تأخذك إلى أعماق الفكر

المبدأ الطّوطميّ والقوّة الشموليّة

كيف صاغت المجتمعات البدائية أولى المفاهيم الدينية

لا يُمكن لأيّ إنسانٍ أن يفتخرَ بتاريخنا الطّويل دون الاطّلاع على مدى تشوّق جنسنا منذ انتصابِ قامة أجدادِنا إلى الدّين والغيبيّات وكيف سيطرت الأسئلة الوجودية علينا منذ كنا جماعات مترحلة تقتات علي جمع الثمار وعلي الصيد.

وكيف لازمَتنا تلك الأسئلة على مرّ عصورنا حتّى أنّنا الهومو سابينس قد أخذنا نُنظّم أفكارَنا الدّينية خاصّةً بعدما عرفنا الاستقرارَ والزّراعة في العصرِ النيوليتي، وأخذت المؤسّسات الدّينيّة تظهرُ في المجتمعات الحضريّة والمدنيّة حتّى أصبح الدّين جزءًا لا يتجزّأ من المُنظّمة المديرة لشؤون المُجتمعات الأولى، والمُجتمعات المتتالية إلى أن فُصِل الدّين عن سياسات الدّولة في أوروبا.

تطوّر دائم

منذُ تركِ الأسلاف الأوائل الأشجارَ من ملايين السنين وانتصابِهم أخذت الأفكار الدّينية تسيرُ في دربٍ سريعٍ للتّطور على مرِّ العصور، وصولًا لجماعات النياندرتال، وعصور فنّ الكهوف حتّى إلى العصر النيوليتي، وأخذت الخبرات والأفكار الدّينيّة تنتقلُ من جماعةٍ إلى جماعةٍ بشريّة أخرى من الجماعات الّتي استقرّت على ضفافِ الأنهار، وأخذت تتطوّر، ويضافُ إليها المزيدُ من الأفكارِ والأطروحات، منذ عصورِ الباليوليت الأعلى والباليوليت الأوسط والباليوليت الأدنى حتى الفترات الّتي شهدت تطوّر فنون الكهوف، ولكن في هذا المقال نريد أن نتطرّق لأمرٍ بدائيٍّ جدًا في معتقدات الشّعوب والثّقافات الأولى والبدائيّة وهو المبدأ الطوطمي الذي عرفته المجتمعات الأولى وخاصةً في أستراليا.

ما هو الدّين؟

غالبًا ما يبدأ المؤلّفون الذين أخذوا على عاتقِهم دراسةَ الظّاهرة الدّينية بوضعِ تعريفٍ للدّين، لكي لا يجد الباحثُ نفسَه وهو يلاحقُ ظواهر بعيدةً عن الدّين أو حتّى لا يتطرق لجوانب ثانوية من الدّين على حساب جوانب أخرى رئيسة، وهنا سنذكرُ بعضًا من تعاريفٍ أوليّة للفلاسفة وعلماء الميثولوجي :

إعلان

يقول هربرت سبنسر:

《إنّ الأديان على قدر اختلافِها في عقائدها المُعلَنة، تتّفق ضمنيًّا في إيمانِها بأنّ وجود الكون هو سرٌّ يتطلّب التّفسير.》

ويقول الّلاهوتي ودارس الأديان شليرماخر:《إنّ الدّين هو شعورٌ بالّلانهائي واختبارٌ له.》
وما يعنيه باللانهائي هنا : هو وحدةُ وتكامل العالم المُدرَك، وهذه الوحدة لا تواجه الحواس كموضوعٍ، وإنما تنبي عن نفسها للمشاعرِ الدّاخلية، وحين تنتقلُ هذه المشاعر إلى حيّز التأمّلات فإنّها تخلّف في الذّهن فكرةَ الله، وإنّ الخيال الفرديّ هو الذي يسيرُ بفكرة الله إمّا نحو المفارقة والتّوحيد و إمّا على نحوٍ غير مشخّص للألوهة يتّسم بوحدةِ الوجود.

