تأخذك إلى أعماق الفكر

الوعي كنظام للمعلومات … نظرية المعلومات المدمجة

اقترح غيوليو تونوني عام ٢٠٠٤ ما سمَّاه نظريَّة المعلومات المدمجة/المتكاملة، والتي يعتبر فيها نشوء الوعي كنتيجة لمعلومات متكاملة فيما بينها بشكلٍ كافٍ ومندمجة سوية في نظامٍ شاملٍ مُعقَّد. فالفرق بين إدراك الكاميرا لصورةٍ ما وبين إدراك كائن واعي لنفس الصورة، هو كميَّة المعلومات المستقاة من المشهد ومدى تكاملها مع بعضها.

فالعدسة تُميز بين مُعتمٍ ومضيء، وبناءً عليه تفتح العدسة أكثر أو أقل. أما العين فلا تميز فقط الفرق في الإضاءة بل وفي اللون والسطوع والجمال والروائح الممكنة والأصوات المرافقة (المتخيلة لكنَّها رغم ذلك معلومة عن الصورة)، حجم المعلومات واندماجها/تكاملها، هو ما يجعل نظامًا ما “واعيًا”.

عام ٢٠١٤، تمَّ نشر ورقة بحثية من قبل غيوليو بالاشتراك مع ألبانتاكس وأوزومي، مقدمين ما سمي ITT 3.0  وهي النسخة الأحدث من هذه النظرية.

اقترح غيوليو قيمة لقياس الوعي سماها فايφ، وتقيسφأساسًا كم تعلم أجزاء مختلفة من النظام عن أجزائه الأخرى، أي مدى التَّكامل فيما بينها.

في الكاميرا φ منخفضة جدا (φ = 0 يعني لا تكامل في المعلومات ولاتواصل بين الأجزاء، بل إنَّ المكونات المفردة للنظام مستقلة عن بعضها)، في حين أنَّها مرتفعة القيمة عند الإنسان.

إعلان

Φ تقيس عدم امكانية فصل عناصر عملية ما إلى أجزاء مستقلة

النظريَّة تفترض بالتالي، درجات مختلفة من الوعي عند الكائنات الأخرى غير البشرية، كالحيوانات (التي يمتلك دماغها درجة معينة من التواصل والتكامل بين أجزائها) بل وحتى النباتات (بعمليات التركيب الضوئي والنمو وغيرها) وإن كان بدرجة أقل.

قام غيوليو وزملاؤه بقياس صيغة مبسطة منφ، وذلك باستخدام تخطيط الدِّماغ الكهربائي(الذي يعرفه الجميع)، وذلك لقياس استجابات الدماغ للتحريض المغناطيسي.

تمَّ قياس مستويات من الوعي في حالات الصحو أو الحلم، لم يكن من الممكن قياسها في حالات النوم العميق أو التخدير. بل إنَّهم تمكنوا من قياس مستوى للوعي ذي دلالة، عند مرضى ما يسمى بمتلازمة “المنحبس“، التي يتمُّ ملاحظتها عند بعض مرضى الغيبوبة.

تدعم تلك النظرية مفهومًا ماديًا عن الوعي البشريّ إلا أنَّه ليس موقفًا ماديًا تقليديًا، فهو ليس نِتاجًا مباشرةً لتركيبٍ من الخلايا أو المراكز الدِّماغيَّة، بل هو أساسًا معلومات تنتقل في شبكاتِ الدِّماغ وتكامل بعضها بعضًا. لكن من ناحيةٍ أُخرى تُؤكد النظريَّة على ارتباط الوعي العميق بالمادة، فدون المراكز الدماغيَّة أو وجود شبكة تواصل بين مراكز المعلومات المُختلفة، لا معلومات ولا وعي ممكنين، وهو ما يعيدنا إلى كون الوعي غير ممكن دون مادة.

