تأخذك إلى أعماق الفكر

الجزء الثاني من سلسلة الوعي “الوعي والفلاسفة”

الوعي والفلاسفة

في بداية هذا المقال أحب أن أنوه أن أغلب ما فيه مجرد عرض للآراء لكن لقلة المحتوى العربي على الإنترنت في هذه القضية فضلت أن أنشر عدة مقالات بهذا الشأن لأهميته، وهنا سنستعرض أهم الآراء في قضية الوعي كذلك سنشرح بعض المصطلحات الرائجة في هذا السياق.

رابط الجزء الأول من سلسلة الوعـي

1. ديفيد شالمرز والزومبي الفلسفي:

ولد ديفيد شالمرز في أسترليا سنة 1966 وكان يعد نفسه للتخصص في الرياضيات ثم صار مهتمًا بالوعي. نال تعليمه الجامعي في أكسفورد ثم عمل ابتداءً من عام 1983 مع مجموعة دوجلاس هافستادتر ودوجلاس هو أستاذ العلوم المعرفية الأمريكي وتدور أبحاثه حول الشعور بالذات والوعي وصياغة التشبيهات والإبداع الفني والترجمة الأدبية والاكتشاف في مجال الرياضيات والفيزياء.
نال شالمرز شهرةً واسعةً بسبب اهتمامه بالوعي وصكّه لمصطلح “المشكلة الصعبة” مقارنةً بالمشكلات السهلة للوعي وقد عمل عدة سنوات مديرًا لمركز دراسات الوعي بجامعة أريزونا ونظم خلالها سلسلة من مؤتمرات “نحو عالم الوعي” ثم عاد إلى أستراليا ليعمل أستاذًا ومديرًا لمركز دراسات الوعي في جامعة أستراليا الوطنية بكامبيرا.

ونلخص أفكاره في التالي:

1.يمثل ديفيد شالمرز الرأي المتوازن بين الماديين وبين اللاماديين في النظر إلى الوعي ويعتبر موضوعيًا إلى حد كبير في الخروج باستنتاجه.

2. يرى أن خبرتنا الذاتية هي السمة المميزة للإنسان ومعظم الكائنات الحية، وقد تجاهلها العلم واكتفى بدراسة خصائصنا الموضوعية ويرى أنه ينبغي أن يعاود العلم الاهتمام بها.

إعلان

3. يرى أن مهما توصل العلم من تفسيرات للمشكلات السهلة المتعلقة بالوعي مثل معرفة كيف تؤدي العمليات المخية الفيزيوكميائية المادية فهو يعجز عن حل المشكلة الصعبة للوعي، والمقصود به: صعوبة تفسير كيف تنتج العمليات الفيزيائية في المخ الخبرات الذاتية، أي كيف تنتج طوال موجات اللون الأحمر مثلًا خبرتنا بحمرة هذا اللون، ويقارن شالمرز بين المشكلة الصعبة والمشكلات السهلة مثل فهم آليات عمليات السمع والإبصار والإدراك والذاكرة والتعلم والانفعال، وتتعلق المشكلة الصعبة بمشكلة العقل/الجسم والفجوة التفسيرية.

ارتباط الفجوة التفسيرية بالوعي

والمقصود بالفجوة التفسيرية أنها الفجوة بين العقل والمخ، بين الداخلي والخارجي، بين الذاتي والموضوعي أو بين الوعي والعالم الفيزيائي، وهي تعني ببساطة أن الحقائق عن العالم الفيزيائي تعجز عن تفسير الحقائق عن الوعي.
وهذه الفجوة مرتبطة بالمشكلة الصعبة بالوعي، وهي ما يسميها وليم جيمس “الصدع الكبير” أو “الهاوية السحيقة” ويعتقد الغيبيون أمثال كولن ماك جن أن هذه الفجوة لن يمكن عبورها، بينما يتبنى الزوجان تشيرشلاند ودينيت وكريك الرأي المخالف ويعتبرون أن الفجوة ستختفي مع تقدم العلوم العصبية.

ويتبنى شالمرز أننا لو نجحنا في حل كل المشكلات السهلة فستبقى المشكلة الصعبة والتي هي الوعي والخبرة الذاتية مستعصية الفهم.

