تأخذك إلى أعماق الفكر

الكِنْدِيُّ فيلسوف العرب: كيف حاول التوفيق بين الفلسفة والدين؟

نحاوِلُ في هذا المقال أنْ نَعرِض للكِندي ومحاولته الجمع أو التوفيق بين الفلسفة والدين ؛ تلك المسألة التي شغلت الفلاسفة الإسلاميِّين منذ الكندي إلى ابن رشد؛ درجة أن جاء ابن رشد بعد ذلك ليؤلِّف رسالتَه (فَصْلُ المَقَال فيما بين الحِكْمَة والشَّرِيعَة من الاتِّصَال)؛ محاولًا التَّوفيق بين الدين الذي يقوم على الوحي وبين الفلسفة التي تقوم على التَّفكير العقليّ البرهاني؛ محاولًا البرهنة على العقائد الإسلاميَّة برهنةً علميَّة تَنبَثِقُ من آيات القرآن، وتسلك طريق البرهان لا الجدل؛ فتُرْضِي كُلًّا من الدين والفلسفة[1]. وقبل أنْ نقف على المطلوب من مقالنا علينا أن نعرف أولا من هو الكِندي، وأن نعرض أصول فِكْرِه الفلسفي سريعا.

من هو الكِنْدِيُّ؟

هو أبو يوسف يعقوب بن إسحق الكِندي، وُلِدَ بمدينة الكوفة في أوائل القرن التاسع الميلادي، وهو من قبيلة كِنْدة، أي أنَّ أصلَه عربيّ، ولذلك لُقِّبَ بفيلسوف العرب، وكان أبوه أميرًا على الكوفة. وقد حصَّلَ الكِنديُّ علومه -فيما يظهر- في البصرة ثم في بغداد، واشتغل بترجمة كتب اليونان إلى العربية، وبتهذيب ما كان يقوم غيره بترجمته من تلك الكتب، وعمل في قصر الخلافة ببغداد مُنَجِّمًا أو طبيبًا، غير أنه أُقْصِي آخر أيامه من القصر. وقد كان مُلِمًّا بعلوم عصره، ينزع في آرائه الكلاميَّة نزعةَ المُعْتَزِلَة، ومن المسائل التي كتب فيها بصفة خاصَّة قُدْرَةُ الإنسان على أداء فعل ما، هل هي تُوجَد قبل الفعل أو تكون معه؟ وكان يقول بالعدل والتوحيد اللذَيْنِ هما أميز ما يميِّزُ المعتزلة، وحاول التوفيق بين النُّبُوَّة والعقل، وقارن بين المِلَلِ المُختلفة مقارنةً انتهتْ به إلى أنَّها مُجْمِعَةٌ على الاعتقاد بأنَّ العالَم صادِر عن عِلَّة واحدة أزليَّة؛ هي الله[2].

فلسفتُه

حدَّدَ الكندي -بجهده المُبَكِّر- مسارَ الفلسفة الإسلامية، ورسم لها الطريق، ووضع المنهج، وكوَّن له تلاميذ، بَثَّ فيهم من روحه وفكره؛ ما ساعدهم على نشر الفلسفة وإقبال الناس على دراستها. ولقد تمَّ له ذلك كلُّه تحت لواء الإسلام؛ فاستحقَّ أنْ يُطْلَقَ عليه اسمُ فيلسوف العرب والإسلام[3].

لقد كان على الكندي قبل كل شيء أن يضع تعريفًا واضحًا للفلسفة؛ ذلك أنَّ بعض الطوائف قد أساءتْ فهمَ هذا اللفظ؛ لاعتقادِهم أنَّ الفلسفة تعني -من جملة ما تعني- الكفر والإلحاد. ولهذا حرص الكندي على بيان ماهيَّة الفلسفة؛ حتى يُزيل هذا الفهم السيء لها. يرى الكندي أنَّ الفلسفة هي البحث؛ النظر العقلي الخالص الذي يهدف إلى كشف الحقيقة والوصول إليها. والفلسفة في هذا شأنها شأن الدين؛ لأنَّ الدين يؤدِّي بالإنسان إلى الوقوف على حقائق الأشياء؛ فالكنديُّ يجادل بداية؛ أنَّه لا يوجد ثمة تعارُض بين الفلسفة وبين الدين في الأصل. ويحاول أن يحدَّ الفلسفة؛ فيقول:

“إنَّ أعلى الصِّنَاعَاتِ الإنسانيَّةِ مَنْزِلَةً، وأَشْرَفَهَا مَرْتَبَةً صِنَاعَةُ الفلسفة التي حدُّها: عِلْمُ الأشياءِ بحقائقِها بِقَدْرِ طَاقَةِ الإنسان؛ لأنَّ غَرَضَ الفيلسوف في عِلْمِه إصابةُ الحَقِّ، وفي عَمَلِه العملُ بالحقِّ[4]“.

