تأخذك إلى أعماق الفكر

المنعرج الهرمينوطيقي للفينومينولوجيا

بالرغم من وجود كتاب يحمل نفس الاسم في عنوان المقالة إلا أنني لن أكتب تلخيصًا لأفكار الكتاب وربما أفعل ذلك لاحقًا. ولكن ما سأقوم به الآن هو شرح هذا المنعرج الهرمينوطيقي ليسهل على القارئ قراءة الكتاب وكمدخل للفينومينولوجيا كنظرية للمعرفة (أبستمولوجي) وعلاقتها بالوجود (أنطولوجي) وتوضيح علاقة كلّ ما سبق باللغة.

مامعنى الفينومينولوجيا

نبدأ بالتعريف اللغوي والفلسفي لمصطلح الفينومينولوجيا. إنّ الظاهر أو الظاهرة هو الأساس الذي يدرسه أصحاب كلّ من المذهب الظاهري – ليس لنا علاقة به الآن – وعلم الظواهر (الفينومينولوجيا). لا يختلف معنى كلمة الظاهر في اللغة العربية عنه في اللغات اللاتينية الحديثة، إذ يُقصد به ما ظهر من الشيء مقابل ما خفي منه. أضف لذلك المعنى الفلسفي لكلمة الظاهر لدى فلاسفة الغرب الذي يعتمد على المعنى اللغوي السابق ثم يزيد عليه كثيرًا من السمات الفلسفية. فالظاهر هو الحوادث الملاحظة بواسطة الحواس والتي تدور حولها المعرفة عامة. وكانت كلمة الظاهر تعني في الفلسفة اليونانية الموضوعات الجزيئية الحسية المتغيرة التي تقف في مواجهة الكليات العقلية الثابتة؛ أي الماهيات. ومن ثمّ كانت المعرفة الظاهرية بهذا المعنى في العصر اليوناني تعتبر معرفة غير صحيحة وليست يقينية لاعتمادها في عملية الإدراك على الحواس، عكس المعرفة القائمة على الماهيات الكلية الثابتة والمعتمدة على العقل وبديهياته اليقينية. لكن تغير هذا المعنى في العصر الحديث خاصة بعد تقدّم العقل التجريبي، حيث أصبحت الظواهر هي الموضوع الحقيقي للإدراك والمعرفة. ولم تظهر أهمية هذا المصطلح في الفلسفة الحديثة بصورة واضحة إلا منذ عصر “كانط” تقريبًا ثم تعددت بعد ذلك المذاهب والاتجاهات الفلسفية في تقديرها وفهمها للظواهر.

فينومينولوجيا هوسرل

ما يعنينا هنا هو فينومينولوجيا هوسرل الذي حدّد هدفًا واضحًا للفينومينولوجيا عنده. وهدف هوسرل يتمثل في تأسيس الفلسفة كعلم يقيني كلّيّ دقيق، يكون موضوعه الماهيات العقلية المجردة ويقف هذا العلم على مستوى أعلى من العلوم والمعارف الأخرى. بمعنى آخر، كان هوسرل يحاول أن يحوّل الفلسفة ذات الطبيعة الفردية المذهبية المتعارضة والمتنوعة لتصبح علمًا يقينيًا. كما كان هوسرل يؤكد باستمرار أنه جاء ليحلّ مشكلة النزاع بين الواقعية والمثالية – نظريّتي الأبستمولوجي المعروفتين – تمهيدًا لأن يعلو إلى مجال آخر محايد يكون أبعد من الموقف الطبيعي والموقف المثالي. وذلك أثناء معالجته لمشكلة المعرفة وتفسيره لعملية الإدراك وتوضيحه للعلاقة القصدية المتبادلة بين الشعور الداخلي والعالم الخارجي (انتبه لهذه القصدية لأنها هي التي ستسبب المنعرج الهرمينوطيقي وهو ماسنشرحه لاحقًا).

القصدية وعلاقتها بالمنعرج الهرمينوطيقي

كان علم النفس حتى النصف الثاني من القرن التاسع عشر يدخل ضمن المباحث الأساسية والموضوعات الرئيسية للفلسفة. ولم تكن الاتجاهات العلمية والمناهج التجريبية قد ظهرت فيه بوضوح كبير، وإنما كانت مقدماتها هي التي بدأت تغزو ميدانه تدريجيًا على يد علماء النفس. لذلك أصبح علم النفس في هذا الوقت يجمع في جوانبه بين مقدمات الاتجاه العلمي التقريري الجديد والمؤثرات الفلسفية المعيارية القديمة. وتداخلت في هذه المرحلة الانتقالية موضوعات علم النفس مع موضوعات علم المنطق. وقد ترتب على هذا التداخل أن ظهرت مشكلة أساسية في نهاية القرن السابق، تمثلت في السؤال التالي: كيف يمكن الجمع بين علم النفس باعتبار أنه علم تقريري وعلم المنطق باعتبار أنه علم معياري؟ وكانت الإجابة على هذا السؤال تمثل المحور الأساسي الذي قامت عليه الكثير من الفلسفات في أواخر القرن التاسع عشر.

