تأخذك إلى أعماق الفكر

مترجم: مفهومَي القبلي والبعدي بين التجربة والعقل المحض

يُستعمل مصطلحا القبلي والبعدي للدلالة بشكل أساسيّ على الأساس الذي تعرف به القضية. وتكون القضية المطروحة قبلية إذا أمكن العلم بها بشكل مستقلّ عن التجربة، باستثناء تجربة تعلّم اللغة التي يعبّر بها عن القضية. في حين تعرف القضية بأنها بعدية إذا أمكن العلم بها عن طريق التجربة. فمثلًا، القضية التي تقول: “كلّ أعزب غير متزوج” هي قضية قبلية، بينما تعدّ القضية: “إنها تمطر الآن في الخارج” قضية بعدية.

إنّ جوهر الاختلاف بين المصطلحين هو ابستمولوجيّ في الدرجة الأولى ويرتبط بشكل وثيق بتبرير سبب الاعتقاد بضربٍ من المعرفة. فعلى سبيل المثال، الشخص الذي يعرف القضية القبلية: “كلّ أعزب غير متزوج” لا يحتاج (لا هو ولا أيّ أعزب) إلى تجربة عدم الزواج لإثبات هذه القضية. وعلى النقيض مما سبق، إذا عرفت أنها تمطر في الخارج فإنه لابدّ من تصديق معرفة هذه القضية بالاحتكام إلى تجربة شخص ما حول الطقس. وتجدر الإشارة إلى أنه ينبغي عدم الخلط بين اختلاف القبلية والبعدية وبين ثنائية الضروريّ والمشروط أو ثنائية التحليليّ والتركيبيّ. ورغم كلّ ذلك، فإنّ الفرق بين القبلي والبعدي لا يخلو من التناقض؛ حيث أنّ النقاط المحورية كانت تتركز في كيفية تعريف مفهوم التجربة التي يتشكّل من خلالها هذا الفرق وفي أيّ معنى توجد المعرفة بعيدًا عن التجربة.

تطرح القضية الثانية أسئلة مهمة بما يتعلق بالأساس الفعلي للمعرفة القبلية والتي حاول كثير من الفلاسفة الإجابة عنها؛ إذ نرى كَانط، مثلاً، يُعلي من شأن الشكل الفائق للتبرير الذي يتضمن الفطنة المرتبطة بالتجربة والتي لا تنبثق عنها. تزوّد هذه المقالة القارئ بوصف مبدئيّ للمصطلحين القبلي والبعدي قبل توضيح الفرق بين اختلاف المصطلحين وما يشيع خلطه مع هذين المصطلحين. ويراجع المقال كذلك التناقضات الرئيسة المحيطة بالموضوع ثم يستكشف تفسيرات تعارض أساسًا فعليًّا لمعرفة قبلية يبحث عن تجنّب تفسير يعتمد على العقل المحض للتبرير بشكل استثنائي.

1 وصف مبدئي:

يُطلق مصطلحا القبلية والبعدية بشكل أساسي على الطريقة أو طبيعة الأساس الذي يتمّ به معرفة قضية ما. وبشكل عام، فإنه يمكن معرفة القضية القبلية بشكل مستقلّ عن التجربة ويمكن معرفة القضية البعديّة عن طريق التجربة.
إنّ الاختلاف بين المعرفة القبلية والمعرفة البعدية يتداخل بشكل كبير مع الاختلاف بين المعرفة التجريبية وغير التجريبية. وينطبق الاختلاف بين القبلي والبعدي على أمور غير طرق المعرفة، كالقضايا والحجج مثلًا، حيث أنّ القضية القبلية يمكن معرفتها قبليًا والحجج القبلية هي التي يمكن معرفة مقدماتها قبليًا. وبالمثل، فإنّ القضية البعدية يمكن معرفتها بعديًا [على أساس التجربة] والحجج البعدية يمكن معرفة مقدماتها بعديًا. وتعتبر الحجة بعدية إذا تكوّنت من مقدمات قبلية وبعدية. كما ينطبق اختلاف القبلي والبعدي على المفاهيم؛ حيث أنّ المفهوم القبلي يمكن اكتسابه بشكل مستقلّ عن التجربة ويحتمل أن تكون فطرية إلا أنه لا يلزمها أن تكون كذلك. بينما يتطلب المفهوم البعدي تجربة.

