تأخذك إلى أعماق الفكر

قصّة: المنزل السعيد

يدقُّ باب السيد آرثر قرابة الساعة العاشرة صباحًا . . . . يفتح هذا الأخير، ليجد أمامه سيدة متأنقة، عليها معطف خفيف أسود اللّون، يتماشى جدًا مع تنورتها القصيرة التي تُغطي ساقين نحفيتين يميلان إلى السمرة قليلًا، أمّا وجهها فكان يعكِس جمالًا أنثويًّا يسلِب الألباب، فقد كانت عيونها عسليّة مغطاة بنظارات متوسطة الحجم، تجعل أي شخص يشعر أنّه أمام أعينٍ ذكيّة وكبيرة تحدِّق فيه، إضافةً إلى شعر أملس متدلي وحريريّ مربوط بعقدة في آخره يشبه في ذلك ذيل فرس أصيلة . . .

قالت السيدة:” مرحبًا، أنا الأخصائيّة النفسيّة مرنا تيريزا التي أرسلتها شركة ستيفنسون للقيام بتقريرها عنك يا سيد فان آرثر، أتمنّى أنّك على علم بذلك؟ للوهلة الأولى كان آرثر فاغر الفاه، محدِّقا مِلأ عينيه إلى الآنسة الفاتنة أمامه، لكنه يعدّل من نفسه سريعًا مدّعيا اللامبالاة ومتلفظًا بجوابه:” نعم، لقد كنت في انتظار مبعوث الشركة حتى استقبله . . أرجوك تفضلي”.

لقد كان آرثر قد تقدم لوظيفة مهندس برمجيات من قبل في شركة ستيفنسون كونه قد أنهى دراسته الجامعية للتو، منثلاثة أشهر تقريبًا، حيث قال لنفسه: ” لقد انتهى وقت المرح، وحان الوقت لإيجاد وظيفة تناسب معارفي، ابدأ بها في بناء حياتي”.

إلّا أنه قد استغرب وجود شرط الموافقة من طرف أخصائي نفسيّ ضمن شروط القبول في الوظيفة، الأمر الذي دعاه إلى طرح السؤال على السكرتيرة التي كانت حينها مشغوله بتعبئة المعلومات التي تخصّه في حاسوبها، ومن غير أن ترفع رأسها تجاهه، أجابته:” إنّ توفر وظيفة مهندس البرمجيات كان بسبب انتحار الموظف السابق من بناية الشركة، ولتفادي مثل هذه الحوادث مستقبلًا، تم إضافة شرط موافقة أخصائي نفسي على طلبك التوظيف هذا”.
لم يعر آرثر السكرتيرة أي انتباه، ذلك أنّه كان يظن أنها فكرة فاشلة، مع احتمال أن المهندس السابق ربما قد قُتِل ولم ينتحر!
تُدخِل الآنسة تيريزا الملاحظة التالية ‘صالة كبيرة على يمينها، تحوي أفرشة مزخرفة برسومات قديمة لكنها جميلة جدًا’

قالت هذه الأخيرة فأجاب الشاب على تعليقها: ” هيا سأريك بقية تفاصيل البيت، فأنا متأكد أن ذلك سيساعدك في تقديم تقريرك”
ارتبكت الأخصائية النفسية من فكرة اكتشاف بيت هذا الشخص الغريب، لكنها مشت معه بفعل لا إراديّ، وهي تنظر إلى وجهه الذي يبث السرور و البهجة، لقد كان الشاب متوسط القامة، عسلي العيون هو الآخر مثلها، ذو لحية سوداء خفيفة ومهذبة، تضفي عليه مزيدًا من الوسامة، إلّا أنه كان يكره شعره الخشن والداكن، حيث كثيرًا ما كان يغطّيه بقبعة تليق به، حتى لا تُنقص وسامته. 
” هيا، يا آنسة، ستستمتعين، أؤكد لك”، تكلّم الشاب بنبرة تدلّ على حماس ورغبة.

