تأخذك إلى أعماق الفكر

لينين والمسيح

الماركسية والدين-رؤية فنية.. الإخوة الأعداء نموذجًا.

لينين والمسيح

لو أن المسيح عاد في أي جانب كان سيقف؟

يروي كازانتزاكيس في ( الإخوة الأعداء ) أحداث الحرب الأهلية في اليونان بين الشيوعيين والملكيين، أواخر الأربعينات.
وقف الأب “ياناروس” نائب الرب في ” كاستللوس” وذراعاه مفتوحتان يصيح: “المحبة.. المحبة! والجثث تتساقط من حوله، والحقد يأكل القلوب، والرغبة في القتل تعيد الإنسان إلى جده الغابر -الغوريلا- ”

دار الصراع في القرية بين الأنصار ( أصحاب البيريه الأحمر) والجنود الوطنيين (أصحاب البيريه الأسود)، وكان الكابتن “دراكوس” ابن الأب ياناروس هو زعيم المتمردين الذين اتخذوا من أعلى الجبل منطلقًا للانقضاض على القرى اليونانية التي كانت تحت حماية الجنود الوطنيين بقيادة “ديمتروس

شعر الأب ياناروس بأنه يحمل على كتفيه -وكتفيه وحده- خطايا العالم أجمع، وحديثه عن المحبة والوفاق ضاع في الهاوية، وارتفع من يمين هذه الهاوية ومن يسارها السباب والشتائم، فظل يناجي الله هامسًا: “أيها الرب! ها هم الناس يصلبونك مرة أخرى”

إعلان

الرؤية الماركسية

تتألف الرؤية الماركسية للظاهرة الدينية من وجهة نظر سياسية تبتعد عن المضامين الميتافيزيفية لترى حقيقة الجذور التاريخية والاقتصادية، تلك الرؤية تهمل النقد التأملي للدين داخل الإطار النظري المجرد، لتناضل ضده من خلال جانبه الحركي وما يحمله بين ضلوعه من انطباعات سياسية ومضمون اجتماعي.

فالماركسي يرى الدين من خلال قانون الحياة اليومية، أي يراه واقعيًا ملموسًا يتحرك داخل إطار الزمان والمكان. ويدفعه المنهج الديالكتيكي المادي إلى النظر خلف الدلالة الغيبية للدين ووضعه في مستواه الموضوعي المتعلق بالصراع الطبقي.

اقرأ أيضًا: الدين والصراع الطبقي

على خلاف رجل الدين الذي يحرف ذلك الصراع إلي صراع وهمي، وينقله من الأرض إلى السماء ” فيزيل بممحاته اللاهوتية المعادلة الحقيقية للصراع الاجتماعي ويكتب مكانها معادلة خاطئة ذات جواب خاطيء ” .. (1)

وصل المعزي، وصل إلي الأرض، في جسم إنسان وباسم إنسان: لينين

تكمن أهمية التحليل اللينيني للدين في رؤيته للظاهرة الدينية كـ “مفهوم معكوس للعالم يظهر واضحًا على حقيقته أمام المعالجة السياسية ”

فقد رأي لينين الطابع السياسي المباشر خلف القناع الغيبي للدين، فوراء التشويش والتخدير الديني كان يكمن هدف، تمثل في التعتيم على الصراع الطبقي وكبحه.

بالتالي نظر إلى الأيديولوجيا الدينية كأداة في يد الرجعية البرجوازية ورفض إعطائها أيّة سمة تقدمية، وإن كان يقر بأنه قد “حصل في التاريخ أن استعار النضال الديموقراطي ونضال البروليتاريا شكل نضال فكرة دينية “. لكنه لم يتكلم عن ثورية الدين بل عن المضمون الاجتماعي الذي حمل شكلًا دينيًا، ويكمل ” لكن هذا الأمر توارى منذ زمن طويل، أما الآن، فكل دفاع أو تبرير لفكرة الإله حتى في أكثر أشكالها رهافة وصدقًا، فإنها تبرير للرجعية ” .. (2)

أقف في السماء، في الأعالي.. خلقتك حرًا، فلا تسألني النصيحة

عندما جرت أنهار الدم وتمرغ أطفال القرية في الوحل، ذهب ياناروس ليفضح العالم أمام الله.. صاح : يا يسوع انظر إلى الأشلاء المبعثرة وأطلال الحياة، انزل من السماء، فها هنا نحتاج إليك.
لكن الصورة صماء، والسماء بكماء، و الصياح لا يجد سوى رجع الصدى والصمت الكبير.

وعاد يصرخ: أين تقف يا يسوع حتى أتبعك؟
هل تقف مع الجيش الملكي الذي يدافع عن الظلم لكنه يرفع راية الدين أم تقف مع الشيوعيين الذين يدافعون عن العدالة لكنهم ينكرون الدين؟

وارتفع من أعماق قلبه صوت يسوع هادئًا: تسألني أين أقف، أقف في السماء، في الأعالي. لقد خلقتك حرًا، وعليك أن تختار طريقك.