إذًا يمكن القول أنَّ مادة الوعي هي مادة مُركبة ذات خصائص معينة، أي أنَّ هناك مادة واعية ومادة غير واعية. بطريقةٍ أُخرى يمكن طرح السؤال:” ما الذي يجعل من مادة جيلاتينية، قادرة على أن تمتلك تجربة ذاتيَّة؟” أو بدقةٍ أكبر (حسب الفيزيائي ماكس تيغمارك) ما الذي يجعل تلك المادة الجيلاتينية قادرة على القيام بالوظائف التالية: ١- التَّذكر، ٢- الحوسبة،٣- التَّعلم، ٤- الخبرة.

يمكن قبول تعريف العناصر الثلاثة الأولى بطريقة علميَّة، كونها تُشكِّل، بشكلٍ واضح نسبيًا، طرقًا في معالجة المعلومات.

١فالتَّذكر:

هو عملية تخزين لمعلومات مشفرة، حسب نمط تشفير معين (في الخلايا العصبية يعتمد على البروتينات وخصائصها الشكلية الكيميائية التي تشفر معلومات معينة وتبقيها مخرنة وهي مشفرة إلى حين العودة إليها وتذكرها. (في الكومبيوتر الbitهو الوحدة المتغيرة التي تشفر المعلومات).

٢أما الحوسبة:

فهي عمليَّةُ انتقالٍ من حالة ذاكرة إلى حالةٍ أخرى. عمليَّة يتمُّ فيها إضافة وظيفة (كما تسمى في الرياضيات المدرسيَّة، تابع (تا): أي أنَّ هناك مدخلات تؤدي وفق عمليَّة معينة إلى مخرجات).

لنأخذ مثالًا موضحًا، ما يُسمَّى( NAND Gate):

التَّابع علاقة يمكن توضيحها كالتالي:

هناك مدخلان A, B ومخرج C
في الكومبيوتر هناك قيمتان لكلِّ رمز، تشيران إلى وضعيتان مختلفتان للمداخل وهما 0 و 1أي عندما:

A=1, B=1 —-> C=0

عدا ذلكC=1

إذا كانت هذه الرموز تُمثِّل مدخلات ومخرجات في دارة عصبية مثلًا، فهذا يعني، أنَّنا سنحصل على نتيجةٍ سلبيةC=0، فقط عندما يكون المدخلان إيجابيان A, B  (ليسا صفر)، يعني مثلًا:” A هي إدراك مؤثر ضوئي، B  ذاكرة الضوء الأحمر، C  هو تثبيط عضلات الساقين
وبالتالي عدم قطع الشارع). طبعًا هذا المثال مُبسَّط جدًا، وعمليَّة كهذه تحتوي عادةً على آلاف الدارات وملايين العصبونات (المدخلات والمخرجات).

٣التَّعلم:

أن تتعلم مادة، يعني أن تعيد المادة تنظيم نفسها مرةً بعد مرة، لِتُصبح أفضل في عمليَّة الحوسبة، نتيجة تراكُمِ المعلومات وآليات التلقيم الراجع السلبي والإيجابي.

للتَّعلم نحتاج إلى بنية أكثر تعقيدًا من العصبونات، التي يتمُّ تقسيهما على طبقات، كلُّ طبقةٍ مسؤولة عن تحليل جزء من المعلومات التي تعزز أو تثبط العصبونات في الطبقات التالية، وهكذا حتى الوصول إلى إدراك مُحدد للغرض المحسوس، عن طريق مقارنته بمعطيات الذاكرة أو مقارنته مع معطى موضوعي خارجي، يتمُّ التأكيد على تحليل ما وحذف تحليلات أخرى وفق آليات التلقيم.

وفق هذه الطريقة يتمُّ اليوم برمجة الذَّكاء الصِّناعي الذي يكون قادرًا على التَّعلم، تجريب احتمالات كثيرة، ثمَّ حذف ما هو غير صحيح أو دقيق وتخزين ما يتم تأكيده (على أنَّه المخرج الصحيح)، ومن ثمَّ تعزيز آلية معينة على حساب أخرى، بحيث لم يعد من الضروري إنجاز كل العمليَّة مع كلِّ أخطائها مرة أخرى.