أو ربما يعجبنا وصف ماكس مولر الفيلسوف الألماني للدّين بأنّه : 《توقٌ إلى اللانهائيّ.》 (1)

ما هو المبدأُ الطّوطميّ؟

1_قبائلُ أستراليا كنموذج :

يقومُ التّنظيم الاجتماعيّ لقبائلِ أستراليا على وحدة مكوّنة أساسيّة هي العشيرة Clan، ويتميّز هذا التّنظيم عن غيرِه بأنّ أفراد العشيرة يعتبرون أنفُسَهم أعضاءً في عائلة واحدة تجمعُهم قرابةٌ من نوع خاص تنشأ عن حملِهم جميعًا لاسمٍ واحدٍ اختاروه لأنفسِهم، ويكون هذا الاسم لفصيلةٍ حيوانيّة -في أغلبِ الأحيان- أو لفصيلةٍ من النّبات.(2)

يكون هذا الاسم المُختار للقبيلةِ خاصًّا بها فقط لا تشاركها فيه أيّ قبيلة من القبائلِ الأخرى، والّتي تعرّف نفسَها بأسماءٍ غير متماثلة مهما كانت مستوايات القرابة بين هذه القبائل.

والفصيلةُ الحيوانيّة تبقى قائمةً بصرفِ النّظر عن موت عناصر منها وحلول آخرين بالولادة، كذلك الأمرُ في العائلة الطّوطميّة الإنسانيّة التي تضمّ جميعَ الأفراد الأحياء منهم والأموات وصولًا إلى الجدود الأوائل المؤسّسين.(3)

2_الهنود الحمر

تشاركُ مجتمعات الهنود الحمر في التّنظيم الطّوطميّ الّذي لا يتوقّف حصرًا على الأسترالييّن الأوائل، ويقول فراس السواح في كتابه دين الإنسان :《فلقٍد تمّ التّعرف على ملامحِ هذا التّنظيم الاجتماعيّ لأوّل مّرة في أمريكا لا في أستراليا، ومصطلح الطّوطم بالذّات هو مصطلح مأخوذ من إحدى لغات الهنود الحمر.》(4)

لا يشكّل الطوطم بالنّسبةِ للجماعة اسمًا فحسب، بل هو شارةٌ أو شعار يشبه ما كانت أسر النّبلاء في أوروبا العصور الوسطى ترسمهُ على الدّروع والأعلام (5)، فزعماءُ الهنود الحمر كانوا يمهرون معاهداتِهم مع المحتلّ الأوروبيّ بختمٍ عليه صورة الطّوطم الخاصّ بالقبيلة، وبعضُ الجماعات منهم ترفع طوطمَها بيرقًا أثناء القتال، وأخرى ترسمُه على التّروس والخيام، أو على جدران البيوت لبعضِ القبائل والجماعات المُستقرّة.

ولكن وبسببِ أنّ الأستراليين لم يبلغوا درجةً من المهارةِ في التّصوير والحفر تمكّنهم من تنفيذِ رسومٍ دقيقة لطواطمِهم، فصورةُ الطّوطم عندهم لم تكن أكثر من هيئة اصطلاحيّة تحتوي على عددٍ من الخطوط، ويفهمها الجميع على أنّها صورة طوطمهم.

وفراس السواح في كتابه دين الإنسان يذكر أنه حتّى لو رسم الأسترالي ّصورةً لطوطمِه فإنّه يحفرها فقط على الأدوات الطقسية.

يضافُ إلى ذلك أيضًا حالات أخرى لوحظت لدى بعض الجماعات؛ حيث تُرسَم صورة الطّوطم على التّربة قرب قبر المتوفّي بعد دفِنه أو تُحفَر على أقرب شجرةٍ إلى القبر، وفي بعض المناسبات المُهمّة وخصوصًا المعروفة باسم طقوس التّعدية (Initiation)، والّتي يلقي فيها الشباب البالغين الذين يُنقلون لمرحلةِ الرّجولة أسرارَ دينهم، فإنّ صورة الطوطم تُرسَم على أجسادهم.

على غرار النياندرتال

وكما أوضحنا في المقالة السابقة (هل عرف النياندرتال الدين) تُخبرنا الدّراسات الحديثة أن النياندرتال لم يترك لنا ما يدلّ على ميلِه للتّعبير عن أفكارِه وأحاسيسه وقناعاته بواسطة الفنّ التّشكيليّ والرّسم، وعلى العكس تمامًا كانت المجتمعات البشريّة.
ونستطيعُ القول أنّ هذه الاستخدامات -والّتي ذُكِرت مُسبقًا- لصورة الطّوطم تبيّن لنا أن الطّوطم بالنسبةِ للعشيرة ليس مجرّد شعار، بل هو في الوقت نفسه شارة ذات بُعد روحي وديني، بل كان يظنّ الأسترالي أن هيئة الطوطم إنّما هي تُشير إلى جوهر العالم القدسيّ.

