنه، ولذا  يسلمون أنفسهم لمتاعب ومعاناة الحياة. وبالتالي، كنتَ أنت أكثر قسوةً تجاهنا من المصير، أو الطبيعة، أو القدر، وهذا الشك، بمجرد تصوُّره، لا يمكن التخلص منه أبدًا، وهذا يرجع إليك لأن أتباعك يعتبرون أن الموت شيئًا أكثر فظاعة من الحياة. وأنت المسئول عن نبذ هذه الراحة وهذا السلام اللذان تم نبذهما إلى الأبد من اللحظات الأخيرة في حياة الإنسان، في حين أن جميع الحيوانات الأخرى تموت في طمأنينة تامة، وهذا هو الشيء، أيا أفلاطون، الذي كان يتبقى لتكملة نِصاب البؤس البشري.

صحيح، أن نيتك كانت جيدة. لكنها فشلت في غرضها. فلم يتم القضاء على العنف والظلم، لأن الفاعلين الأشرار يدركون فقط رعب الموت في لحظاتهم الأخيرة، أي عندما يكونون عاجزين تمامًا عن إلحاق المزيد من الأذى. لذا فشكوكك تُصيب فقط الأخيار، الذين هم أكثر ميلاً إلى التعرض للأذى أكثر من أقرانهم، والضعفاء والخَجالَى، الذين لا ينحرفون بسبب الطبيعة وليس عندهم مَيل إلى إيذاء أي شخص آخر. أما الرجال الجريئون والأقوياء، الذين بالكاد لديهم أي مخيلة، وأولئك الذين يحتاج بعضهم إلى ضبط النفس بخلاف القانون، فيعتبرون هذه المخاوف مخزية، ولا تردع عن فعل الشر، ونحن نرى حالات يومية من هذا، وكل العصور، من وقتك إلى الوقت الحاضر، تؤكد ذلك. فالقوانين الجيدة، والتعليم الجيد، والثقافة العقلية والاجتماعية؛ تُعد هي الأشياء التي تحافظ على العدالة والتسامح بين الرجال. والحضارة، والقدرة على التفكير العقلاني، يجعلون البشر يكرهون دائمًا الحرب فيما بينهم وسفك دماء بعضهم البعض، ويصبحون غير ميالين إلى الشجار، وأن يعرضوا حياتهم للخطر بسبب الفوضى. لكن هذه النتائج الجيدة لا ترجع أبدًا إلى التهديدات المروعة، والتوقعات المريرة للعواقب الرهيبة؛ فهذه (العواقب)، مثل العديد من العقوبات القاسية المستخدمة في بعض الدول، لا تؤدي إلا إلى زيادة انحطاط ووحشية الرجال، وبالتالي تجعلهم يعارضون رفاه المجتمع البشر.

وربما، مع ذلك، سترد على أنك وعدت بمكافأة أبدية في المستقبل. فما هي إذن هذه المكافأة؟ حالة من الحياة تبدو مليئة بالملل، وحتى أقل تحملاً من وجودنا الحالي! مرارة عقوباتك لا لبس فيها، ولكن حلاوة مكافآتك مخفية وسرية، غير مفهومة لعقولنا، فكيف يمكن القول إن النظام والفضيلة تشجعهما عقيدتك؟ وسأجرؤ على القول إنه إذا تم ردع القليل من الرجال عن طريق الشر خوفًا من ترتاروس الرهيب، فلن يُقدِم أي رجل صالح على القيام بعمل جدير بالثناء برغبة في جنتك (Elysium) فمثل هذه الجنة لا تجذبنا، ولكن بصرف النظر عن حقيقة أن جنتك نادرًا ما تكون مكانًا جذابًا. فمن هو الأفضل بيننا، الذي يُمكن أن يأمل في استحقاقها؟ من هو هذا الرجل الذي بإمكانه إرضاء قضاتك الذين لا يرحمون، مينوس، وإيكوس، وهادامانثوس، الذين لن يغفلوا عن خطأ واحد، مهما كان تافهًا؟ مَن ذلك الذي يُمكن أن يصل إلى مستوى نقائك؟ باختصار، لا يمكننا البحث عن السعادة في العالم القادم؛ وعلى الرغم من أن ضمير الإنسان قد يكون نقيًا، أو مهما كانت حياته مستقيمة، فإنه في ساعته الأخيرة سيخشى المستقبل بسبب توتره الرهيب. وذلك يرجع لتعليمك أن الخوف ذو تأثير أقوى بكثير من الأمل، ويمكن القول إنه يهيمن على البشرية.