سمع كلمة الرب، فاختار طريقه، وقرر أن يصعد إلى الجبل.

يعرف لينين الإله بأنه: “مجموعة من الأفكار التي ولدها السحق المبهظ للإنسان، سحق متأتٍّ من الطبيعة ومن القمع الاجتماعي”

بذلك يؤكد على أن الأيديولوجيا الدينية ولدت وبقيت في حقل الصراع الطبقي، وعندما كتب عن ” المسيحية البدائية وفكرها الثوري الديموقراطي ” كان متابعًا للرؤية الماركسية المزدوجة للظاهرة الدينية، ولإنجلز خصوصًا في بيان الدور النقدي والاحتجاجي للمسيحية الأولي .

لكن وبالرغم من تغير ملامحها في مسارها التاريخي بقيت أداة فاعلة ترعاها وتشرعها الطبقة المسيطرة كلما شعرت بالخطر، وستبقى كذلك ما لم تحطم البروليتاريا أغلالها.

لابد أن المسيحيين الأوائل كانوا يعيشون هكذا في السراديب
فقراء، جوعى، مضطهدين. وبالتأكيد كانت لهم نفس العيون التي تشتعل بالحب والكراهية، وكانوا يتقابلون بنفس الطريقة ليدبروا المؤامرة لتدمير العالم القديم وفتح الطريق أمام العالم الجديد

بالنظر للصورة الاجتماعية للمجتمع الفلسطيني في زمن يسوع، تتضح ملامح تلك المعالجة السياسية للدين عند لينين.
فالمسيحية الأولى قلبت النظام السابق للعالم. وفتشت عن أنصارها بين المنبوذين، الفقراء، البؤساء، العبيد الأرقاء. الذين ازدروا الأغنياء والأقوياء.

وكان المسيحيون الأوائل، هؤلاء المحرومون من الحقوق، الخاضعون لقوانين استثنائية، الذين أخضعتهم روما وشتتت شملهم. وثورتهم علي الرومانيين كانت في الوقت نفسه، ثورة الفقراء الذين رفضوا البؤس القائم على الأغنياء الخائنين و الكفار. فالخيانة كانت لتعاملهم مع الرومانيين، والكفر لأنهم عاشوا حياة الترف ذات الأسلوب الوثني.

كانت الحياة الاجتماعية في فلسطين أيام يسوع. عمال لا يكسبون في اليوم إلا درهمًا يكاد يسد حاجتهم اليومية، وحرفيون وفلاحون وعمال ومتسولون وأصحاب أسقام من برص ومعاقين. وفي وسط أولئك، أغنياء مترفون يبذرون أموالهم ولا يكترثون لغيرهم. (3)

في تلك البيئة الاجتماعية، ارتفع صوت النبي الجليل معلنًا الخلاص واقتراب ملكوت السماوات

هذا خسوف لله.. هذا خسوف الرب

غادر القرية وصعد الجبل إلى المعسكر الشيوعي ليناقش مع كابتن الأنصار قرار. سيسلمه السلطة وستخضع له القرية سلميًا، لكن الحرب يجب أن تنتهي، ثم عاد إلي القرية ليشرح للناس أن الأنصار قد قرروا الاستيلاء على القرية، ولم تعد سوى فرصة واحدة هي الصلح.. فالرفاق سينزلون دون قتل أو دماء ولن يضطهدوا أحدًا من القرويين.

نزل رجال البيريه الأحمر وأعدموا كل من كان عثرة في طريق الحرية، وأدرك الأب بأنه خُدع.. فرحل وهو يقسم بأن لا يترك المسيح في أيدي عنيا وقيافا ليصلب من جديد

لينين هو المعزي، هو الذي سينقذنا

كان كازانتزاكيس مهتمًا باستخدام ياناروس لتوضيح حاجة الإنسان وحقه في خلق صورة جديدة لله إذا أراد البقاء في عالم اليوم. فقد رأي أن العالم لم يعد بحاجة إلى الرب المصلوب بل إلى رب الجيوش، وفي نهاية الرواية ينادي على المسيح لكي يتسلح ويهبط ليبشر بالإنجيل الجديد.. إنجيل السلاح.

أيتها الفضيلة تسلحي..

 

نرشح لك: الماركسية والدين: رؤية فنية.. الأم الإغريق نموذجاً

المصادر :
1- الماركسية والدين : فيصل دراج .. ص 84 ، دار الفارابي
2- المرجع السابق .. ص86
3- مجتمع يسوع تقاليده وعاداته : سامي حلاق اليسوعي

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.