  • التشورينغا

هي عبارة عن قطعِ الخشب أو الحجر المَصقول يغلب عليها الشّكل البيضوي أو المُستطيل، كانت تُستخدم من قبل قبائلِ وسط أستراليا. وكان لكلّ قبيلة عددها الخاصّ من هذه الأدوات صغيرًا كان أو كبيرًا، تُحفَر عليها صورة طوطمِها وتنظر إليها بعين القداسة، فإذا أتمّت القبيلة طقوسَها حفظت هذه الأدوات في مكان آمن قد يكون كهفًا في جبل أو وهدة في مكانٍ مجهور، وكان هنالك بعض القواعدِ التي ترافق تلك المهام :

  •  يُحظر على النّساء والأطفال غير البالغين الاقترابَ من المكان أو حتّى النّظر للأدواتِ المُقدّسة أثناء إخراجها لأداء الطقوس.
  • يُختَم على الأدوات المُقدّسة بطريقةٍ لا تسمح لعابرٍ أن يتبين ما تحت الغطاء من كنز ثمين.
  • للمكانِ الذي حُفظت فيه التّشورينغا وما حوله هالة قدسيّة عظيمة جدًّا :
    ‘تشكل الدّائرة المحيطة به مكانًا مُحرّمًا لا يجوز الاقتتال أو الصّيد فيه.
    ‘من دخله صار آمنًا لا ُيعتدى عليه.

وكان الأستراليّ يعزو للتشورينغا خصائص فوق طبيعيّة متعدّدة؛ فهي:

  • تُشفي من الأمراض
  • تهبُ “الجماعة الطوطمية” قوّة خاصّة وتشد من عزيمة أفرادها بينما تفتك بأعدائِهم وتفتت من عضدهم.

بلغَ الأمُر بسكّان أستراليا ظنَّهم بأنّ مصائرهم مُرتبطة بهذه الأدوات، فقد اعتقدوا أنّها لو ضاعت لسببٍ من الأسباب لتعرّضت العشيرة للمصائبِ والفواجع، هذا كلّه رغم كون الأدوات تلك مجرّد قطعٍ ماديّة من الخشب أو الحجر -ممّا هو متوفّر في المحيط الطبيعيّ- لكن ما كان يضفي عليها أهميّتها وقداستها هو شارة الطّوطم المحفورة أو المرسومة عليها.

قوّة غفلة غير مشخّصة

يقول فراس السواح في كتابه الرّحمن والشيطان : ” إنّ تحليل المعلومات التي تمّ جمعها عن حياة المجتمعات الأولى الأسترالية ومعتقداتها وطقوسها الدينية منذ أواسط القرن التاسع عشر تشير إلى أنّ ما يقدّسه الأستراليّ بالدّرجة الأولى هو قوّة غفلة غير مشخّصة، بلا اسم وبلا شخصية، تسري في مظاهر الكون المادّي جميعًا؛ لا في هذا المظهر أو ذاك ولا في هذه الفصيلة الحيوانيّة أو تلك”

ويبدو أنّ الأستراليّ الّذي قد عمدَ إلى تجسيدِ هذه القوة الغفلة من خلال موضوعٍ مرئيّ مأخوذ عن عالم الحيوان والنبات، كان الأستراليّ الّذي يقدّس الشّارة الطوطميّة لا يتجاوز مع ذلك تقديس صورة الحيوان إلى الحيوان نفسه، والحيوان الذي اختيرت صورته طوطمًا للقبيلةِ لا يدخل في الطّقوس الدّينيّة للعشيرة رغم تمتّعه بمكانةٍ خاصّة تميّزه عن بقيّة الحيوانات، فالحيوان الطوطميّ يتمتّع بالكثير من الاحترام والتّبجيل، ولكن على حسب قول السواح فالأمرُ لم يصل بالجماعةِ إلى حدّ تأليهه كما هو الحال مع صورته المقدّسة.

يقولُ السواح أيضًا أنّه وعلى الرّغم من صيدِ الحيوان الطوطميّ فإنّ أكل لحمِه محرّم -إلا في مناسبات طقسية معينة-، إلّا أنّ هذا التّحريم لم يكن ليسري على الجماعات والقبائل الأخرى المُحيطة الّتي لا تجد مانعًا في صيد الحيوان الّذي اختارته القبيلة المجاورة كشعارٍ لطوطمها.