4. يرى أن الوعي مكون أساس ابتدائي للوجود كالزمان والمكان والشحنة والكتلة ولا يمكن اختزاله إلى منظومات أبسط، وينبغي أن يبحث العلم عن القوانين التي تحكمه وعن العلاقات بينه وبين العالم الفيزيائي.

5. صك مصطلح الزومبي الفلسفي ويرى أنه غير ممكن واقعيًا وجوده لكن محتمل نظريًا، والزومبي الفلسفي هو تجربة عقلية طرحها شالمرز ويتشابه الزومبي تمامًا مع الإنسان الطبيعي في مظهره الخارجي وسلوكه ولكن ليس لديه الخبرات الذاتية الواعية التي يسمونها الكواليا -سنقف على تعريف الكواليا في السطور القادمة- فمثلًا إذا وخزت الزومبي بآلة حادة، فهو لن يشعر بأي ألم لكنه سيتصرف كأنه شعر بالألم، كأن يقول آه ويبتعد عن الآلة الحادة ويقول أنه يشعر بالألم.

آراء الفلاسفة حول الزومبي الفلسفي

ويختلف الفلاسفة المهتمون بالوعي حول إمكانية وجود الزومبي الفلسفي ما بين مؤيد ومعارض، إذ يتبنى المعارضون أن كيانًا هذه صفاته لا بد أن يكون واعيًا، ويستخدم مفهوم الزومبي الفلسفي ليدعم الأدلة ضد المذاهب الفيزيائية كالمادية والسلوكية والوظائفية.
والمقصود بالسلوكية: هو مذهب يسعى لفهم سلوك الإنسان والحيوان ويعتبر أن التصرفات السلوكية كلها إمّا ردود أفعال انعكاسية لمثيرات بيئية، أو توابع لتنشئة الإنسان بأسلوب الثواب والعقاب، ذلك بالإضافة إلى المثيرات التحفيزية، وفي نفس الوقت لا ينكر السلوكيون دور الوراثة في السلوك لكنهم يركزون بشكل أكبر على العوامل البيئية، تبعًا لذلك يعتبر السلوكيون أن المطلوب لدراسة الإنسان هو دراسة سلوكه فقط، لذلك كله ينكر السلوكيون الإرادة الحرة والخبرة الذاتية بل والذات الإنسانية.

وفي هذا السياق هناك قصة رائعة حدثت بين عالم النفس السلوكي سنكر وبين الفيلسوف البارز الفرد نورث وايتهيد، ففي إحدى المناسبات عام 1934 وجد سنكر نفسه يجلس في عشاء إلى جانب وايتهيد، وشرع يشرح له المنهج السلوكي في علم النفس، فلم يلبث وايتهيد أنْ نطق بهذه العبارة: “لا عقرب أسود يسقط على هذه المائدة”، ثم طلب من سنكر أن يفسر له لماذا قال ذلك، وقد مر أكثر من عشرين سنة قبل أن يحاول سنكر الإجابة ففي ملحق لكتابه السلوك اللفظي الصادر في عام 1957 اقترح سنكر أن وايتهيد كان يعبر بطريقة لا واعية عن خوف من السلوكية، مشبهًا إياها بعقرب أسود لن يسمح له بأن يقتحم فلسفته والقارئ المتشكك معذور إذ استخلص أن هذه الإجابة تنتمي إلى مدرسة التحليل النفسي أكثر مما تنتمي إلى المدرسة السلوكية، وليكن الأمر ما يكون فإن وايتهد أظهر ببراعة ضعف السلوكية بعبارة واحدة.

أمّا الوظائفية فيتبنى هذا المذهب أن صفات النشاطات العقلية تحددها علاقاتها الوظيفية من العلاقة بين المدخلات الحسية والسلوك، ويعتبر هذا المذهب أحد الحلول التي قدمت لمشكلة العقل والجسم كالثنائية ونظرية الهوية والفيزيائية. ويتبنى الوظائفيون أنك لو استنسخت بدقة كل وظائف المخ البشري الواعي في آلة فإنها ستكون واعيةً حتى وإن كانت بنيتها مختلفةً تمامًا عن عصبوناتنا البيولوجية. وقد سادت الوظائفية العلوم المعرفية لفترة قبل أن يرفضها بعض كبار الفلاسفة مثل ند بلوك وسيرل.