إنّ عنصر المعرفة الذي يرتبط به الفرق بين القبلي والبعدي هو كذلك عنصر التبرير والإباحة وهما المصطلحان المترادفان اللذان يطلقان على العنصر الرئيسي للمعرفة الكامنة وراء المعتقد الصحيح. فالقول بأنّ شخصًا يعرف قضية قبلية يعني القول بأنّ تبريره لتصديق هذه القضية لا يخضع للتجربة. وحتى نبرّر تصديقنا شيئًا ما يجب أن نملك سببًا معرفيًا لتدعيم هذا التبرير؛ أي سببًا للاعتقاد بأنه صحيح، ووفقًا للمفهوم التقليدي للتبرير.

إعلان

إنّ كون تصديق قضية ما مبرّر قبليًا يقتضي أنّ لدينا سببًا لتصديق أنّ هذه القضية صحيحة وأن لا يكون هذا السبب نابعًا من تجربة. وعلى نقيض ذلك، فإنّ كون تصديق قضية ما مبرّر بعديًا يقتضي بأنّ لدينا سببًا للتفكير بأنّ هذه القضية صحيحة وأنّه نابع من تجربة. تشمل الأمثلة على التبرير البعديّ للذكريات، والمعتقدات الحسية، والاستبطانية بالإضافة إلى التصديق بنتائج العلوم الطبيعية.

فاعتقادي مثلًا بأنها تمطر الآن، وأنني أشرفت على امتحان هذا الصباح، وأنّ البشر يميلون إلى بغض الآلام، وأنّ الماء يتكوّن من ذرّتين هيدروجين وذرة أوكسيجين، H2O، وأنّ كون الديناصورات وُجدت يومًا ما هي كلّها أمثلة على تبريرات بعدية؛ حيث أنّ لديّ أسبابًا جيّدة تدعم كلّ هذه الادعاءات وهي نابعة من تجربتي الشخصية أو تجارب الآخرين.

تقف هذه الاعتقادات كطرف مناقض للاعتقادات التالية: كلّ أعزب غير متزوّج، للمكعّب ستة أضلاع، إذا كان اليوم هو الثلاثاء فهو ليس الخميس، الأحمر هو لون، سبعة زائد خمسة يساوي إثنَي عشر. إنّ لديّ أسبابًا جيّدة للتصديق بأنّ كلًّا من هذه الادعاءات صحيح إلا أنه لا يظهر أنّ كلًّا من هذه الادعاءات نابع من تجربة. فبدلًا من ذلك، أستطيع رؤية أو استيعاب حقيقة هذه الادعاءات لمجرد الاطلاع على محتواها.

إنّ وصف تبرير قبليّ بأنه مستقلّ عن التجربة وصف سالب بالكليّة؛ فلا شيء من الأساس الموجب الفعلي في كشف هذه التبريرات. بيد أنّ الأمثلة المبيّنة أعلاه على التبرير القبلي تشير إلى وصف أكثر إيجابية؛ أي أنّ التبرير القبلي ينبثق من العقل المحض. فحالما يتمّ فهم المصطلحات المرتبطة بالقضية فالظاهر اعتمادًا على العقل المحض أنه بما أن إذا كان اليوم الثلاثاء فبالتالي هو ليس الخميس، وعندما تضاف خمسة إلى سبعة فإن الناتج يكون اثني عشر. وهكذا، يمكننا صياغة التبرير القبلي كالتالي: تصبح قضية ما مبررةً قبليًا إذا كان لدى صاحبها سببٌ للاعتقاد بأنها صحيحة.