ونريدُ أن نذكر أنّ الأستراليّ بالدّرجة الأولى لم ينظر إلى القوّة الغفلة غير المشخّصة سالفة الذكر باعتبارها قوّة غيبيّة مفارقة، بل يراها كقوّة فعليّة تعبر عن نفسها بقوّة ووضوح من خلال سيالتها في الموضوعات الماديّة.
وكان الأستراليّ يخشى التّعامل مع هذه القوّة بطريقةٍ مخالفة للأصول، كما كان يخاف التّعامل الخاطئ معها كي لا تصيبه بنوعٍ من الصّدمات أو المصائب نظرًا لدورِها الكبير على المستوى الطّبيعيّ.

ومن المهمّ أن نذكر بأنّ الأستراليّ اعتقدَ أنّ هذه القوّة الغفلة غير المشخّصة تلعبُ دورًا مُهمًّا على الصّعيد الأخلاقيّ والاجتماعي؛ لأنّ الطّوطم هو في الوقتِ نفسه مصدر الحياة الأخلاقيّة الجماعيّة، فكان أعضاء القبيلة الواحدة وأفراد العشيرة الطوطميّة يشعرون برابطةٍ أخلاقيّة في القوّة الغفلة وفي الوطن تجمعهم وتنظم حياتهم.

الواكان والمانتو (الروح الكبري غير المشخصة)

يبدو أنّنا فهمنا الآن كيف شكّل الأستراليّ معتقداته وكيف آمن بها وقد شاركته على الضّفة المقابلة من المحيط الهادئ المجتمعات والقبائل الطوطميّة للجنسِ البائد الهنود الحمر الّتي ساقت مفهوم المبدأ الطوطميّ، والّذي تتركّز حوله المعتقدات الدّينيّة للأستراليين، نحو شكلٍ أكثر شموليّة ونقاء، فلدى بعض القبائل الهندية مثل قبائل (الوماها، البونكا، كنساس وداكوتا)عدد من الكائنات الإلهية التي تتركّز حولها الطّقوس الدّينيّة، إلّا أنّه فوق هذه الكائنات هناك قوّة شمولية غير مشخّصة تستمدّ منها هذه الكائنات الإلهية وجودها وفعاليتها، وتسمَّى “واكان” Wakan.

الواكان

يعتبر الواكان هو مفهوم القوّة الشموليّّة غير المشخّصة التي تستمدُّ منها الكائنات الإلهية لدى الأستراليّ وجودها وفعاليتها، وقد ترجم المبشرين الأوائل والرّحالة هذا الاسم بشكلٍ خاطئ وأطلقوا عليه (الرّوح الكبرى).
الواكان هنا هو السرّ المحرّك للكون وليست مظاهر الطّبيعة كالأرضِ والرّياح الأربعة والشّمس والقمر والنّجوم إّلا تمظهرات لهذه القوة الشمولية. يقول الأستراليّ أنّ خصائص واكانه لا تتمثّل في مقدرتِه على إتيان هذا الفعل أو ذاك، ولكنّه القوّة بالإطلاق والمبدأ الذي يقوم به كل شيء، فالواكان كان الطّاقة التي تغذّي كلّ قدرة ظاهرة في هذا العالم.

الاعتقادُ ذاته نجده لدى جماعات الهنود الحمر الأخرى مع اختلاف التّسميات؛ فمثلًا لدى هنود (ميامي، أوتاوا وإلينوي) يقوم المعتقد على الإيمان بقوّة شموليّة كلية السلطان وكلية الحضور يدعونها “مانتو”.
يتجلّى حضور المانتو لدى هذه القبائل من خلال مستويين:

الأوّل: المستوى الطّبيعي :

يتجلّى حضور المانتو من خلال دورة الأيّام والفصول وخصب الأرض وطاقة الحركة في الأحياء وأفعال الأرواح غير المرئيّة، وهو حضورٌ لا يمكن حصر آثاره لأنّه أساس كل التّحولات الجارية في العالم.

ثانيًا : التّجلي الاجتماعي :

بالإضافةِ إلى التّجلي الطبيعي للمانتو فإنّ له تجلٍّ آخر اجتماعيّ؛ حيث عن طريق الأحلام يتلقّى القادة عون القوّة على اتّخاذ القرارات، ومنها يتم استلهام أغانٍ ورقصات جديدة، وما إلى ذلك من فنون وطقوس تعيد شحن الحياة الثقافيّة للجماعة، فهي مصدر الوحي والحياة الفكريّة والروحيّة والجماليّة للإنسان.