6. يرى شالمرز أن الخبرة الذاتية أو الكواليا ليست ضرورية للوظائف المخية، لذلك فدور التطور البيولوجي في نشأتها محدود وينبغي البحث عن تفسير آخر.

7. يرى أن الإرادة الحرة مفهوم مُحير فبالرغم من استشعارنا بممارستها فإن اختياراتنا تكون موجهةً بمقدمات مسبقة.

8. الأرجح أن الوعي سيتلاشى بالموت ولغموض الوعي قد يكون هذا الترجيح خطأ تمامًا، وكم سيكون ذلك رائعًا.

9. يرى أن معارفنا عن التعالقات العصبية للوعي ما زالت في إطار العلاقات المصوالكواليا هي الكيية “الذاتية” لأية خبرة حسية، مثل رائحة القهوة أو حمرة الوردة وتنظر الفلسفة إلى الكواليا باعتبارها خاصية داخلية للخبرة، إنها شيء خصوصي للشخص ولا يمكن وصفة للآخرين، ويعتبر بعض الفلاسفة أن خبرتك بالكواليا هي كل ما يمكن أن تعرفه هذه الخبرة الذاتية والذي لا يستطيع آخر أن يعرفه منك على الإطلاق.
احبة وعلينا أن نوليها المزيد من الاهتمام البحثي حتى نتوصل إلى ما فيها من علاقات سبيية.

و يبحث الكثير من العلماء عن مراكز أو أنماط النشاطات العصبية التي تصاحب الخبرات الواعية المختلفة وهذا يعني التعالقات العصبية للوعي neural correlates of consciousness. فمثلًا يستخدم العلماء تقنيات مسح المخ أو تسجيل نشاط العصبون الواحد ليحددوا أي العصبونات أو المراكز المخية يكون نشيطًا عندما يشعر الشخص بمثير معين أو يخبر إحساسًا ما، ويعتبر المتخصصون أن هذا التناول قد يمكّننا في المستقبل من تحديد أسباب أو موضع الوعي في المخ بينما يعتبر آخرون أن تحديد هذه العلاقات السببية غير ممكن، كما يُقصد بالتعالقات العصبية للوعي مقارنة النشاطات العصبية أثناء حالات الوعي وعدم الوعي وهو ما يصفه سيرل بقوله: “إن تفسير الوعي يتم من خلال إدراك الفرق بين المخ الواعي والمخ غير الواعي.”

10. تكمن وظيفة الوعي في أنه مكوِّن أساس في حياتنا فهو الذي يعطي لها معنى، إنه يجعل حياتنا مفهومة معقولة ذات قيمة.

2. دانيال دينيت والتخلي عن البديهيات.

ولد في بوسطن عام 1942 ودرس في هارفارد، حصل على الدكتوراه من أكسفورد عام 1965 ومنذ عام 1971 أصبح يعمل في جامعة تافت في ولاية ماساشوستس كمدير لمركز الدراسات المعرفية.

من أهم كتبه:

The Intentional Stance
Consciousness Explained
Darwin Dangerous Idea
Freedom Evolves
Intuition Pumps and Other Tools of Thinking
From Bacteria to Bach and Back

هنا سنلخص أغلب آرائه حول قضية الوعي في عدة نقاط مع الشرح لبعض المصطلحات المُستخدمة:

