تأخذك إلى أعماق الفكر

تحت راية الصليب – كيف صنع الصراع الإسلامي المسيحي حضارة الغرب – ج 1

“أولئك منكم الذين اعتادوا من قبل على أن يتنافسوا بطريقةٍ آثمةٍ في الحروب الخاصة ضد المؤمنين، عليهم أن يحاربوا ضد الكفَّار وأن ينهوا الحرب نهايةً ظافرة .. وأولئك منكم الذين كانوا حتّى هذه اللحظة لصوصًا عليهم الآن أن يصيروا جنودًا، وأولئك منكم الذين كانوا ينافسون فيما مضى إخوانهم وأقاربهم عليهم أن يحاربوا الآن ضد البرابرة حسبما ينبغي عليهم”.
البابا أوربان في خطبته بكليرمون جنوب فرنسا، والتي كانت بداية الحروب الصليبية.

إحدى أهم النظريات في تفسير نشأة الحضارات تقول أنَّ الحضارة تقوم نتيجة استجابةٍ لتحدٍّ يستنفر أفراد حيِّزٍ عمراني فيحققون هويتهم المشتركة وتتضافر جهودهم في استغلال مواردهم للتصدي لهذا التحدي، وعندما ننظر للحضارة الغربية التي تؤرَّخ بدايتها بالثورة الصناعية الأوربية، نجد في صراعها مع العالم الإسلامي نموذجًا واضحًا لهذا التحدي الذي يُحدث الفارق.

بدء الصراع الإسلامي الغربي مبكرًا؛ حيث كان الصدام الأول بعد قتل شرحبيل بن عمرو الغساني، حاكم البلقاء التابع للإمبراطورية البيزنطية (الروم) لرسول المسلمين الحارث بن عمير، الذي كان في طريقه لتسليم رسالة دعويَّة إلى الشام مما أسفر عن وقوع معركة مؤتة التي واجه فيها المسلمون الروم وحلفائهم من قبائل العرب، لتبدأ أحد أهم حروب التاريخ وأطولها من معركة مؤتة عام 8 هـ/629 م، وحتى سقوط القسطنطينيَّة 857 هـ/1453م على يد محمد الفاتح.

ولكنَّ القسطنطينيَّة لم تكن محور الصِّراع الوحيد؛ ففي 92 هـ / 711 م، فُتحت الأندلس لتمثل بؤرة الصراع والتلاقي بين العالمين الإسلامي والمسيحي؛ حيث وجد القوط المسيحيين أنفسهم يعيشون تحت الحكم الإسلامي لتنشأ أشكال أخرى من الصراعات والتفاعلات الثقافية والاجتماعية.

إعلان

ولكن بعيدًا عن الأطراف المتماسَّة كان قلب العالمين الإسلامي والمسيحي يكاد كلًا منهما يجهل وجود الآخر؛ فباستثناء العلاقات التجارية بين التجار المسلمين ونظرائهم من الدويلات الإيطالية ورحلات الحج التي يقوم بها قلَّة من الفرنجة، كان العالَمان منفصلين تمامًا، حتى جلس الحاكم بأمر الله على عرش مصر.

فبدون أسباب؛ صبَّ الخليفة الفاطمي المضطرب نقمته على الأقباط والمسيحيين عامَّةً، وبدأت موجة اضطهادٍ كبرى ضدَّهم، بلغت أوجها بتدمير كنيسة القيامة التي يقدِّسها المسيحيون الشرقيون والغربيون 1003م.

ورغم عودة الأوضاع إلى ما كانت عليه، واستمرار سياسة الدولة الفاطمية المتسامحة بعد اغتيال الحاكم على يد الغاضبين من حاشيته؛ إلّا أنَّ أفعاله كانت تستعصي على النسيان وحاول البابا سرجيوس الرابع شنَّ حملة صليبية على فلسطين، ولكنَّه فشل في حشد الأمراء الأوروبيين لها. وعندما نشطت رحلات الحج الأوروبية إلى القدس بمناسبة ألفية صلب المسيح 1033 م، كان الفرنجة يعودون لبلادهم بقصصٍ مخيفةٍ عن الدَّمار الذي حل بالمقدسات المسيحية والاضطهاد الذي يتعرض له المسيحيين، لتبدأ السمعة السيئة للمسلمين في أوروبا تتكون، تغذيها الشائعات والأكاذيب والتعصب الديني، وزاد في هذه السمعة أنَّ رحلات الحج الأوروبية للقدس كانت هدفًا معتادًا لعصابات قُطَّاع الطرق والبدو.

