تأخذك إلى أعماق الفكر

ابن سينا ومسألة العقل/الجسد

لقد حظي الفلاسفة المسلمون بتجارب فكرية عِدَّة. ومن ضمن تلك التجارب أسئلة قد راودتهم -على سبيل المثال- إذا تلاشت السماوات، فهل سيأخذ الزمان في الاستمرار؟ إذا كان الوجود مختلفًا عن الجوهر، فهل يعني ذلك أن الوجود نفسه يجب أن يكون موجودًا؟ هل يمكن أن يحول الله خادمة منزلك إلى حصان، وبالتالي تعود إلى المنزل لتجد أنه قد تبول على جميع كتبك؟

ولكن التجربة الفكرية الأكثر شهرة هي ما تسمى بتجربة “الرجل الطائر”، التي ابتكرها الفيلسوف الأكثر تأثيرًا في العالم الإسلامي ابن سينا.

يقول ابن سينا:

تخيل أن شخصًا ما قد خلقه الله في الهواء، وفي حالة جيدة ولكن بصره محجوب وأطرافه ممدودة بحيث لا يتسنَّى له لمس شيء ولا حتى جسده. هذا الشخص ليس لديه أية ذكريات، هو فقط خُلق للتو. هل سيكون ذهنه فارغًا، خاليًا من التجربة الحسية الماضية أو الحالية؟ يقول ابن سينا لا، وأردف قائلًا إنه سيكون أيضًا على بينة من وجوده.

ومن هنا تنشأ ثلاثة أسئلة على الفور.

أولًا، عندما تخيل دوغلاس آدمز، مؤلف كتاب دليل المسافر إلى المجرة، حوتًا ظهر في الوجود في الجو فوق كوكب أجنبي، السؤال هنا هل كان يقرأ دوغلاس آدمز لابن سينا أم لا؟ ليس لدي أي فكرة عن ذلك لكني أعتقد أنه فعل ذلك.

ثانيًا، هل كان ابن سينا محقًا في أن “الرجل الطائر” سيكون مدركًا لذاته؟ حسنًا، من المهم أن ندرك أن ابن سينا ​​لا يحاول أن يقول أن الرجل الطائر يعلم أنه موجود. لكنه يأخذ الأمر بوضوح. وفي الروايات المنقولة، يخبر ابن سينا القراء أنه يجب علينا أن نتخيل أننا مخلوقون هكذا. إذا وضعنا أنفسنا مكان الرجل الطائر المتدلي، يجب أن نعلم أننا سنكون مدركين لذواتنا.

في الواقع، اتضح أن هذه فكرة أساسية في فلسفة ابن سينا. إنه يعتقد أننا جميعًا على دراية ذاتية بأنفسنا دائمًا، حتى لو كنا نائمين أو نركز بشدة على شيء آخر غيرنا. ومن المفارقات أننا لا ندرك في الغالب كوننا مدركين للذات: إنه تلك الموسيقى الخافتة غير المتقطعة لعلم النفس البشري، وهو أمر نلاحظه فقط عندما يتم توجيه انتباهنا إليه، إنه وعي مسبق للذات. إن تجربة الرجل الطائر هي في حد ذاتها إحدى الطرق لجذب الانتباه إلى هذا الوعي الذاتي: ويطلق عليها ابن سينا اسم التنبيه، والتي تعني الإشارة لشيء ما.

إعلان

الوعي الذاتي لدينا هو شيء أساسي لانطباع شخصنا الأوليِّ على الأشياء. إنها علامة على ذلك أنه عندما أرى شيئًا أو أتخيله أو أفكر فيه، يمكنني أن أدرك على الفور أنني أراه أو أتخيله أو أفكر فيه. أي شكل آخر من أشكال الإدراك -أي وعي بأشياء أخرى- يفترض الوعي بالذات.

بالمناسبة، قد تعترض على أن الرجل الطائر سيكون له أشكال معينة من الوعي الجسدي على الرغم من افتقاره إلى الرؤية والسمع وما إلى ذلك. ألا يشعر هو على الأقل بموقع أطرافه من خلال شكل آخر من أشكال الإحساس، ألا وهو مايعرف بـ اسْتِقْبالِ الحِسِّ العَميق؟ تخيل أنك في ظلام دامس وأن ذراعك لا تتحسس أي شيء: إن مايسمى بـ اسْتِقْبالِ الحِسِّ العَميق هو الشعور الذي يخبرك أين هو ذراعك.

