تأخذك إلى أعماق الفكر

مراجعة الحلقة الأولى من الموسم الثالث لمسلسل Black Mirror

دوّامة مظلمة تحوم حول المفهوم المزيف للمدينة الفاضلة في عصرنا الحالي

0

عودة مسلسل الهجاء الاجتماعي “Black Mirror” -أكثر المسلسلات التلفزيونية التي تحفز المشاهد على التفكير بعمق-  بإصدارٍ يزوّد المشاهد بلمحةٍ عن المستقبل المظلم.

الاجتماعي

إن الثقة بالنفس أمر في غاية الغرابة في عصرنا هذا، فكثير منّا لا يعتمد على منظوره الشخصي حول ماهيّة تقدير الذات والسعادة. ويعود ذلك إلى انغماسنا في مواكبة المعايير التي حددها فضاء الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي؛ التي أنجبت بدورها جيلًا جديدًا من النرجسيين. فتَقدير الفرد لذاته يعتمد حاليًا على عدد “الإعجابات” التي تتكدس على ألبومات صوره المعروضة في فضاء الإنترنت وعلى مهاراته في سردِ واقع حياته للمجتمع الإلكتروني.

فلربما قضينا سهرةً ممتِعة نرقص ونضحك برفقة أصدِقائنا، ولكن تفقدُ هذه الذكريات قيمتها للعديد منّا إن لم نلتقط الصور وننشرها على مواقع التواصل الإجتماعي لتحظى على استحسان العالم. وأدّى هذا بنا إلى خوض غمار حياتين منفصلتين؛ حياتنا الحقيقية بأيامها الجيّدة وتلك السيّئة التي تكشّر عن أنيابها في وجهنا، وحياتنا الإلكترونيّة المنظّمة التي لا تشوبها شائبة والتي نرغب أن يراها الجميعٌ ليُبدوا إعجابهم بها ويغبطونا عليها عندما يرونها من خلال فلاتر الانستغرام المزيّفة.

إعلان

حيث أصبحت عملية نشر الصور في موقع انستغرام والتقاط صور السيلفي بشكل عام شكلًا من أشكال الفن الذي يحاول الجميعُ إتقانه من خلال التموضع في زوايا تصوير غريبة على أمل تعزيز تقديرهم لذواتهم. فلربما نتمكن من خداع أنفسنا لنصدق بأننا نعيش الحياة المثالية من خلال إقناع الآخرين بوجودنا الساحر في هذه الحياة، حتى لو أن هذه المثالية تم تحديدها من قِبل وسائل التواصل الاجتماعي.

تستعرض هذه الحلقة بعنوان الهبوط (Nosedive) هذا النهج إزاء الحياة بطريقة تفوق الواقع خيالًا وإبداعًا. حيث تدعوك هذه الحلقة لتخيل وجود المدينة الفاضلة في عصرنا الحاليّ؛ مدينةٌ يُحيّي فيها الناس بعضهم البعض وينعمُ الجميع بتلقي الكثير من الابتسامات ممن حولهم ولا يتحدثون بالسوء عن غيرهم. ففي هذه المدينة الخيالية، يعيش الجميع حياتهم بأدب واحترام ويتعاملون مع المشاكل بأسلوبٍ يُخفي العدائية بين جوانبه. حيث أصبحت الصراحة صفة من صفات الزمن الغابر وذلك لأن أي تعليق يتّسم بالصدق أو بالسخرية يؤدي إلى اضمحلال قيمة من تفوَّه بها. فسكّان عالم Nosedive مجرد أرقامٍ ترتفع قيمتها في المجتمع بازدياد عدد تسجيلات الإعجاب.

كما أنهم متّصلون بشكل دائم بهواتفهم الذكية من خلال زرع شبكية عينٍ تمكّنهم من رؤية تقييم من يقابلونه فَورَ إلقاء نظرة عليه. ويستند تقييم البشر على تعاملهم وتفاعلهم مع بعضهم في الحياة الواقعية وعلى الصور التي ينشرونها على شبكة الإنترنت، فكلما كانت ابتسامتك أوسع وشعرك أجمل وفلاتر صورك أكثر روعة كلما ارتفع تقييمك. حيث تحصل على صلاحية الاشتراك في نوادٍ خاصة وحصرية وتتمكن من السكن في منازل مميزة وتستطيع قيادة سيارات فاخرة وتحصل على حجوزات -فور وصولك للمطار ودونَ حجز مسبق- لمَقاعد شاغرة في رحلات الطيران التجارية في حال ارتفاع تقييمك عن 4.5. أمّا إذا انخفض تقييمك عن 3.5 فتتم معاملتك كحثالة البشر، فتضطر إلى قيادة سيارة قديمة على وشك التحطم وتواجه صعوبة في إقناع الآخرين بالتعامل معك خوفًا من أن تتم رؤيتهم برفقتك.