وكانت الكلمات الأولى التي سمعها العديد من الأوروبيين عن المسلمين تفيض بالكراهية وتمثلهم كعرقٍ شيطاني ملعون، (لم يتوجَّه قلبه حقًا ولا عهد بروحه إلى الرب قد غزا أراضي المسيحيين وأخلاها من سكانها بالسيف أو أنه دمر تمامًا كنائس الرب أو حولها لممارسة شعائر دينه إنهم يدمرون الهياكل بعد أن نجسوها بقذارتهم وهم يختنون المسيحيين وينشرون الدم الناتج عن الختان على المذابح أو يصبونه في أواني التعميد)،  كما عبَّر البابا أوريان الثاني؛ الذي جعل إشعال الحرب ضدَّ المسلمين مهمته المقدَّسة، وكانت كلماته التي تصف التعذيب البشع والاضطهاد المخيف الذي يتعرَّض له المسيحيين في الشرق الإسلامي -والتي كانت في الحقيقة ترديد لوصف لعصر الاضطهاد الروماني للمسيحيين- تملئ خطبه التي كان ينقلها القساوسة، ويلقونها على مسامع الفلاحين والأمراء في كافة أنحاء أوروبا التي سرعان ما امتلأت بالغضب والرغبة في الانتقام من أعداء الرب وإنقاذ الأماكن المقدَّسة من يد الكفار.

وفي عشيَّة الحروب الصليبية، كان الشرق الإسلامي في حالة ترهلٍ؛ نتيجة الصراعات المذهبية وضعف الخلفاء، الذي أدّى إلى استقلالٍ فعليٍّ أو حكميٍّ للعديد من الولايات؛ ولكن في مقابل هذا الضعف السياسي والعسكري -باستثناء الأتراك السلاجقة الذين تمكنوا من سحق جيوش الامبراطورية البيزنطية في ملازكرد 1071م-، كان الشرق يحصد ثمار سنواتٍ طويلةٍ من الاندماج بين الشعوب المختلفة تحت لواء الإسلام في تنوعٍ ثقافيٍّ وتقدُّمٍ علميٍّ ومعرفيٍّ ورقي أدبي وفني، وثراء ومظاهر ترف متعدِّدة؛ بينما كانت أوروبا تعاني من مشكلاتٍ متفاقمةٍ تجعلها على حافَّة الانفجار.

كان الأوروبيّون يعانون من الفقر المدقع، وشهدت السنوات العشر السابقة على الحروب الصليبية مجاعاتٍ قاسية وانتشار للأوبئة، بالإضافة إلى الجهل الشديد والانعزال عن العالم، الذي جعل تمسكهم بعقيدتهم الكاثوليكية تمسكًا شديد التعصب مختلطًا بأساطير شعبيَّةٍ وتفسيراتٍ لا عقلانية للنصوص الدينية، التي كانت تنقل شفاهةً في ظلِّ كون الكتاب المقدَّس مدوَّنٌ باللاتينية مع حظر ترجمته للغات الحية وندرة من يعرفون القراءة أصلًا، كانت الحروب الأهلية أمرًا يوميًّا معتادًا؛ بسبب فائض القوى البشرية من المقاتلين الفرسان الذين لا أراضٍ لديهم أو أراضٍ ضئيلةٍ لا تفي بحاجاتهم؛ فيلجئون إلى حرب بعضهم من أجل الغنائم أو حتى يكوِّنون عصاباتٍ لقطع الطرق، وحتّى الكنيسة تحوَّلت لأكبر إقطاعي في أوروبا، ودخل الباباوات في صراعاتٍ مسلَّحةٍ مع الأمراء، وأصبحت المناصب الكنسيَّة معروضةً للبيع والشِّراء.