1. يمثل دانيال دينيت أقصى درجات المذهب المادي في النظر إلى الوعي والمذهب المادي هو مذهب يتبنى أن الكون فقط من المادة وأنه يمكن تفسير كل الظواهر العقلية في ضوء مصطلحات مادية.
2. إن الخبرة الذاتية “الوعي” هي أن تكون لنا وجهات نظر بالمعنى الواسع، أي قدرة حقيقية على تمييز الواقع.
3. الوعي حقيقة لكنه ليس كما نظن، ذلك أننا ننسب لأنفسنا وعيًا أكثر من الحقيقة.
4. ينبغي دراسة الخبرات الذاتية دراسةً موضوعية.
5. يمكن عبور الهوة بين وعينا ووعي الكائنات الأدنى “حتى الأشجار” على خطوات ويتطلب ذلك التخلي عن بعض ما يعتبره الكثيرون من بديهيات الوعي.
6. فكرة الزومبي الفلسفي غير مقبولة لا واقعيًا ولا نظريًا، ذلك أن كائنًا يسلك مثلنا تمامًا لا بد أن يكون واعيًا.
7. يتمسك المتدينون بفكرة الزومبي الفلسفي لأنها تثبت ثنائية الإنسان التي تعشمهم بالخلود الذي يحققه الإيمان بإله خالد قادر، هنا ينتهي كلام دينيت، ولكن يجب أن نقف هنا وننظر إلى هذا الأمر في الثنائية حيث يشير دينيت هنا إلى مصطلح مسرح ديكارت وهذا المصطلح صكّه دينيت ليصف الفكرة الشائعة بأن هناك موضوعًا ما في المخ أو العقل تتجمع فيه الأشياء ثم يرصدها كيانٌ “قزم” في أمخاخنا فيحدث الوعي، ويعتبر دينيت أن معظم المتخصصين الذين يرفضون ثنائية ديكارت ما زالوا ينظرون إلى الوعي باعتباره يحدث في مكان أو في وعاء في المخ، لذلك أطلق دينيت اصطلاح المادية الديكارتية على هؤلاء الذين يدعون المادية ومع ذلك ما زالوا يؤمنون بالمسرح الديكارتي أي أن المادية الديكارتية تتبنى نوعًا من الثنائية.

نبدأ الحكاية من القرن السابع عشر عندما وضع الفيلسوف الفرنسي الأشهر رينيه ديكارت أشهر نظريات الثنائية التي صارت تعرف بثنائية ديكارت وتقوم هذه الثنائية على أن العقل والمخ كيانان مستقلان ومختلفان في الطبيعة، فالعقل “غير مادي” وغير متموضع، أي لا يشغل فراغًا وليس له مكان، بينما المخ وباقي الجسم كيان مادي، له امتداد مكاني، وإذا كان المشهور عن ديكارت أنه قد جعل عنصري الثنائية العقل – الجسد منفصلين تمامًا فإننا نجد في كتابات ديكارت ما يشير إلى تحكم العقل في الجسد. المشكلة التي تواجه هذا الطرح واضحة وهي كيف يتواصل هذان الكيانان؟ ويجيب ديكارت عن هذا السؤال بأن “الجسم الصنوبري” (الذي يشبه الترمسة ويقع في مركز قاع المخ) هو محطة هذا التلاقي.

ولكن ينبغي ألّا يغيب عنا أن الجسم الصنوبري هو جسم مادي، مما يعني أن المشكلة تظل قائمةً!

إذ كيف يتواصل هذا الجسم المادي مع الكيان غير المادي في الثنائية وهو العقل؟

والمتأمل للمشكلة التي تواجه ثنائية ديكارت يجدها معاكسة لمشكلة الوعي الصعبة التي تواجه الواحدية المادية، فإذا كانت المشكلة الصعبة هي كيف تؤدي العمليات المخية المادية إلى الخبرة الذاتية اللامادية، فإن مشكلة ثنائية ديكارت فهي كيف يتحكم العقل اللامادي في الجسم المادي.
وهنا نصل الى الثنائية ونظريات تفسير الوعي حيث إنه انطلاقًا من ثنائية ديكارت قام الفلاسفة في العصر الحديث بطرح نموذج تشبيهي للوعي، وهو “المسرح الديكارتي” الذي يصور الخبرات الذاتية كأحداث تُعرض في مركز ما في المخ المادي، ومع وجود ذات إنسانية غير مادية ترصد هذه الأحداث، ويرفض الأحاديون الماديون وعلى رأسهم دينيت نموذج مسرح ديكارت جملةً وتفصيلًا، باعتباره مفهوم ثنائي يتطلب وجود ذات إنسانية غيبية، كما يعترضون على فكرة وجود محطة نهائية في المخ تتجمع عندها المدركات لتدخل إلى دائرة الوعي.

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.