إعلان

لقد كان آرثر في الواقع، يريد أن يستبدل الجلسة المملة التي ستقوم بها هذه الفاتنة بشيء أكثر فائدة كموعد معها، مثلًا.

لقد علم الشاب الوسيم أنه لن ينال فرصة للتعرف على الآنسة تيريزا، بما أنّها الأخصائية النفسية فستكون جميع الأسئلة من حقّها فقط، حتى نوع هذه الأسئلة لا يغلب عليه الطابع الشخصي، فكان الحل أن يجعلها ترى البيت الذي يسكن فيه، لكي يلفت انتباهها إلى شخصيته الحاذقة، فكرة خطرت له لما أظهرت إعجابها بزخرفة الصالة التي شاهدتها . . . فما الذي كان يتميز به منزل الشاب آرثر عن بقية المنازل؟

كان المنزل يحوي الصالة التي شاهدتها تيريزا، وإضافة لأربع غرف متوسطة الحجم، تأتي متناظرة على طول رواق ممتد، مع مطبخ أكبر بقليل يبدأ بعد نهاية الرواق وفي خلفية المنزل كانت توجد حديقة صغيرة حافلة بأنواع من الزهور لكن هذه الغرف مع المطبخ والحديقة لم تكن كأي شيء مألوف في البيوت بل كانت كل غرفة تحكي عالمًا بحاله.

الغرفة 1:

كانت هذه الغرفة الأولى التي تأتي في الترتيب بعد الصالة، كل بقعة جدار منها تحمل طلاءً مختلفًا عن الآخر، أشبه بالّلوحات الفنية التي تكون بمثابة خليط غير متناسق من الألوان، تحمل الغرفة في داخلها قطعة خشبية بحجم كرسي، وأوراق رسم كثيرة مبعثرة، بعضها ممزق، وبعضها الآخر قد فقد شكله المنتظم تحت ضغطة اليد العنيفة إلا أنه بجانب القطعة الخشبية، كانت هناك صورة للوحة ليوناردو دافنشي الموناليزا، بجانبها ورقة رسم تناسب حجم صورة الموناليزا، فيها نصف وجه فقط، من غير تلوين . .

أما على الأرضية، فقد كان هناك أقلام كثيرة مرمية، منها أقلام للرسم مختلفة في سمك الرأس، و منها أقلام للتلوين بفرشاة في آخرها، و أقلام تلوين بغير فرشاة، أيضًا بعض المقابض الحديدية الحادة، مع شيء من السكاكين الصغيرة والبراغي.
لقد كان آرثر يسمي هذه الغرفة بــ غرفة الفن . . ذلك أنه خصصها للأعمال الفنية كالرسم والنحت، فكان يأتي بصور اللوحات العالمية ويحاول تقليدها بدقة . . صحيح أنه كان يفشل غالبًا، إلا أنه كان قد تحسّن كثيرًا بتراكم المحاولات . . .

المحاولات التي كانت محبوسة في تلافيف الأوراق الملقاة على الأرضية، حاملة في داخلها تقليدًا لــسانتي رفائيل ومايكل انجلو، وفي هذه المرة الموناليزا لدافنشي . . .وبجانب الرسم، كان النحت ميزة ثانية لتلك الغرفة الملطخة جدرانها، فقد كانت القطعة الخشبية المتمركزة وسط الفوضى الفنية نموذجًا ليبدأ آرثر فيه مشوار النحت، تقليدًا كذلك لكبار النحاتيين كــمايكل أنجلو أو برنيني الذي يملك لهما بعض صور التماثيل للملائكة التي نحتوها في كنائس روما الإيطالية، رغم أنه لم يكن يملك العِّدة اللازمة، لكن المقابض الحديدية الحادة كانت بداية لابأس بها . . .

