تأخذك إلى أعماق الفكر

بوب ديلن.. سيد الأغنية الدرامية

يلتقي البشر بدون أدنى معرفة ببعضهم، فمن الممكن أن يشاهد أحدهم الآخر على شاشة التلفاز، أو يجلس خلفه أثناء موعده الغرامي، يلتقون في المواصلات، أو الاحتفالات الشعبية، في سياق من الصدفة البسيطة التي تتشكل عليها الحياة الكبيرة في مشهد يجمع خلفيته ألحان الهارمونيكا للفنان بوب ديلن في جميع انحناءاتها.

شخصياتٌ مختلفة في أزمنة مختلفة أو ربما تزامن مشترك يلتقون بذرات بوب ديلن في الهواء من خلال مشاركته نظراتِه للحياة، المحطات الحيوية في رحلته، وشغفهم بالفن الشعبي والروك آند رول. الجميع يمثل بوب ديلن بمثابة تمثيله لهم، هكذا وكانت العدسة التي رأى بها المخرج العبقري تود هينز علاقة الفنان المشهور بوب ديلن بالفن وبالجمهور وذلك لكونه معبر عن جميع الفئات والطبقات الكادحة والمهمشة وخبايا نفس الإنسان في أغنياته بصوت خاص ومزعج كما لم يتغنَّ أحدٌ بها من قبل واستطاع أن يصيغها في فيلمه المميز. حيث وضع الأغنية كعنصر أساسي يعتمد على نفسه ويصبح كالأعمدة التي تضيء الطرق وتمر على جميع الركاب لتطبع الأغنيةَ على وجوههم وأرواحهم؛ لأنها نبعت من داخلهم في الأساس، فالفن الشعبي من الجميع وللجميع.

وما يميز الفيلم أنه انقسم لمحطات في هيئة رحلة، وأغنيات عديدة تجمعها أصواتٌ كثيرة تتّحد نحو صوت واحد في النهاية. يبدأ الفيلم بنظرات آرثر المتوترة والحادة، وهو أحد الشخصيات في محطتنا ولكنه بمثابة الراوي بجانب كونه شاعرًا، كان الوحيد الذي أدرك ما تعلمه في تجاربه البسيطة وما سوف يتعلمه في المستقبل، ومن أهمها بأنه مزارع قبل أن يكون أي شخص آخر ولا يوجد مزارع مؤمن، بل هو الوحيد الذي يجب أن يعلم كيف ستجري الأمور وهو على أتم استعداد لها؛ لأنه غير مكترث من الأساس لأي نتائج، وكأن الحياة بيضاء أو سوداء. أخذ آرثر يتحدث عن نفسه ويصف المشاهد وكأنها قصائدُ مبهمةٌ تحمل روح ألحان بوب ديلن. “لا تثق بشرطيّ في معاطف مطرية أبدًا”. تبدأ الرحلة بأول محطة في وسط معاناة المعدمين والمتسوّلين حول البقاع ووسائل المواصلات التي قد تغذّى عليها الصدأ. ربما ليسو بمتسولين للنقود والطعام فقط، بل يتسولون تأمّلًا لحياتهم المظلمة. يظهر “وودي” الخادع في جسد صغير غير مفصحٍ عن أي تفاصيل شخصية، وغير متصل بالواقع من الأساس. فهو يحدّث كبار السن في القطار عن الاستقلال، والحرب، والفقر، بلهجة ساخرة. وأخد يتغنّى بالماضي وكيف أنه لازال يضوي في الواقع وربما في المستقبل. فكيف للصغير أن يحلم وسط ضوضاء الشارع حيث الأب يبحث عن الطعام، والأم تمزّق ثيابها لتكسي الصغار؟ لم يتطلّع وودي للثياب الباهظة، ولا للحانات المنعزلة التي تقدم خمرًا غالي الثمن، ولكنه فضّل الطَّرق على الأبواب المختلفة تتقاذفه الريح ليغنّي للجميع من بلدة لبلدة، من هيئة لهيئة، ليبدو وأنه أصبح فاقدًا للهوية ولا يمتلك سوى الجيتار الفاني. هنا يظهر بوب ديلن كما المسيح عارق الجبين ليحتضن تلك الهيئة العاملة، والأعين البائسة في لحن واحد؛ باحثاً عن الخلاص، وربما المأوى.