فكانت الحرب فرصةً كبيرةً لحلِّ المشكلات، وتحمَّست لها البابوية لتستعيد ما فقدت من سلطتها الرُّوحية؛ جرّاء تورطها في الحروب بين الملوك والأمراء بجيوشها، وتحفظ قيادتها للعالم المسيحي، وفرصة للتَّخلُّص من القوة العسكرية الغاشمة، وتوجيهها لعدوٍ يستحق القتال بدلًا من الاقتتال الداخلي؛ فليس غريبًا أن يخطب البابا قائلًا: “أيُّها الجند المسيحيون، لقد كنتم دائمًا تحاولون من غير جدوى إثارة نيران الحروب والفتن فيما بينكم، أفيقوا فقد وجدتم اليوم داعيًا حقيقيًّا للحرب. لقد كنتم سبب انزعاج مواطنيكم وقتًا ما، فاذهبوا الآن وأزعجوا البرابرة، اذهبوا وخلِّصوا البلاد المقدَّسة من أيدي الكفار … أيُّها الجند، أنتم الذين كنتم سلع الشرور والفتن، ألا هبُّوا وقدِّموا قواكم وسواعدكم ثمنًا لإيمانكم. إنكم إن انتصرتم على عدوِّكم كانت لكم ممالك الشرق ميراثًا، وإن أنتم خذلتم فستموتون حيث مات اليسوع، فلا ينساكم الرَّب رحمته، فيحلكم محل أوليائه. هذا هو الوقت الذي تبرهنون فيه على أنَّ فيكم قوةً وعزمًا وبطشًا وشجاعة، هذا هو الوقت الذي تظهرون فيه شجاعتكم التي طالما أظهرتموها في وقت السلم، فإذا كان من المحتم أن تثأروا لأنفسكم، فاذهبوا الآن واغسلوا أيديكم بدماء أولئك الكفار”.

ولم يجد الكاهن المجهول بطرس الناسك كبير صعوبةً في جذب العامَّة إليه وهو يجوب أوروبا يدعوا للخروج لاستعادة المقدَّسات المسيحية، لتبدأ الحملات الصليبية منذ 1096 م، التي انهزم أمامها السلاجقة وحكام الشام  ثم الفاطميين، لتكون وحشيَّة الصليبين ومذابحهم شرارة حراكٍ ثوريٍّ رافضٍ للأوضاع السياسية والعسكرية المتردِّية.

ولكن بينما اقتصر أثر الحروب الصليبية على الشرق في صعود نموذج الملك المقاتل الذي يكتسب شرعته من خلال الجهاد والدفاع عن الأرض ضد المعتدين، فبرز المماليك والسلاجقة، بينما سقطت الدولة الفاطمية والعباسية، ولم يستفد الشرق من الحملات الصليبية سوى بعض التقنيَّات العسكرية. كان أثر الحروب الصليبية الثقافي والعلمي وحتى الديني في أوروبا عميقًا.

وأحبُّ أن أنظر لهذا الأثر كنموذجٍ مشابهٍ لما ترتب على الصِّراع بين الإغريق والإمبراطورية الفارسية؛ حيث أدّى الصراع مع الفرس إلى  توحيد الإغريق في إمبراطورية بحر ايجة التي واجهت الغزو الفارسي وأعادت بناء اثينا بعد تخريبها. واستلزمت الحرب خطابًا تحريضيًّا يقوم على إبراز هويةً مغايرةً للآخر، فكان خطاب الإغريق قائمًا على إعلاء قيم الحرية والكرامة ورفض العبودية والخضوع، بإزاء إمبراطوريةٍ استبداديَّةٍ تعتمد على العبيد في حربها واقتصادها، فكان وعي الفرد الإغريقي بذاته وقيمته الباعث الأكبر على قيام الديمقراطية اليونانية ذات الأثر الهائل في تاريخ الفكر الإنساني.

ويلاحظ أيضًا أثر الصِّراع مع المسلمين في تشكيل النظام السياسي والطبقات الأوروبية، ففي إطار حربه مع المسلمين ومحاولة التصدِّي لتقدمهم من الأندلس، أصبح ملك الفرنجة شارلمان أول أباطرة الإمبراطورية الرومانية المقدسة في تلك الأراضي التي تضم اليوم ألمانيا والنمسا وفرنسا وسويسرا وهولندا وإيطاليا وبلجيكا وغيرهم.

وتحوَّل نظام الإقطاع العسكري إلى السائد في أوروبا؛ حيث أقطع قادة جنوده أراضٍ شاسعةٍ كإقطاعٍ عسكري، سرعان ما تحوَّل إلى وراثي، وأصبح الفرسان طبقة النبلاء الأرستقراطية الغنية التي تمتلك الأراضي ومن عليها من مزارعين مقابل الولاء للملك والخروج إلى الحرب عند طلبهم بجيوشهم الخاصة، والتي أصبحت تكون الجيش الإمبراطوري، واستثمر الفرسان الإقطاعيُّون ثرواتهم في بناء القلاع والحصون، وحولها تجمَّع الصناع والحرفيون وسكن خدمهم لتكون نواةً للمدن الجديدة.

