تأخذك إلى أعماق الفكر

الذهن والجسد من منظور فلسفي

العلاقة بين الذهن والجسد مِن أعرق التساؤلات الفلسفية

كيف يُنفِّذ جسدك ما تُمليه عليه؟ قد تظن أنّ الإجابة بسيطة: أنتَ تُفكِّر بالأمر، ومن ثم ينفذه جسدك؛ بعبارةٍ أخرى، يُرسِل عقلُكَ إشاراتٍ عصبيّةً بتسلسل مثاليٍّ يتلقاه جسدك بحيث ترتفع ذِراعك أو تتحرك كلتا قدميك. ولكن، كيف تُملي ذلك على دماغك؟ الأمر المحيّر هو أنّك لا تفعل. وهنا نُدرِك وجود فجوةٍ سحيقة تفصل بين ما يشهده العقل وبُنية الجسد الماديّة. فالتساؤل حول العلاقة بين الجسد والعقل لمن أعرق الأسئلة الفلسفية التي وُجِدت قبل وجود الفيلسوف سقراط، ونحن- وبكلِّ صراحةٍ- لم نتوصل إلى إجابةٍ من الفلسفة أقرب من إجابة سقراط، ولكننا مررنا ببعض الحِقب الألفية التي مكَّنتنا من التوصل إلى بعض الأفكار الفلسفية المُذهِلة التي تتكهن بإجاباتٍ لتساؤلنا هذا.

النظرية الثنائية 

تشير النظرية الثنائية- باختصار- إلى أنّ وعي الذهن والطبيعة الماديّة للجسد هُما كيانان منفصلان تمامًا عن بعضهما البعض؛ فَالحالة الذهنية لشخصٍ ما تختلف تمامًا عن العقل وكيفية عمله ماديًّا. فلنفترض على سبيل المثال أنّك تمتلك قدرةَ بصرٍ خارقة تمكّنك من اختراق الحواجز المادية للجسد لترى دماغ شخصٍ ما عبر جمجمته، ورغم أنّك ستكون قادرًا على رؤية كلِّ خليَّةٍ عصبية أثناء إطلاقها إشاراتٍ عصبية عبر الجسد، إلا أنّه لمِن المُجحِف أن تدَّعي أنّك رأيت وعي الفرد حرفيًّا. فمن المعروف أنّ ارتباط الوعي بالعقل- كعضوٍ جسديّ- لا يجعلهما كيانين مُتشابهين. وتبحث معظم الأنواع المعاصرة للنظرية الثُنائية في إجاباتٍ مختلفة للكيفية التي يتفاعل فيها الجسد الماديّ مع الذهن اللاماديّ.

أشكال النظرية الثنائية  

ثنائية الجوهر (Substance Dualism): يُعتَبَر رينيه ديكارت المُلقَّب بأبي الفلسفة الحديثة أبا النظرية الثُنائية كذلك. أمّا ثُنائية الجوهر فهي الإيمان بأنّ الروح أو الذهن أو الوعي- مهما تريد أن تسميه- جوهرٌ منفصلٌ انفصالًا تامًّا عن الجسد، وهو جوهرٌ يتفاعل مع العالم الماديّ ضمن حدود العقل. 

ثنائية الخواص (Property Dualism): على عكس ثُنائية الجوهر، لا تعترف ثنائية الخواص بوجود ظواهر جسدية لا يُمكِن قياسها أو التفاعل معها؛ فهي تتمحور حول فكرة أن بعض أنواع الأجسام الماديّة- كالعقل مثلًا- لها نوعان من الخصائص: خاصية جسمانية وخاصية غير جسمانية. ويُؤمِن معظم أتباع الفلسفة الثُنائية بمنهج ثنائية الخواص. 

ظاهراتية مصاحبة (Epiphenomenalism): سواءٌ أكنت تُصدِّق بأفكارِ فلسفةِ ثنائية الجوهر أم بأفكار فلسفةِ ثنائية الخواص فأنتَ ستتبع أفكار الفلسفةِ الظاهراتية المصاحبة. وتتمحور الظاهراتية المصاحبة حول فكرة أنَّ الموجودات المادية تؤثر على الموجودات المادية فحسب؛ وبذلك ينعدم تأثير الذهن، اللامادي الذي قد يُشار إليه بالوعي، على العقل، كعضو في جسم الإنسان. أمّا بالنسبة للخلايا العصبية التي ترسل الإشارات العصبية- وبذلك قد نزعم وجود تفاعل بين ما هو ماديّ وما هو غير ماديّ- فهي مُلزَمة بالقيام بذلك؛ لأنها محكومة بالقوانين الفيزيائية. وإحدى التأثيرات الجانبية للدماغ أثناء إرساله إشاراتٍ عصبية هي المؤثرات اللامادية والمواد التي تنشأ عن هذه المؤثرات، والتي قد لا يكون لها أي تأثيرٍ على العالم الماديّ. 

إعلان

التوازي النفسي الجسدي (psychophysical Parallelism): إنّ التوازي النفسي الجسدي من أغرب أشكال النظرية الثُنائية؛ حيث يتمحور حول الاعتقاد بأنّ العالم الماديّ ونظيره الذهنيّ لا يتفاعلانِ مع بعضهما البعض، بل يسير أحدهما بالتوازي مع الآخر دون التقاء، ويكون هذا التوزاي مؤثرًا لدرجة أنّ أيّ حدثٍ في العالم الذهنيّ له نظير موازٍ له في العالم الماديّ، وهذا ما يتطلب قوَّةً خارجية- أي إلهية- لتأسيس هذه العوالم المتوازية. وانعدام إيمان المعظم- كمجتمعٍ غربي- بوجود قوة إلهية يقلل من شعبية هذه النظرية. 