لم تكن الغرفة الأولى دومًا غرفة الفن، حتى ثار فضول آرثر لما راح صديقه ريتشارد يمدح لوحة الموناليزا، ويتفاخر بنسبه الإيطالي مع الفنان والرياضي الكبير دافنشي، أما آرثر فقد أحس بفجوة في قلبه، حيث لم يشعر بأي تعظيم لهذه اللوحة رغم الشهرة التي تتمتع بها، فعلم أنه لابد من تجربة شيء واحد لكشف كنهها . . . رسمها . .

بالمحاولات العديدة التي كان يقوم بها هذا الشاب، صار يجد نفسه يعجب بهذا العمل الفني للإيطالي الشهير، وأنه يقع في حب هذه اللوحة شيئًا فشيئًا، يزيده ذلك تحفيزًا ورغبة في بلوغ متعة أكبر مع كل محاولة أكثر جدية . . . تبدأ عاصفة من العواطف والأفكار تخالجه حينما يمسك تلك الريشة، واضعًا بها خطًّا على تلك الورقة كأن دافنشي نفسه قائمٌ ليرشده . . بل كأنه دافنشي بنفسه . .

الغرفة 2:

تقع الغرفة الثانية في الجهة المقابلة للغرفة الأولى من الرُواق، تواجهك نافذة كبيرة عند دخولك من الباب في نهاية الغرفة، بها ستار أصفر ذو شراشف حمراء في حال ظهور شمس ساطعة، وفي وسط الغرفة توجد طاولة صغيرة، عليها مزهرية تحمِل بعض الورود الاصطناعية يحيط بها الكثير من المجلات العلمية المكدَّسة، التي يوجد بعض منها كذلك في الرف الثاني لخزانة الكتب التي كانت في الزاوية اليُمنى للنافذة. حيث كان الهدف من هذه الأخيرة شيءٌ واحد ألا وهو تحديد الأزمنة التي يمكن أن يظهر فيها أحد الشهب عابرًا السماء، حتى تمكَّن آرثر من إبصاره بواسطة التيليسكوب الصغير المثبت عند النافذة الكبيرة الذي لم يستطع تدبير ثمنه إلا بالعمل في وظيفتين بدوامين متعاقبين، لكنّه نسي كل ذلك لحظة وضعه عند النافذة قائلًا بعد أن تنفس بعمق:” لقد كان الأمر يستحق العناء”
لقد كانت أغلب المجلّات الموضوعة على الطاولة تابعة للفيزياء، تتحدث عن كل مسبار يتم إرساله في رحلة استكشافية في الفضاء، وتصف بدقة الكواكب وتشكيلة النجوم والمجرات التي كان يُفضِّل من بينها مجرة اندروميدا لإعجابه بهذا الاسم، فقد كان يُفضِّله على اسم مجرة درب التبانة حتّى.

أما المكتبة الصغيرة التي كانت على يمين النافذة، فقد كانت تحوي كتب شارحة في الفيزياء والرياضيات، في أعلاها كتاب المبادئ لنيوتن قد جعله آرثر هناك تبجيلًا لمقام هذا العالم الكبير، ولو أنه يهوى كذلك جمع المخطوطات القديمة، وكل ما له صلة بالآثار؛ فيوم شراءهِ لكتاب المبادئ كان من أسعد الأيام في حياته.

لم تكن الغرفة الثانية فقط لانتظار الشهب العابرة، ومشاهدة النجوم في صفاء الليل البهيج المقهور بالصمت والسكينة، وإنما كذلك لمحاولات أخرى مثل رسم الموناليزا لكن في عالم الرياضيات والفيزياء، حيث كان آرثر يملك  سبورة قديمة يأتي بها إلى الغرفة الثانية للقيام بحسابات يفهم بها نظرية فيزيائية ما، أو يراهن نفسه على التوقع بموقع نجم أو كوكب معين قد تم كشفه في مجلة فيزيائية، لينظر هل طابقت نتائجه ما كُتب في المقال أم لا؟

رغم أخطاءه المتكررة، إلّا أن ذلك ساهم في تنقيح معلوماته في الفلك والفيزياء بشكل ممتاز، وجعلته يمتلك لباقة التحدث مع المتخصصين في هذه الميادين.
كما بحث آرثر في غرفته الأولى عن شعور دافنشي وهو يرسم لوحته، كذلك فعل مع تيلسكوبه في ليالي الحرِّ والبرد، يسأل نفسه:” هل هكذا كان يشعر غاليلي وهو يراقب السماء؟”.