إنها بالفعل مشكلة في تلك التجربة الفكرية حيث يقوم ابن سينا بوضعها، لكنها ليست حاسمًا من الناحية الفلسفية. يمكن للمرء فقط تعديل السيناريو عن طريق إضافة أن الله يعوق قدرة الرجل على استخدام ذلك الحِسِّ العَميق، أو أن قدرة الرجل في اسْتِقْبالِ الحِسِّ العَميق تصادف وجود خلل ما. سيكون ادعاء ابن سينا ​​هو أنه حتى في ظل هذه الظروف، يكون الرجل الطائر على علم بنفسه.

الآن السؤال الثالث والأصعب: ماذا تثبت تجربة الرجل الطائر؟

يستخلص ابن سينا ​​استنتاجًا مفاجئًا: يوضح أننا لسنا متطابقين مع أجسادنا. فالرجل الطائر يدرك نفسه؛ هو يعلم أنه موجود. لكنه لا يعلم بوجود جسده. إنه لا يعرف أن جسده موجود. وإذا كنت على علم بشيء واحد ولكن ليس بشيء آخر، فكيف يمكن لهذين الشيئين أن يكونا متطابقين؟

هذا يبدو مقنعًا إلى حد ما حتى تعلم أنه يمكن للمرء أن يدرك شيئًا ما دون أن يدرك كل شيء عنه. على سبيل المثال، كنت على دراية بقراءة هذا المقال خلال الدقائق القليلة الماضية، لكنك لم تكن على دراية بقراءة شيءٍ مكتوبٍ أثناءَ عزف موسيقى ما. سيكون من الخطأ أن نستنتج من هذا أن المقال ليس شيئًا مكتوبًا وقت عزف موسيقى ما. في الواقع، هذا هو بالضبط ما هو عليه. بعبارة أخرى، يمكن أن يكون الرجل الطائر على علم بنفسه دون أن يدرك أن نفسه هي جسد. قد يقول الفلاسفة المعاصرون إن ابن سينا ​​ينتقل عن طريق الخطأ من سياق “شفاف” إلى سياق “غير شفاف”، وهو في الأساس طريقة خيالية لقول ما قلته للتو.

بذلت جهود لتجنيب ابن سينا هذا الخطأ. إحدى الطرق الممكنة لإنقاذ الحجة ستذهب هكذا. يحاول ابن سينا ​​انتقاد طريقة أخرى للتفكير في الروح، وهي طريقة تعود إلى أرسطو. ووفقًا للنظرية التي يرفضها، ترتبط الروح ارتباطًا وثيقًا بالجسم بحيث لا يمكن فهمها إلا كجانب أو مبدأ منظم للجسم، وهو ما أطلق عليه أرسطو “شكل” الجسم. تم تصميم تلك التجربة الفكرية لتظهر خطأ هذه النظرية. وتلفت تلك التجربة انتباهنا إلى أننا لدينا وسيلة للوصول إلى أرواحنا بصرف النظر عن الإحساس الجسدي، أي الوعي الذاتي.

كيف يدحض أرسطو هذا؟

حسنًا، فكر مجددًا فقط في السبب وراء عدم علم الرجل الطائر بجسده. السبب في ذلك هو أنه لا يستخدم حواسه حاليًا ولم يفعل ذلك أبدًا (تذكر أنه قد بدأ لتوه في الوجود فقط)، والإدراك الحسي، كما يفترض ابن سينا، هو الطريقة الوحيدة للتعرف على أي شخص. إذا كان هذا صحيحًا، فإن أي شيء يدركه الرجل الطائر دون استخدام الإدراك الحسي ليس جسمًا وليس مادة. نظرًا لأنه يمسك بروحه دون استخدام الإدراك الحسي، فإن روحه ليست جسدًا.

في هذه القراءة، سيساعد ابن سينا نفسه على افتراض كبير، وهو أنه لا يمكن اكتشاف الأجساد إلا عن طريق الحواس. يمكنك رؤيتها أو سماعها أو لمسها أو تذوقها أو شمها، لكن بخلاف ذلك لا يمكنك أبدًا معرفة وجودها. وعند أرسطو كانت الروح شكلًا من أشكال الجسد، إذا لم تتمكن من الشعور بالجسد، فإنك لن تستطيع الوصول الروح؛ وحتى الآن، كما يزعم ابن سينا، إن الرجل الطائر يمكنه الوصول إلى روحه.

أظن أن هذا هو (على الأقل جزئيًا) ما كان يدور في خلده لإنشاء تجربة التفكير هذه. لكن هذا لا يعني أنني مقتنع. كل ما فعله ابن سينا حقًا هو إلقاء تحدٍ على خصومه الماديين: أظهر لي كيف يمكن للجسم أن يكون على دراية بنفسه دون استخدام الإحساس للقيام بذلك.

إعلان

مصدر مصدر الترجمة

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.