النظرية الأحادية

تُصارِع النظريةُ الأُحادية النظريةَ الثُنائية في الحلبة الفلسفية، وقد تبدو لك هذه النظرية أكثر سلاسة من نظيرتها الثُنائية- حسب موقفك من كِلتا النظريتين بالطبع. يؤمن أتباع هذه النظرية بوجود جوهرٍ واحدٍ في الكون أجمع يُفسِّر وعي الفرد اللاماديّ وعقله الماديّ في ذات الوقت. ويؤمن معظم أتباع المنهج الأُحادي- أي معظم الفلاسفة والعلماء- بأنّ هذا الجوهر هو الموجودات الماديّة. ولكن هذا ليس التفسير الوحيد في جعبة النظرية الأُحادية.

أشكال النظرية الأحادية

الفلسفة الماديّة (Materialism): تتمحور الفلسفة الماديّة- وهي أولى أشكال النظرية الأُحادية- حول الاعتقاد بوجود نوعٍ واحدٍ من الموجودات في العالم؛ وهو النوع الماديّ الذي يتكوّن مِن الذرّات والجُسيمات دون الذرية. ويُعزي أتباع الفلسفة الماديّة الآمالَ والأحلامَ والمشاعر- التي قد يبدو لنا أنها تتكون من شيء آخر- إلى الوهم الذي يسببه تصميم أجسادنا الذي يعتمد على مدخلاتٍ حسّيّة. 

الفلسفة المثالية (Idealism): ينظر العديدُ من أتباع الفلسفة الماديّة لِأتباعِ النظرية الثُّنائِية باستصغارٍ ودونيّة لاعتناقهم وجهاتِ نظرٍ بالكاد روحانية ومبنيةٍ على أسس غير علمية؛ أمّا بالنسبة للفلسفة المثالية، فهي تكتسح الساحة الفلسفية باعتبارها الأكثر تميُّزًا. فَيؤمِن أتباع الفلسفة المثالية، أمثال جورج بيركلي وديفيد هيوم، بوجودِ الذهن الواعي فحسب دونَ أيّ موجوداتٍ ماديّة. وإن بدت لك هذه النظرية مُتطرِّفَة بعضَ الشيء، خذ الرأي التالي بعين الاعتبار: تُعتَبَر الفلسفةُ المثالية الوحيدةَ من نوعها التي تأخذ بعين الاعتبار الحقائق الكاملة التي نحوز عليها ولا تفترض وجود ظواهر بلا أيِّ أدلَّةٍ منطقية. 

الفلسفة الأُُحاديّة المُحايِّدة (Neutral Monism): ماذا لو كان هنالك نوعٌ واحدٌ من الجوهر في العالم، ولكنه ليس جوهرًا ماديًّا بحتًا ولا جوهرًا ذِهنيًّا بحتًا؟ أو بشكلٍ أكثر دِقّة، ماذا لو كان هذا الجوهر خليطًا من الاثنين؟ قد تبدو الفلسفة الأُُحاديّة المُحايدة وكأنها تابعةٌ للفلسفة الثُنائية في جوهرها، ولكن انظر للجانب الماديّ ونظيره الذهني على أنهما وجهانِ لعُملَةٍ واحدة؛  فحقيقةُ أنَّ وجهي هذه العملة لا يبدوان مُتشابهين اعتمادًا على الجهة التي تقِف فيها لا يعني أنه يوجد عملتان مُختَلِفتان- إحداها للجانب المادي والأخرى للجانب الذهني.

الأُحادية الانعكاسية (Reflexive Monism): تبدو هذه الفلسفة وكأنها تسللت من عالم الفلسفة الثُنائية من بابٍ سريٍّ. تتمحور الفلسفة الأُحادية الانعكاسية حول الفكرة الرئيسية للفلسفة الأُحادية المُحايدة؛ وجودِ نوع واحدٍ من الجوهر في العالم ولكنه ليس جوهرًا ماديًّا بحتًا ولا جوهرًا ذِهنيًّا بحتًا. إلا أنّ الاختلاف يكمن في أنّ هذه الفلسفة تُؤمن بأنّ هذا الجوهر يتغير حسب المحيط الذي يشغله؛ ليكونَ ماديًّا تارة وذهنيًّا تارةً أخرى. ومِن المُثير للاهتمام أنّ هذا الاعتقاد لمِن أعرق الاعتقادات الفلسفية التي يمكِن تتبع المراجع التي ناقشتها في كتاب الأوبانيشاد  الذي يُقدَّر تاريخ كتابته بين 800-200 قبل الميلاد.

لا تُعتَبَر أيٌّ مِن الفلسفتين- الثُنائية والأُحادية-  كافِيّةً بحَدِّ ذاتها لتفسير العالم كما نراه خلال تجاربِنا، ولكن المغزى منهما قد لا يكون كذلك؛ فلربما تهدِف الفَلسفتان إلى توسيع مدارك فكرنا لِنتقبل أيَّ إجاباتٍ مُتاحة لأكثر التساؤلات رسوخًا في التاريخ البشري. وبغضِّ النظر عن صحة هذه التفسيرات، فإن البحث فيها لأمرٌ ممتع بكُلّ تأكيد. 

نرشح لك: ابن سينا ومسألة العقل/الجسد

إعلان

مصدر المصدر
فريق الإعداد

إعداد: راما ياسين المقوسي

تحرير/تنسيق: نهال أسامة

تدقيق لغوي: تسنيم محمد

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.