ولنحاول الآن سريعا الوقوف على أصول فلسفتِه ورؤوس أفكاره. تدور فلسفة الكندي حول الرياضيَّات والفلسفة الطبيعية. وعنده أنَّ الإنسان لا يكون فيلسوفا حتى يدرس الرياضيات؛ وقد طبَّق الرياضيات في بحوثه الطِّبِّيَّة وفي دراسته للموسيقى؛ فالطِّبُّ والهندسة يقومانِ على التَّناسُب الهندسيِّ؛ فالأدوية قِوَامُها تَنَاسُب في الكيفيَّات الأربع: الحار والبارد والرطب واليابس.

إعلان

ذهب الكندي إلى أنَّ العالَم مخلوق لله، وفِعلُ الله في العالَم إنما يكون بوسائط كثيرة؛ فالأعلى يُؤثِّرُ فيما دونه، أمَّا المَعْلُول فلا يُؤَثِّرُ في العِلَّة؛ لأنَّها أرقَى منه في مرتبة الوجود، وكل ما يقع في الكون يرتبط بعضُه ببعضٍ ارتباط علَّةٍ بمَعلُول. ونستطيع من معرفتنا بالعلل أن نتنبَّأَ بالمُستَقْبل؛ هذا لأنَّ كلَّ موجود في الكون يعكس سائر الموجودات كأنه مرآة لها؛ فإذا عرفتَ موجودًا واحدًا عرفتَ بقيَّةَ العالَم. وهو ذو مذهب عقليٍّ؛ إذ يرى أنَّ وجودَ المادَّةِ مرهون بتصوُّرِها في العقل؛ فما لا يمكن تصوُّره عقليًّا يستحيل عليه الوجود الماديُّ. ويذهب إلى أنَّ النفس الإنسانية جوهر بسيط خالد، هبطَ من عالَم العقل مُزَوَّدًا بذكريات من حياته في ذلك العالَم؛ فالنَّفس الإنسانيَّة من حيث جوهرها مستقلَّة عن مادَّة الجسم، لكنها مقيدة بمادته من حيث أفعالها؛ لأنَّ الجسم هو وسيلة الأداء. واتصال النفس بالجسم مصدرُ ألم لا ينقضي؛ لأنه مصدر رغبات كثيرة لا سبيل إلى تحقيقها جميعًا؛ فمن شاء نعيما حقيقيًّا عليه أنْ يستغرق في تأملاته العقلية، وفي طلب العلم، وتقوى الله. أما عن نظرية المعرفة عنده، فهي ثنائية؛ فالجسم قادر على إدراك الجزئيات بالحواس، والعقل قادر على إدراك الكُلِّيَّات[5].

التوفيق بين الفلسفة والدين

يملك الكندي أصالة الفيلسوف، وقد وجدتِ الفلسفة في كينونته الثقافية مكانها الراسخ الفاعل، ومن هنا كانت نزعتُه الفلسفية تضعه أحيانا على المُفْتَرَق الذي كانت ظروف مجتمعه تقتضي أن يتجاوزه بالفعل. إننا نكاد نُحِسُّ المعاناة العميقة الخفية عند الكندي؛ نعني معاناة الصراع بين انتمائه اللاهوتي ونزعته الفلسفية التي كان عليها أن تستجيب لظروف المجتمع العربي الإسلامي في القرن الثالث الهجري، ويبدو أنَّها كانتْ مؤهَّلةً فعلا، من حيث الإعداد الذاتي، أن تستجيب لهذه الظروف، لولا سيطرة الانتماء القويَّة[6]. ولعلَّ محاولتَه الجمع بين الفلسفة والدين إحدى تعبيراته عن هذا القلق وتلك المعاناة الكامنة.

عُنِي الكندي بالتوفيق بين إيمانه وتفلسفه لا لدافع شخصي فحسب، ولكن ليُسَوِّغَ وجود الفلسفة، ويُكْسِبها حقَّ المواطنة في مجتمع يميل إلى رفضها، وربما كان مسلكُه في هذا التوفيق أكثر سدادًا من مسلك كلٍّ من الفارابي وابن سينا. والسؤال الآن: ما هي الدوافع والأُسُس التي أقام عليها الكندي محاولتَه في الجمع و التوفيق بين الفلسفة والدين؟

1- إنَّ الدين يلتقي مع الفلسفة في الغاية. فالفلسفة تهدف إلى عِلْمِ الأشياء بحقائقِها بقدر طاقة الإنسان، وتلك هي نفسها غاية الدين التي يعمل عليها، وجاء بها الرُّسُل الصَّادِقون عن الله في مجال العقيدة والعمل؛ فالغاية واحدة، أو على الأقلِّ مُتَقَارِبَة، والموضوع أيضا كذلك متقارب. يقول الكندي: “ينبغي لِمَن أراد عِلْمَ الفلسفة أن يُقَدِّمَ استعمال كتب الرياضيات والمنطقيات على مراتبها… ثم الكتب على الأشياء الطبيعية… ثم ما فوق الطبيعيات، ثم كتب الأخلاق وسياسة النفس بالأخلاق المحمودة، ثم ما بقي مما لم نُحَدِّد من العلوم مُرَكَّب من الذي حدَّدنا”. وتلك المباحث بجانبيها النظري والعملي تقابل أحكام العقيدة والعمل في المباحث الشرعيَّة.