“Mama’s in the factory, she ain’t got no shoes

Dad’s in the alley, he’s looking for food

إعلان

And I’m in the kitchen with the tombstone blues”.

“لا تبدع أي شيء يساء فهمه، سيقيّدك و يطاردك لبقية حياتك.”

تشرق الشمس لاستقبال المحطة المقبلة في حماس كما في عنفوان الشاب الملهم والمغني “چاك” و هو يحلم بالرغم مما يشهده من قبح، فيحاول أن يختصر المعاناة في قالب فني ولحن صاخب مستعينًا بالطبيعة وربما حبيبته التي تعزف بجانبه. وهنا يكمن الصراع: هل يستطيع جاك ورفاقه الصعود بالأحلام والألوان الجريئة الخاصة وأن يغزوا الأجواء ويرسخوا الأرجل على اليابس؟ أم يقف شبح الماضي العجوز متسلحًا بالاعتيادية الروتينية والمظاهر المادية التي لا تتناسب مع أفكارهم الصادقة والحالمة؟(صورته مع حبيبته)يثور جاك من خلال أغنياته -والتي قد تغيرت ألحانها- فيحتجّ وتفنى ذروات الصحة على ألحان الهارمونيكا الحادة التي لا تتغير مثل الواقع حتى تنقطع مثل أغنياته يومًا ما ويخفت نجمه. ينقلب المشهد ويعتزل جاك بمثابة الاستسلام والتنازل عن أفكاره و التظاهر بتناسيها، فقد كانت أظافره أنعم من أن تحفر على العواميد الراسخة. يتجه عندها جاك إلى الزهد والوعظ بين الشباب الحديث في الكنيسة، بأن يسلكوا طريق الرب من البداية، وأن تختصر أناشيدهم للتأمل ومدح الرب. عندها تبدأ الهارمونيكا من جديد، ولكن في لحن هادئ مع البيانو الكنائسي ليتغنوا جميعًا في صوت واحد وتحت أقدامهم رماد الروك آند رول يناجون الرب بأن يصلح من ذاتهم في أيام من الهدوء الممل فلم يفهم أحد ما قاله جاك والرفاق ولم تُذكر كلماته سوى في ألحان بوب ديلن.

“Woody Guthrie was dead,

Little Richard was becoming a preacher

So whether you’re a folksinger or a Christian, Rock-‘n’-roll was the devil”.

“عندما يسألونك إذا كنت تكترث لمشاكل العالم، انظر بعمق في عين السائل فهو لن يسألك مجدداً”.في وسط الرحلة يصل الإنسان لمحطة ما من الظلمة وهي عندما يكوّن فلسفتَه الخاصة، وهنا يبتعد “السيد كوين” المغني المشهور عن القطيع؛ لأنه توقف عن البحث عن الحقيقة عند اكتشافه بأنه لا توجد حقيقةٌ مطلقة تستند عليها جميع الأساسيات والقيم، وبأن العالم يتجه نحو الخراب عاجلًا أم آجلًا بينما هو يستمرّ في الغناء بلااكتراثية. يخالف السيد كوين الطبيعة عندما يهمل صحته ويتصرف كيفما شاء، ولكنه لازال يخاف السقوط. حتى لكأنه يقف مناجيًا تمثال المسيح أعلى المباني بأن ينزل الأرض من جديد حتى لا يسقط! يقف كوين على المسرح ولكنه لا يقدم الموسيقى المتناغمة ولا الصوت العذب المرجو، فهو يقدم أسمى المعاني للجمهور في هيئة أناشيد عادية عن واقعهم، أو مزيد من السخرية الصاخبة، أو مشاجرات سياسية، أو حتى إطلاق الرصاص على جميع المستمعين، فهو يقدم لهم السبيل للحقيقة.