كان أيضًا لدى القبائل الطوطميّة لهنود الأراضي السهليّة مفاهيم مشابهة لمفهوم الواكان بتسميات أخرى مختلفة مثل زوبي Xube، وبوها puha.

استنادًا إلى ما قدّمناه يمكنا القول بأن الطوطميّة الأستراليّة قد رأت الألوهة في قوّتها السارية فقط، ولم تتأمّل في المجال القدسي الذي صدرت عنه هذه القوّة، أمّا الطوطميّة في أمريكا الشمالية فقد رأت فيما دعوناه تجاوزًا بالروح الكبرى مجالًا قدسيًّا وقوّة سارية في آنٍ معًا.

المانا

لم تكن فكرة القوّة الشموليّة الغفلة حكرًا على المجتمعات الطوطميّة الأستراليّة والأمريكيّة الشماليّة فقط، بل انتشرت فكرة القوّة الشموليّة والأفكار الطوطميّة لدى معظم القبائل المنتشرة في القارّة الأفريقيّة وقد صاغت مجتمعات قريبة من قارّة أستراليا نفس المفاهيم، فمثلًا نجد أنّ مفهوم الواكان قد صاغه شعب ميلانيزيا بمسمًّى آخر يدعى ب “المانا”.
يقول المبشّر كوردينغتون Cordingnton في كتابه عن جزر ميلانيزيا وثقافاتها، والصّادر عام 1891 تحت عنوان The Melanesians، يقول :” هناك اعتقاد لدى الميلانيزيين بوجود قوّة حياديّة أخلاقيًا وغير ماديّة يطلقون عليها اسم مانا. ورغم أنّ هذه القوّة غير ماديّة وفوق الطّبيعية، إلا أنّها تظهر بشكلٍٍ ماديّ وتحدث آثارًا ماديّة، وهي لا تتركّز في موضوعات معينة بل تتخلّل كل شيء. وتدور ديانة ميلانيزيا حول طريقة التّعامل مع هذه القوّة وتوجيهها من أجل الإفادة من آثارها، غير أنّنا يجب أن نحذر من النّظر إلى المانا باعتبارها شخصيّة إلهية عليا، لأنّ فكرة الإله الأعلى هي فكرة غريبة عن العقل الميلانيزي”.(6)

العصر النيوليتي

منذ ما يقارب ال 10_13 ألف سنة مضت تقريبًافي الشّرق الأوسط عرف جنسنا المتفوّق الزّراعة وراحت مجتمعات الصّيد التي كانت تعيش على التّنقل والتّرحال تتّخذ أولى أشكال الاستقرار بفضل الزّراعة، وأخذت الحضارات البشريّة الأولى تتشكّل في مصر وسوريا وبلاد الرّافدين وبلاد السند والهند والصين التي نشأت فيها الحضارة بشكلٍ شبه مستقلّ كما يقول جون مكنيل في كتابه “الشبكة الإنسانية”(7)، ومنذ ذلك الوقت فقد أخذ الدّين يتشكّل بالحالة التي نراه عليها الآن والّتي تطوّرت وأخذت المعابد تظهر بعدما ظهرت المؤسّسة الدينيّة في المدن الأولى التي استقرّ النّاس فيها.

وبينما كان أسلافنا وأجدادنا يعيشون في الغابات علي الصيد وجمع الغذاء والتّنقل والتّرحال، نجح جنسنا نحن الHomo Sapiens وللمرّة الأولى في معرفة الزّراعة والاستقرار وحياة المدن والقرى ممّا مهّد للظاهرة الدّينية أن تتّخذ أشكالَها المتطوّرة، ولقد استفاد الدّين ما بعد الاستقرار من الأفكار الدّينية التي سبقت تلك الفترة، ومنها أفكار عظيمة ومهمّة في تاريخ جنسنا كفكرة الطوطم.

 

المصادر:
(1)نحو علم للدين _ للفيلسوف الألماني ماكس موللر 

(2)دين الإنسان _فراس السواح

(3)انظر دوركهايم :الباب الثاني الفصول 1_3

(4)،(5) دين الإنسان _فراس السواح

(6) الميلانيزيين _كوردينغتون 1891 

(7) الشبكة الإنسانية _ل جون مكنيل و وليام مكنيل _أعداد عالم المعرفة لشهر مارس 2018
فريق الإعداد

إعداد: حسين جمال

تدقيق لغوي: أمل مصري

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.
تعليقات
جاري التحميل...