حيث كانت الحملات الصليبية فرصةً ذهبيةً لقيام هوية أوروبية مسيحية مشتركة، وفي المقابل كان الاستخدام السياسي للدين في التحريض عليها سببًا لقيام الحراك الإصلاحي؛ فالاعتراض الذي قام به مارتن لوثر عندما قامت حملة لبيع صكوك الغفران لتمويل بناء كاتدرائية القديس بطرس وادي لقيام المذهب البروتستانتي، لم يكن ليقع لولا توسُّع الكنيسة في منح الغفران لمن يساهمون بأموالهم في تمويل الحملات الصليبية بدلًا من الذهاب بأنفسهم، حتى تحوَّلت صكوك الغفران لأهم مصدرٍ ماليٍّ للكنيسة.

وكانت مدينة أنطاكية تمثل نقطة التقاءٍ بين عالمين؛ فهي وإن كانت تحكمها القوى الإسلامية ويتحدَّث أهلها العربية إلّا أنَّ أغلبية سكانها مسيحية، وسكنها أيضًا الكثير من الأرمن واليونان. وبالإضافة لثرائها الناتج عن موقعها المتميِّز في وسط الطرق التجارية وصناعات الحرير والخزف المميزة بها، كانت بوتقة التقاءٍ ثقافيةٍ نادرة الوجود، وعندما استولى عليها الصليبيون وضعوا أيديهم على ثرواتٍ أخرى لم تكن في حساباتهم؛ فبجوار الذهب والفضة والجواهر وجدت مكتبات ضخمة تحمل علوم العرب واليونان والعديد من المترجمين المثقفين المسيحيين المستعدين للتعاون ونقل تلك المعارف للفرنجة، وسرعان ما زلزلت أوروبا المعارف الجديدة فانتقلت إليهم مؤلفات البلخي والخوارزمي وابن سينا والأهم العقلانية التي ميَّزت الكتابات العربية وتعاملهم مع الظواهر الطبيعية والدين؛ فبينما الفقه الإسلامي عقلاني ينظر في علل النصوص ومقاصد الأحكام ويعمل القياس والمصلحة، لم يكن الأوروبيون يعرفون العقلانية في تفسير الأمور وخاصة الدينية.

ومع الوقت بدأت طباع الإفرنج تتغير، واستقطبت الإمارات الصليبية الناشئة بعض الأطباء العرب، وبدأت الحركة التجاريَّة بين الشرق وأوروبا في النشاط وكان من جرائها شيوع الأرقام العربية والمصطلحات والأعراف التجارية، واستفاد الأوروبيون من معارف العرب التقنية في رسم الخرائط والفلك فتطوَّرت قدراتهم البحرية كثيرًا، وبسبب ورود الذهب من الشرق بدأت المدن الايطالية في سك العملات الذهبية بعد توقفٍ طال أربعة قرون.

وكانت الترجمات العربية للفلسفة الإغريقية هي المنبع الذي استقى منه الغرب أساسه الفكري؛ فترجم أديلارد الباثي الراهب الإنجليزي الذي قضى قرابة عقد في الإمارات الصليبية أصول اقليدس وكتب الخوارزمي وبطليموس من العربية إلى اللاتينية، مما وفَّر للغرب الأوروبي لأول مرَّةٍ رؤية عقلانيَّة لفهم الطبيعة قائمة على قوانين رياضية صارمة، ولم يكن أثر تعلم الهندسة والجبر مقتصرًا على العمارة والجغرافيا والعلوم الطبيعية فقط؛ بل كان لها أبعد الأثر في تطوير العقل الأوروبي وتنويره بالمصطلح الدارج، ويكفينا في هذا كتابات أديلارد: “تعلَّمت من أساتذتي العرب شيئًا، أنك إن لم تتبع العقل تبعت النقل وصار لك لجامًا قد انقدت له مبهورًا انقياد الحيوانات العجماء التي تسوقها به حيث شئت لكنها لا تدري إلامَ تساق ولمَ، إن تتبع إلا الرسن الذي رسنت به وحسب، كذلك الكلام المسطور خطرًا على غير قليلٍ منكم لأنَّه يأسركم فتسارعون إلى تصديقه من دون تمحيص … علينا أن نتلمس الحدود الحقيقية للمعرفة البشرية وألّا نحيل هذه المعرفة إلى الله إلّا عندما تتعطل هذه المعرفه تمامًا”.