يقدّم المخرج مشاهد كوين في الأبيض والأسود كونها الشخصية المحورية، والمحطة الحرجة في رحلتنا؛ لأنها ذات السيطرة الكبرى على حياة بوب ديلن والتأثير الأعظم في أكثر ألحانه وموسيقاه. فلم يغنِّ كوين للانتشاء، فقد كان على سبيل الانتحار أن تختار السماع لصوت السيد كوين المزعج والمصاب بالربو. وعلى نطاق أوسع، لم يكن الجمهور في نظره مجرد مستمع لموسيقى الروك فقط، بل جميعنا نمثل الجمهور، كمشاهدة الأحداث السياسية على التلفاز، ومحادثات المسؤولين -كما صمّموها أن تكون- وكأننا جمهور يشاهد العروض الترفيهية والهزلية في السيرك القومي مثلًا. فمسألة الحرب والتعدي على الأراضي المجاورة كانت الواقع الذي أراد السيد كوين بأن يوصله “للجمهور”، فأكذوبة الساحة السياسية أسوأ بكثير من حدة هارمونيكا بوب ديلن.

“Cause something’s happening here and you don’t know, Mr.Johns”.

“احذر من الحب والتعصب الديني، كلها مؤقتة وسريعة التأثير”.-تحدث عرقلة ما في الطريق أثناء الرحلة ومن الواضح أننا في محطة يخطو نحوها الجميع. يخطو الممثل الشهير “روبي” في هذه المحطة في بداية مشواره الفني لتكون حبيبته -التي تشاركه حبه للروك آند رول- من جعله يستطيع أن يؤدي جيدًا في أول دور رئيسي له والذي أخد يلعب فيه دور المغني المعتزل “جاك” الذي علمنا كيف انتهى به الواقع من الاستسلام والابتعاد عن الأضواء. إنها الطبيعة ومن الصعب أن نمضي في الاتجاه المعاكس لها. فالأمطار تلمس النبات لينمو، والكلاب يلاطف بعضها بعضًا في خيوط الشمس الذهبية، والإنسان يجد ضالته في أحدهم ليستطيع إكمال الصورة على الألحان الشغوفة والحميمة. ولكن كما تتخلّل الغيوم السماء الصافية، تظهر المشاكل بين الأزواج تتغير الفصول، تتغير الاهتمامات وتنبت البذرة لتسدّد ضريبة الطبيعة في الاستمرارية فيولد الأطفال. فهل يستطيع الأزواج أن يخلدوا؟ هل يعتبر الحب استثناءً من القاعدة كونُه المؤثّرَ الذي يداعب الأمعاء؟ هكذا ينتهي مشهد الممثل روبي وهو يأخد طفلتيه لنزهة صباحية بعد الانفصال عن زوجته وهو غير قادرٍ على أن يمحو ما كان لها من صندوق للصور والذكريات.

“she knows that I’m not afraid to look at her

She’s good to me and there’s nothing she doesn’t see.

Because I want you, I want you so bad”.

-تنتهي الرحلة ولا يتبقى في القطار سوى الهاربين الذين يبحثون عن أي مكان أقرب للابتعاد. تكون المحطة الأخيرة وسط الريف النائي مع العجوز “بيلي” الذي اختار الريف باعتباره أفضل مكان للعزلة، ومطاردة الجراء الصغيرة، ركوب الخيل، وربما الموت. تصبح الألحان هنا أهدأ من قبل ومستمرة حتى نهاية الأفق، فهنا أنهى بيلي رحلته غير مكترث للحياة ولا يفصح عن اسمه الحقيقي ويتذكر حياته وسط أسطر أغاني ديلن وكيف كان يحب الغناء في الماضي. يتذكر أنه قد تعلم الكثير مما تعلمه وودي، جاك، كوين، روبي، وآرثر، وهنا وصل لنهاية التجارب. يستمر العجوز بيلي في الابتعاد والعزلة، وعندما يفكر في النظر إلى نفسه فإنه لا يفعل بل ينظر بعيدًا للأفق. وعندها نعلم بأن الفيلم لم ولن ينتهي، ويظهر بوب ديلن لأول مرة في الحقيقة على المسرح وحيدًا، وهو مازال يستمر في عزف الهارمونيكا.

نرشح لك: الفن والعبقرية: قدرة الفنان على اختراق النَّسَق

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: مايكل ماهر

تدقيق لغوي: سامر كنجو

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.