خوارزمية تعلم إدراك وتصنيف الوجوه بطريقة (الشبكة العصبونية العميقة)

٤الخبرة الذاتيَّة: 

كيف لمادة أن تشعر بذاتها وتشكل خبرتها الخاصة عن المدركات الحسيَّة، وهذه الخبرة هي مرحلة تالية للإدراك. طبيعة التجربة الواعية أو نوعيتها المُسمَّاة أيضًا كواليا (QUALIA) تُشكِّل المشكلة الأصعب للوعي. إلا أنَّه يمكن المحاججة أنَّ نظام المعلومات المتشكل في المادة له خصائص معينة مختلفة عن نظام آخر، تلك الخصائص المختلفة (اختلاف في محتوى ونشاط العصبونات مع تواصل مختلف بين العصبونات) يؤدي إلى تجارب ذاتيَّة مختلفة. أما لماذا يكون شعورنا غالبًا بوعينا أنَّه مُنفصلٌ عن المادة أو مختلفٌ بطبيعته عنها، فذاك يعود، برأي ماكس تيغمارك، إلى وجود خصائص للمادة الدماغيَّة مُستقلة عن فيزيائيتها. وهي خصائص لا تناسب عمومًا مفهومنا عن المادة الجامدة اللاواعية. أهم تلك الخصائص هي الحوسبة والعمل بشكل موجي فيما بينها يقول تيغمارك:” الوعي هو الطَّريقة التي نشعر فيها بالمعلومات وهي تعالج باتجاه أو بآخر.”.

يُقدِّم الفيزيائي ماكس تيغمارك، نقاشًا عميقًا ومفيدًا لتلك النظريَّة، إذ يُحاول في كتابه (الحياة ٣,٠) توضيح بعض المكاسب وكذلك بعض الاعتراضات على هذه النظرية.

هناك مجموعة من الاعتراضات والإشكاليات المتعلقة بهذه النظرية، أو عمومًا بالنظريَّات الحاسوبية للوعي، منها:

١- إذا كانت تكاملية المعلومات واندماجها في النظام هو المحدد الأساسي للوعي، ماذا يمكن القول عن الشبكات العصبية المستقلة العمل، التي تشكل أجزاء من الدِّماغ، هل يمكن القول أنَّها واعية، فهي شبكات ذات مستوى عالٍ من الاندماج والتَّكامل فيما بينها؟ ، أي إذا أردنا صياغة الإشكالية في سؤال:” هل يمكن تقسيم نظام معلومات مدمج إلى قسمين مستقلين واعيين؟ ماذا يحدث إذا قمنا بتقنيةٍ ما بوصل دماغين ببعضيهما؟ هل سيعملان معًا كوحدة وعيٍ واحدة؟ أم سيتعارضان؟”

٢- تُشكِّل نظريَّة المعلومات المُدمجة/التكاملية، الإطار الحسابي الأكثر تطورًا حول الوعي، فصحيح أنها تقوم على افتراضاتٍ أساسيَّة غير حسابيَّة، لكنَّها تقدم إطارًا للعمل على الوعي كنظامٍ من معلوماتٍ متشابكة، وهذا ما يمكن من إجراء تنبؤات ووضع فرضيَّات يؤدي تأكيدها أو نفيها إلى تعزيز النظريَّة أو رفضها.

من إحدى أهمِّ النتائج الحسابية/الرياضياتية، أنَّ عملية اندماج المعلومات داخل أي نظام تعتمد على ارتباط المعلومات ببعضها بحيث أنَّ فقدان معلومة سيؤدي إلى نزيف من المعلومات المتشابكة معها وبالتالي فقدان الكثير. وهذا الشيء ليس موجودًا في أنظمة الكمبيوتر بعد، فعلى الرغم من تطورها فهي ليس أنظمة اندماج للمعلومات بعد، لا بحجم الاتصالات وبأسلوب عملها. (هناك تقريبا ١٠٠ مليار -أي ١٠٠ ألف مليون- خلية عصبية (عصبون) في الدِّماغ، وعدد أكبر بكثير -حوالي ١٠ أضعاف- من الخلايا الدبقية، والتي يمكن أن يكون لها دور أيضًا في معالجة المعلومات، وليس فقط تسهيل عمل الخلايا العصبية. عدد الوصلات (المشابك العصبية) لكل عصبون حوالي ٧٠٠٠ -١٠٠٠٠ وصلة. أي لدينا في الدماغ ١٠٠ تريليون، ١٠٠ مليون مليون وصلة، وهي القيمة الحوسبية لأدمغتنا، يمكن تقدير نسبة الوصلات في الدماغ إلى عددها في أفضل أنواع الكمبيوتر حاليًا، بحوالي مليون مرَّة، أي الدماغ يحتوي وصلات حوالي مليون كومبيوتر!).