المستقبل

وفي دور البطولة، تمثل  Bryce Dallas Howard شخصية شابة طموحة تُدعى Lacie ترغب في شراء شقة في مجمع سكني راقٍ. وعلى الرغم من أنّ سعر هذه الشقة مبالغ فيه بشكل يدعو للاشمئزاز وأنها مُصمَّمَة بحيث تناسب ذوي الشخصيات السطحية إلا أنّ Lacie مصمِّمة على شرائها. ويعود إصرارها إلى حاجتها للعيش في تلك المنطقة حتى تصل إلى مستوى القناعة والاطمئنان الذي سعت له منذ زمن طويل. إلا أنها تواجه مشكلة واحدة؛ تقييمها يساوي  4.3 بينما يوافق المجمع السكني على ضمّ اولئك الذين يساوي تقييمُهم 4.5. لكنّ Lacie متفائلة جدًا، فهي تستطيع الوصول إلى التقييم المطلوب بمساعدة مدرب متخصص في تحليل تقييم الأفراد خلال فترة قصيرة وذلك من خلال تعليمها الوسائل الممكنة لرفع تقييمها. فكل ما عليها فعله هو مصادقة ذوي التقييمات المرتفعة، فعندما يتعاملون معها يرتفع تقييمها تلقائيًا فور أن يقيّموها.

وتعتزم Lacie أن تتواصل مع صديقة طفولتها Naomie -تمثل دورها الممثلة Alice Eve– التي تتابع Lacie نشاطها على شبكة الإنترنت وذلك لهوسها بها منذ الطفولة. ففي الوقت الحاضر، أصبحت Naomie من الشخصيات الضحلة والتافهة التي وصل تقييمها بثبات إلى 4.7.

ومن حظِّ Lacie أنّ Naomie تتصل بها وتطلب منها أن تكون وصيفة الشرف في زفافها، الأمر الذي يعدُّ فرصة مثالية لرفع تقييمها من خلال إبهار الحضور بخطابها.

وتحرص Lacie على أن يكون محتوى خطابها مُبهِرًا من وجهة نظر الحضور الذين يشكّلون كنزًا من الضيوف الحصريين والمتميزين؛ إلا أنه لا ينبع من صدق مشاعرها بل من استماتةٍ للوصول إلى التقييم المرموق. ولكن في طريقها إلى الزفاف، يستمر تقييمها بالانخفاض تدريجيًا مُسبِّبًا لها العديد من العقبات.

على الرغم من أنّ هذه الحلقة تطفو على سطح الموسم الثالث من مسلسل Black Mirror باعتبارها حلقة لطيفة مقارنة بالحلقات القادمة التي تعرض المستقبل المجهول، إلا أنّها لا تزال صفعة قوية وانفعالية في وجه المُشاهِد. وفي حين أن معظم أعمال الكاتب Charlie Brooker ترتكز في جوهرها على السؤال المستقبلي “ماذا لو”، إلا أن هذه الحلقة تعتبر إثباتًا -ذو جوانب زاهية الألوان- على الحياة التي نتّجه نحوها دون بصيرة تُذكَر. فقد أمسينا نعتمد على حقيقة أن حياتنا الإلكترونية قابلة للتعديل بما في ذلك كلامنا ومَظهرنا الخارجيّ وصحتنا النفسية، إلا أنّه من المستحيل مواكبة هذه التمثيلية الهزلية في حياتنا الواقعية ما لم يكن هدفنا في الحياة خسارةُ تقدير الذات. فالحد الرفيع الذي يفصل بين الحفاظ على المظهر الخارجيّ واحترام الذات الحقيقة أخذ يصبح  مشوّشًا بشكل تدريجيّ في هذا العصر؛ وتهدف هذه الحلقة إلى تحذير المُشاهد من تداعيات تلاشي هذا الحدّ.

يحوم الجدل حول كون نهاية حلقة Nosedive نهايةً سعيدةً أم تعيسةً. إلا أن كاتب هذا المسلسل اختار بكل سرور أن يقضي بقيّة حياته منفصلًا عن شبكة الإنترنت في زنزانة منفردة مما يعنى أنّه سيتصرف على سجيته وسيعلن حقيقته للعالم بعيدًا عن الفلاتر المزيفة وبغض النظر عن بشاعة أيّامه، وتتفق بطلة مسلسلنا معه.

فريق الإعداد

إعداد: راما ياسين المقوسي

تدقيق لغوي: ندى حمدي

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.
مصدر مصدر الترجمة
تعليقات
جاري التحميل...