في هذه الفترة، ظهر “برنتانو” ليحلّ هذه المشكلة بطريقة مدرسية وعلى أساس مبدأ الإحالة المتبادلة بين الشعور الداخلي والموضوعات الخارجية، التي تمثلت في فكرة القصدية التي كانت سائدة في العصر المدرسي الوسيط. فقرّر أنّ لكل تجربة جانبًا نفسيًا (يتمثل في الفعل) وجانبًا موضوعيًا (يتمثل في الشيء) وكل منهما يتجه إلى الآخر ويتكامل معه. وقد استخدم القصد لكي يصف العلاقة بين الذات والموضوع كما تبدو في فعل الإدراك. وكانت تلك الفكرة عن القصدية بعد انتقالها إلى هوسرل تمثل في نظر بعض المؤرخين الرابطة الأساسية بين فلسفة هوسرل خاصة والفلسفة المعاصرة عامة من جهة، والفلسفة الوسيطة من جهة أخرى.

إعلان

ولفهم ما يعنيه برنتانو نعرض ما جاء في كتابه “علم النفس من وجهة نظر تجريبية” الذي قال فيه: الظواهر النفسية تشتمل ضمنيًا على اتجاه قصدي قائم في الشعور، وأن البحث عن الحقيقة يكون في عملية إدراك الشعور لهذه الظواهر القصدية. لأن الحقيقة ليست قائمة في الأشياء الخارجية وإنما هي موجودة داخليًا عندما تكون موضوعًا عقليًا كامنًا في الذات وتمتزجه الشعور، وهي تصبح كذلك بفضل الطبيعة القصدية للشعور. والشعور الإنساني الخالص غير موجود بذاته، وإنما لابدّ من أن يتجه نحو الأشياء ليلتحم بها ويدركها، وكل فعل نفسي للإدراك يصاحبه دائمًا شعور مرتبط به .

تأثر هوسرل بنظرية أستاذه برنتانو عن قصدية الشعور. واستعان بفكرة القصدية في سعيه لتأسيس الفينومينولوجيا كعلم وصفي للشعور وكعلم يقيني يعتمد جوهريًا على فكرة القصدية ولكن من منظور جديد. ولفهم الفرق بين برنتانو وهوسرل نرى أن برنتانو ومن بعده تلميذه ماينونج اقتصر اهتمامهما في بحوثهما النفسية على دراسة الحالات النفسية وموضوعات الإدراك في هيئة فردية جزئية لأنهما لم يكونا قد اكتشفا بعدُ المعنى الأساسي والحقيقي للتحليل القصدي.

أما هوسرل فقد تخطى هذا الموقف وسعى إلى تحويل هذه الفرديات وتلك الجزئيات إلى حقائق كلية وماهيات عامة. يضاف لذلك أنّ برنتانو استعان بالأفعال العقلية ليميز بين الظواهر الفيزيائية والظواهر النفسية، حيث انتهى إلى أنّ الأخيرة فقط هي التي تنطوي على الضرورة واليقين والحيوية، وأنها تقصد موضوعاتها وتتجه إليها لتدركها تلقائيًا. ثم ركّز جهوده على دراسة الأفعال القصدية في ارتباطها بموضوعات الإدراك القائمة في العالم الخارجي. أما هوسرل فقد طور هذا المعنى القصدي البسيط ووسع استخدامه في تحليل فعل الإدراك العقلي واهتمّ بدراستة أكثر ليس من حيث ارتباطه بموضوعات العالم الخارجي، وإنما من حيث صلته بالشعور الداخلي وأفعاله القبلية. وأصبح التحليل القصدي للتكوين الشعوري يختصّ عنده بدراسة عمليات الربط والتأليف وحدس الماهيات وغيرها بطريقة أكثر عمقًا وخصوبة عما كانت عليه القصدية عند برنتانو. حتى أنّ هوسرل بعد أن قام بتطوير فكرة القصدية انتهى لتأسيس علم نفس فينومينولوجي متعال يختلف جوهريًا عن علم النفس القصدي لبرنتانو .

ظهور المنعرج الهرمينوطيقي للفينومينولوجيا

كلمة منعرج هي ترجمة للكلمة الفرنسية “Le tournant” ولها معانٍ أخرى مثل منعطف أو نقطة تحول. كان هوسرل  شديد الحرص في أي محاولة لاقتراب الهرمينوطيقا من فلسفته لأن الهرمينوطيقا تتعامل مع الباطن وهو مايخالف فلسفة هوسرل الظاهرية، ولكن حدث نقطة التقاء بعد ذلك بين الفينومينولوجيا والهرمينوطيقا.