إذًا حسب هذه النظريّة، لا تزال الكمبيوترات وستبقى (إن لم يختلف شكلها جذريًا)، مجرد زومبي يقوم بوظائف معقدة نسبيًا، دون امتلاك وعي خاص بها، لأنَّها ليست أنظمة دمج للمعلومات بشكلٍ كافٍ.

الفرق بين الأنظمة المعلوماتية المدمجة، بكل تعقيد الاتصال والتوزع في طبقات (يمين)، والأنظمة اللاواعية التي يتم التواصل بين الأجزاء فيها بشكل غير مندمج فعلًا (يسار)، وبناءً عليه لايمكن أن يكون واعيًا.

٣- إذا كانت معالجة المعلومات هي الركيزة الأساسية في الوعي، فنحن نتعرض مبدئيًا لكمية كبيرة من المنبهات (بصريَّة مثلًا)، فنرى في نظرةٍ واحدةٍ ساحة كبيرة مليئة بالضوء والالوان والأشكال، لكن التجربة تدلنا أنَّنا في الواقع نستطيع أن نتذكر ونخبر عن نسبة ضئيلة جدًا من تلك المدركات. هل هذا يعني أنَّنا نعي أكثر مما نعرف. وهل يصح تسمية وعي على شيء لا أعرف أنني واعٍ ومدرك له. لقد اهتمت النظريات بشكلٍ عام بالوعي كمفهوم معاكس للنوم وللوضع أثناء التخدير مثلًا أي اليقظة (وتمَّ توسيعه ليشمل حالة الحلم كوننا نتذكر أحلامنا).

ودأب علماء النفس الاجتماعي وعلماء النفس الاستعرافي إلى التمييز بين منبهات واعية (مدة تنبيهها أكبر من حدٍ معين)، والمنبهات تحت عتبة الوعي (وهي تلك التي يتم إدراكها لوقت ليس بكافٍ ليتم اختبارها ذاتيًا بشكل واعٍ).وهذا يعني أنَّ الوعي هو ما أدركه وأعرف أنَّني أدركته، حتى لو نسيت بعد فترة. فمثلًا لو أني حلمت حلمًا واستيقظت ليلًا وكتبته على ورقة صغيرة، ثم عدت للنوم واستيقظت صباحًا لأجد نفسي قد نسيت حتى استيقاظي ليلًا. لاحقًا أثناء اليوم وعندما تحدث أحد الزملاء عن حلمه، تذكرت أنَّك حلمت شيئًا لكنَّك لم تعد تعلم بما حلمت، مساءً تعود إلى البيت وتقرأ تقريرك عن الحلم، لتتذكر ما حدث. لكن ماذا لو فقدت هذه الورقة، وماذا لو لم يذكرك أحد بحلمك، هل نسيانك لحلمك يجعله غير موجود؟، هل للتَّجربة الواعية النقية (حلم مثلًا) وجود مستقل عن تذكرنا واسترجاعنا لها؟

ما هي علاقة الخبرة الواعية بمعرفة ما نعيه (وتذكره)؟ هل للخبرة الواعية معنىً مستقل؟

ماذا لو نسي الأطباء تخدير أحد أفراد أسرتك في غرفة العمليات؟ ثم أخبروك بوجود حلين: الأول هو إيقاف العمليَّة وتأخير شفائه، والثاني هو إكمال العمليَّة دون تخدير، لكنَّهم سيقومون لاحقًا بمسح كل الذكريات أثناء العملية، ماذا تختار؟

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: مهيار الخشروم

تدقيق لغوي: مريم

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.