وهكذا كانت الشرارة الأولى للتنوير الأوروبي، برفض التقليد الأعمى والتفسير الغيبي للحياة.

وعلى الجانب الآخر كانت الأندلس تمثل الاستثناء الصارخ في أوروبا؛ فمنذ الفتح الإسلامي لشبه الجزيرة حرص حكامها الجدد على إقامة تفاهماتٍ واتفاقياتٍ بينهم وبين الحكام المحليين المسيحيين يضمنون لهم بها حريتهم العقائدية مقابل خضوعهم السياسي للسلطة الجديدة، بينما انسحب النبلاء الإسبان إلى منطقة استورياس شمال غرب إسبانيا، وأسَّسوا مملكة مسيحية صغيرة، ومع الوقت نشأ جيلٌ من الأندلسيين المسلمين عُرف باسم المولدين، وبدأت تظهر ظاهرة الاستعراب؛ حيث تغيَّرت لغة المسيحيين في الأندلس للعربية، وأصبحوا يرتدون ملابس شرقية، واتخذوا من عاداتهم وثقافتهم الكثير حتى أدخلت الكنيسة اللغة العربية في القداس؛ الأمر الذي اعتبرته الكنائس الإسبانية هرطقة.

انتقلت من بلاد العرب إلى الأندلس المحاصيل الزراعية المختلفة وطرق الرَّي والأساليب الإدارية، وكذلك الفنون من موسيقى وغناء وآداب المائدة، وسمات الفخفخة والثراء وعلامات الأرستقراطية من مأكلٍ ومشربٍ وملبسٍ وعطورٍ إلى جانب العلوم المختلفة. وبينما كان تفتت الأندلس وقيام عصر ملوك الطوائف كارثة سياسية أذنت بغياب شمس الحضارة العربية الإسلامية عن شبة الجزيرة؛ إلّا أنَّ تعدد الملوك بها مع ضعفهم العسكري أدّى بهم إلى التنافس الحضاري، فكان كل بلاط يزخر بالعلماء والفنانين والشعراء والأدباء المتنافسين.

وكان العرب قد طوَّروا من علم الكلام واستخدموه في المناظرات العقائدية بين فرق المسلمين وبينهم وبين أهل الكتب والعقائد الأخرى، فكان انتقال هذه الأفكار إلى أوروبا حدثًا مزعزعًا للإيمان المسيحي القائم على التقاليد الرَّاسخة، وواجه بفخاخٍ عقلية تتحدَّاه، ووجد العلمانيون الأوربيون سلاحًا يواجهون به السلطة الكنسية مستندين إلى العقل والحجاج المنطقي. وانتقلت إلى أوروبا مؤلفات الكندي والفارابي وابن طفيل وابن رشد وخاصةً شروحه لأرسطو التي ترجمها اليهود للعبرية، وساهم شتاتهم في أوروبا في نشرها رغم حظر تدريسها؛ حتى ظهر تيار فكري تنويري عرف بالرشدية رفض سلطة الكنيسة واحتكارها للحقيقة الدينية والعقلية، وفي النهاية برز المنهج العلمي كوسيلةٍ للفصل في صحة الأمور وبطلانها رغم تعسُّف محاكم التفتيش واضطهادها للعلماء.

ومع التفوق السياسي والعسكري والحضاري الكاسح، كانت الثقافة العربية الاسلامية تتغلغل في العمق الأوروبي، وكان تشبُّع المسيحيين بالثقافة العربية الإسلامية مخيفًا لرجال الكنيسة الذين أفزعهم ما كان بالمدن الإسلامية كقرطبة من تآلفٍ وتعايشٍ سلميٍّ بين المسيحيين والمسلمين، ونظروا لمقاومته كواجبٍ مقدَّس يحتم عليهم بذل كل طاقتهم لاستعادة الهوية المسيحية ومقاومة الاستعمار الثقافي الإسلامي.

لتبدأ الحرب التي غيَّرت وجه العالم والتي نعرض لها في الجزء الثاني من هذا المقال.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.
تعليقات
جاري التحميل...