وكما شعر بروعة النظر إلى الموناليزا بعد محاولته رسمها، فراح يبحث عن شعور نيوتن وهو يرقب السماء ويدون قوانينها في كتبه.. يقول لنفسه:” هل سأستطيع بلوغ ذلك الشعور الذي ناله ذلك العبقري؟”
ففي الأخير، هذه هي الغاية كلّها من هذه الغرفة.

الغرفة 3:

الغرفة الثالثة كانت على مستوى واحد مع الغرفة الأولى، في الجهة المقابلة من الرواق للغرفة الثانية، مطلية بلون قرمزيّ اللّون، بداخلها مجموعة مختلفة من الثياب المُبعثرة على حسيرة مهترئة قد نال الزمن من نسيجها، لكنه كان تبعثرًا منظمًا إلى حد ما، حيث كانت هناك ثلاث مجموعات من الثياب المتراكمة فوق بعضها، بجانب كل فوج بعض الكتب الصفراء والمتوسطة الحجم.

تلك الثياب كانت تابعة لأزياء المسرح، التي كان يرتديها طلاب تخصص الفنون في الجامعة التي درس فيها آرثر تقليدًا لأهل القرن السابع عشر، نوع اللباس الذي كان يرتديه فولتير تمامًا والذي كان يفضله آرثر على بقية الأزياء التي قام بسرقتها من خزانة المسرح الخاص بالجامعة مع بعض السمفونيات المسموعة، كي يتسنى له أداء المسرحيات التي يهواها قلبه.

تأتي مسرحيات وروايات شكسبير بجانب الكومة الأولى من ثياب القرن السابع عشر.. يرتديها آرثر دومًا إذا أراد قراءة مقاطع من أعمال شكسبير.. حيث يأخذ لباسه المفضل الذي يمثل صورة عصر التنوير، ويقوم بأداء دور هاملت، مجيئًا وذهابًا، داخل غرفة خشبة المسرح كما يحب أن يسميها، رافعًا نبرة صوته، مُلوِحًا بيديه، ومعبرًا بعينيه، كل ذلك تشبُّهًا بأحوال الطبقة الملكية التي كان ينتمي إليها هاملت، وأحيانًا أخرى يشغل نوعًا من الموسيقى الهادئة أو الحماسيّة، تِبعًا للمقطع الذي يقوم بأدائه من المسرحيّة، حتى يُضفي حيويًّة أكثر على المشهد.

المشهد الذي كان يقوم بمتابعته بكاميرا يضعها في الثقب الذي حفره بنفسه، داخل جدار الغرفة، مقنعًا نفسه أن إحداثيات هذا الثقب هي الزاوية المُثلى للتصوير، معتبرًا بذلك معادلاته التي قام بحسابها ضمن سبورته القديمة في غرفته الثانية، لكن مشهدًا واحدًا فقط لم يَرقه، حينما لعب دور اليهودي انطونيو في مسرحية تاجر البندقية فقد كان مرتديًا بِذلةً سوداء تقريبًا، مع قميص أبيض واسع العنق، متفرع الأكمام عند الرسغ، يتلعثم ببعض الكلمات العبريّة، يضحك على نفسه، شأن:” شالوم، نوخاليم ادوناي”. وأخيرًا بوكر توف التي كانت تعني صباح الخير.

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: صيقع سيف الإسلام

تدقيق لغوي: فاطمة الملّاح

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.