هذه هي نتيجة مذهبك، فالإنسان، الذي حياته على الأرض تصل إلى أقصى حدود البؤس، لا يستطيع أن يعجل بالموت، كنهاية لجميع مآسيه، ولكن يمسى كبداية لوضع أكثر بؤسًا. وهكذا أنت تتفوق في القسوة، ليس فقط على الطبيعة والقدر، ولكن تصبح كأكثر الطغاة انعدامًا للرحمة وتعطشًا للدماء عرفه العالم على الإطلاق.

ما هي القسوة التي يُمكن أن تتجاوز قانونك، بتحريم الإنسان من وضع حدٍ لهذه المعاناة والمآسي عن طريق إنهاء حياته طواعية، وبالتالي الانتصار على أهوال الموت؟ فالحيوانات الأخرى لا ترغب في وضع حدٍ لحياتها، لأن بؤسهم أقل مننا؛ ولن يكون لديهم حتى الشجاعة الكافية لمواجهة الموت الطوعي، ولكن إذا كانوا يرغبون في الموت، فما الذي سيردعهم عن تحقيق رغبتهم؟ إنهم ليسوا متأثرون بأي تحريم ولا خوفًا من المستقبل. وهذا مرة أخرى يجعلنا أقل شأنًا من الوحوش الضارية، فالحرية التي يمتلكونها؛ لا يستخدمونها، وهذه الحرية الممنوحة لنا أيضًا من الطبيعة، البخيلة جدًا في هباتها؛ أنت تسلبها، وهكذا، فالمخلوقات الوحيدة القادرة على توق الموت، حقهم فيه مرفوض. والطبيعة والقدر والحظ يطغون علينا بضربات قاسية، ويتسببون في جعلنا نعاني على نحو رهيب؛ وأنت تضيف إلى معاناتنا معاناة عن طريق ربطك لأذرعنا وتقييد أقدامنا، بحيث لا نستطيع الدفاع عن أنفسنا، ولا الهرب من مضطهدينا.

وأقول بكل صدق، عندما أفكر في بؤس البشرية العظيم، يبدو لي أن عقيدتك، أيا أفلاطون، فوق كل شيء، هي الأكثر ذنبًا، وأن البشر قد يشتكون منك أكثر من الطبيعة. فالأخيرة، تُصدر لنا وجودًا مليئًا بالتعاسة، وتترك لنا وسيلة للهرب منها حينما يحلو لنا. وفي الواقع، إن التعاسة لا يمكن وصفها بأنها نهائية، فعندما يكون في أيدينا القدرة على وضع حد لها حين نرغب، والقدرة على الخروج من الحياة بكل سرور، والانسحاب من مآسي العالم، يُعد ذلك عزاء عظيم لنا، وهو بحد ذاته يكفي لجعل الوجود محتمل، وبالتالي، لا يمكن أن يكون هناك أي شك في أن التعاسة الرئيسية تنبع من الخوف، من أننا قد نُغمِس حياتنا في حالة من البؤس (في حياة ما بعد الموت) تفوق الحاضر، ولن يكون المستقبل أكثر بؤسًا فحسب، بل سيكون مليئًا أيضًا بالتعذيب القاسي، بحيث تكون المقارنة بين هذه التعذيبات غير المجربة، مع المعاناة المُجربة لهذه الحياة؛ تُحقِّر من شأن الأخيرة.

أنت بسهولة، أيا أفلاطون، أثرت هذا السؤال حول الخلود؛ ولكن الجنس البشري سوف ينقرض قبل أن يشعر بالاستقرار. فعبقريتك هي أكثر الأشياء المميتة التي ابُتليت بها البشرية على الإطلاق، ولا يوجد شيء أكثر كارثة من آثارها.”
هذا ما أود قوله لأفلاطون، لو أنه هو من اخترع هذه العقيدة التي نناقشها؛ ولكنني أدرك جيدًا أنه لم يُنشئها. ومع ذلك، فقد قلت بما فيه الكفاية. لذا دعنا نترك هذا الموضوع، من فضلك.

إعلان

فريق الإعداد

ترجمة: كريم سعد

تدقيق لغوي: أحمد المسيري

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.