فكيف ظهرت نقطة التحول هذه؟

كما شرحنا سابقًا أنّ الفينومينولوجيا تعني الدراسة الوصفية للظواهر كما تبدو لنا، وأنها تعني العودة إلى الأشياء ذاتها. وأن الظواهر إجمالاً ليست ظواهر عبثية أو عفوية وإنما هي ظواهر تختزل قصدًا معينًا يشكّل ماهية توجّهها بالأساس. لذلك نجد أنّ مسألة القصدية التي شرحناها تحتلّ واسطة العقد داخل التراتيبية المنهجية لهوسرل بحيث يتحوّل كلّ شعور – بما أنّ الشعور هو أداة التقاطنا للظواهر– إلى شعور بشيء ما. ولكن المشكلة هنا -كما يرى غراندان نفسه- هي أنّ القول بأن الفينومينولوجيا تعني العودة إلى الأشياء ذاتها ليس فيه أي معنى معرفيّ جادّ، لأنّ كلّ الفلسفات تهدف للعودة إلى هذه الأشياء وإن سلكت طرقًا متباينة في ذلك. لذا ولمجاوزة هذا الانسداد المعرفي – المنهجي الذي وقعت فيه فينومينولوجيا هوسرل اقترح علينا “أندري دو ميرا” مقاربة جديدة لفينومينولوجيا هوسرل تنزع عنها غشاء الصورانية المفرطة والوصفية المبسطة وتدخلها عالم المعنى والدلالات (لاحظ أنه بمجرد وصولنا للمعنى والدلالة فقد سمحنا للهرمينوطيقا بالتدخل). قام أندري دوميرا بذلك عن طريق دحض لبعض المسلّمات التي رافقت توظيف هوسرل لمفهوم القصدية المنحدر إليه أصلاً من بحوث فرانتز برنتانو حول علم النفس التجريبي.

فهو يعتقد أنّ القصدية مفهوم متعدّد الأبعاد والدلالات، فهي ليست الشعور القصدي بل ينبغي النظر إلى القصدية كعملية تكاملية وتبادلية إما انطلاقًا من الذات-الموضوع إلى الأصل-الغاية أو العكس. وأنّ موضوع الفينومينولوجيا ليس الموضوع الخارجي أو الحسّ ولكنه الموضوع المنعكس في الشعور، ما يؤدي إلى ظهور معادلة جديدة قائمة على أساس من المحايثة بين الشعور-الموضوع والشعور- المعنى . وأخيرًا من حيث أنّ ماهية الفينومينولوجيا ليست ماهية وصفية منشغلة بوصف العالم الواقعي ولكنها ماهية منطقية هدفها البحث في المعاني والتنقيب في الدلالات.

يأتي بعد ذلك هايدجر، وهو تقريبًا الصانع الحقيقي للمنعرج الهرمينوطيقي للفينومينولوجيا عن طريق مقاربة بسيط في مظهرها وعميقة معقدة بل ملتوية في مضمونها ومفادها أن فينومينولوجيا هوسرل ضرورية لفهم إشكالية الوجود في مستوى أفقي، وصفي إلا أنها لا تستطيع الغوص داخل الكينونة لاستظهار مكنوناتها الباطنية لأنها بذلك تكون قد تجاوزت ما انتدبت له أصلاً. هنا تبدأ مهمة هايدجر الأنطولوجية التي تلعب فيها اللغة دورًا محوريًا وذلك عن طريق إشكالية الوجود عنده. فهو يقول أننا لنفهم ظواهر العالم الخارجي لابدّ لنا من فهم أمّ الظواهر وهي الكينونة، ولكي نفهم الكينونة علينا أن نفهم العنصر الأصيل فيها وهو الكائن، ولكي نفهم هذا الكائن الغفل لابدّ من تحليله وتشريحه ربما نظفر ببعض معانيه الدفينة، والوسيلة الوحيدة لفك رموز الكائن هي اللغة. وهنا يأتي دور الهرمينوطيقا.

المراجع:
1 - المنعرج الهرمينوطيقي للفينومينولوجيا تأليف جان غراندان ترجمة عمر مهيبل
2 - فكرة الفينومينولوجيا تأليف هوسرل ترجمة فتحي إنقزو
3 - الفينومينولوجيا عند هوسرل تأليف سماح رافع محمد
4 – الكينونة والزمان تأليف هايدجر وترجمة فتحي المسكيني

 

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: أحمد محمد

تدقيق لغوي: ضحى حمد

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.