2- إذا كان منهج الفلسفة يقوم على العقل، بينما يستَنِدُ الدين (الإسلام) إلى الوحي؛ فإنَّ كلَّ ما جاء به الوحي (القرآن) يُمكِن في نظرِ الكندي أنْ يُفْهَمَ بالمقاييس العقليَّة، التي لا يدفعها إلا من حُرِمَ صورة العقل، واتَّحَد بصورة الجهل كما يقول. فالمنهجان مختلفان، ولكنهما لا يتناقضان على أي حال، بل يتضافران ويتكاملان.

3- والفلسفة كذلك لا تُعَدُّ بديلا عن الدين، تُغْنِي عنه، كما قد يذهب إلى ذلك بعض الملاحِدَة؛ فالفلسفة تُوصِلُ بعد الجهد إلى بعضِ الحَقِّ، وربما قصرت عن البعض الآخر. لذلك يؤلِّف الكندي رسالة في (تثبيت الرسل عليهم السلام)؛ لأنَّ النبوة فعل إلهي في نفوس الأنبياء، ولأنَّ علومها لدى من تأمَّلَها وأَحْسَنَ فهمَها تبدو موجَزة، بيِّنَة، محيطة بالمطلوب، قريبة المسلك إلى العقول والقلوب.

4- ولأنَّ الحكمة ضالة المؤمن، فلا ينبغي إهمال الفلسفة مهما كان حظُّها من تحقيق الغاية. والحضارة في نظر الكنديِّ لا وطن لها، وهي عمل تراكمي تسهم فيها جميع الأمم؛ لذا يقول: “وينبغي ألا نستحيَ من استحسان الحقِّ، واقتناء الحقِّ من أين أتى، وإنْ أتى من الأجناس القاصيَة عنا، والأمم المُبَاينة لنا”. ويقول:

“ينبغي أن يعظم شُكْرُنا للآتين بيسيرِ الحَقِّ فضلا عمَّن أتي بكثير عن الحقِّ؛ إذ أشركونا في ثمار فكرهم، وسَهَّلُوا لنا المَطالِبَ الخَفِيَّة؛ بما أفادونا من المُقَدِّمات المُسَهِّلَة لنا سبيلَ الحق”.

5- وأخيرا، يلجأ الكندي إلى فكرة تَتَرَدَّدُ كثيرا في مجال الدفاع عن الفلسفة؛ هي أنه من الضروري لمن يعارض دراسة الفلسفة أن يدرسها هو أولا. والمعارض إما أن يقول أن اقتناءها يجب أو لا يجب؛ “فإن قالوا: إنه يجب، وجب طلبُها عليهم، وإن قالو: إنها لا تجب، وجب عليهم أن يحصروا عِلَّة ذلك، وأن يُعطوا على ذلك برهانا[7]“.

إن الناظر في فكر الكندي، يرى أنه لم يُحاوِل التوفيق بين الدين والفلسفة بمعناهما العام، ولكنَّه حاول أن يوفق ويجمع بين الإسلام المُتأثِّر بالفكر الاعتزاليِّ، وما ارتآه من الفلسفة اليونانيَّة؛ فهو أول من تبنَّى أرسطو من فلاسفة الإسلام، بل يعد المؤسس الأوَّل للفلسفة المشَّائية وواضع أصولها الأولى في السياق الإسلامي. لذا لم يكن غريبا أن يحاولِ الاستدلال على وجود الله، ووحدانيَّته، وحدوث العالَم عن طريق النَّظر الفلسفي وحده؛ ليوضِّح فكرتَه تلك؛ أنَّ إيمانه الخاص، وعقيدته الدينيَّة، يمكن الوصول إليها عن طريق النظر العقلي الخالص، دون اعتمادٍ على النصِّ وحده.

[1]  التيار المشائي في الفلسفة الإسلامية، حسن الشافعي، ص 128، دار البصائر، الطبعة الأولى 2014.
[2]  الموسوعة الفلسفية المختصرة، نقلها عن الإنجليزية: فؤاد كامل – جلال العشري – عبد الرشيد الصادق، ص 262:263، مكتبة الأنجلو المصرية.
[3]  الفلسفة الإسلامية في المشرق، فيصل بدير، ص 111، مكتبة الأسرة 2016.
[4]  الفلسفة الإسلامية في المشرق، فيصل بدير، ص 115:116، مكتبة الأسرة 2016.
[5]  الموسوعة الفلسفية المختصرة، نقلها عن الإنجليزية: فؤاد كامل – جلال العشري – عبد الرشيد الصادق، ص 263، مكتبة الأنجلو المصرية.
[6] النزعات المادية في الفلسفة العربية والإسلامية – الكندي – الفارابي – ابن سينا، حسين مروة، ص 79:80، المجلد الرابع، دار الفارابي، الطبعة الأولى 2002.
[7]  التيار المشائي في الفلسفة الإسلامية، حسن الشافعي، ص 18:21، دار البصائر، الطبعة الأولى 2014.

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: عبد العاطي طلبة

تدقيق علمي: راجي يوسف

الصورة: نهى محمود

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.