إن هذه الاعتبارات المبدئية لاختلاف القبلي والبعدي تهيئ عددًا من سبل الدراسة المهمة. فمثلًا، على أيّ نوع من التجربة يعتمد التبرير البعديّ؟ بأيّ وجه يعتبر التبرير القبلي مستقلًا عن هذا النوع من التجربة؟ وهل يتوفر تفسير واضح معرفي للخاصية الموجبة التي يحملها التبرير القبلي بحيث يوضح كيفية توليد العقل المحض للأسباب المعرفية؟ وقبل الدخول في هذه القضايا، يجب التفريق بين اختلاف القبلي والبعدي وبين مفهوم التحليلي والتركيبي ومفهوم الضروري والشرطي.

2 اختلاف التحليل والتركيب:

لقد تمّ توضيح اختلاف التحليل والتركيب بطرائق كثيرة، فبينما اعتبره بعضهم مضللًا من الأساس إلا أنه ما زال معمولًا به عند عدد من الفلاسفة في الوقت الحاضر. إنّ أحد الطرق المعتمدة في التفريق بينهما هي التي أسسها كَانط 1781 التي تتجه نحو مفهوم الاحتواء المفاهيمي. بناءً على هذا التفسير، تعدّ القضية تحليلية إذا كان مفهوم الموضوع متضمَّنًا في محتوى المحمول. فمثلًا، إنّ القضية القائلة بأنّ “كلّ أعزب غير متزوج” هي قضية تحليلية لأنّ مفهوم عدم الزواج يتضمنه مفهوم العزوبة. وعلى نقيض ذلك، فإنّ مفهوم الموضوع يضيف إلى مفهوم المحمول في القضايا التركيبية. فعلى سبيل المثال، إنّ الادعاء القائل بأنّ الشمس تبعد 93 مليون ميل عن الأرض هو قضية تركيبية لأنّ مفهوم الوقوع على بعد مسافة معينة من الأرض يضيف إلى مفهوم الشمس أو يذهب إلى ما وراء المفهوم.

هنالك طريقة أخرى للتفريق بينهما وهي القول بأنّ قضية ما هي تحليلية إذا كانت حقيقتها تعتمد بالكامل على تعريف مصطلحاتها أي أنّ صدقها يكمن في التعريف. في حين لا يعتمد صدق القضية التركيبية على التقاليد اللغوية فحسب، وإنما على طريقة النظر إلى العالم من وجهة نظر معينة. فالادعاء القائل بأنّ “كلّ أعزب غير متزوج” هو صادق بالاعتماد على تعريف الأعزب. بينما لا يعتمد صدق الادعاء حول مسافة الشمس من الأرض على معنى مصطلح الشمس فحسب، وإنما على ماهية هذه المسافة.

ساوى بعض الفلاسفة التحليل بالقبلي والتركيبي بالبعدي؛ حيث يوجد هنالك وجه من الصلة الوثيقة بين هذه المفاهيم. فمثلًا، إذا كان صدق قضية ما متعلق بتعريف مصطلحاتها فمن غير المحتمل أن يتطلب صدق هذه القضية تجربةً؛ فالنظر بمنطقية وحده يفي بالغرض. ومن ناحية أخرى، إذا كان صدق قضية ما يعتمد على طريقة النظر إلى العالم فإنّ معرفتها تتطلب دراسة تجريبية. ورغم هذه الصلة الوثيقة، فإنّ هذين الاختلافين غير متطابقين لأنّ الفرق بين القبلي والبعدي ذو طبيعة إيبيستومولوجية [معرفية]، بمعنى أنه يتعلق بالكيف أو الأساس الذي تتم بموجبه معرفة أو تصديق قضية ما بطريقة مبررة. أما الفرق بين التحليلي والتركيبي فيناقض ما سبق؛ إذ أنه اختلاف منطقي أو دلالي ويطلق على ما يجعل القضية صادقة أو العلاقات المحددة الناشئة بين المفاهيم التي تشكل هذه القضية. وما يدعو للتساؤل أكثر من ذلك هو فيما إذا كان القبلي يتداخل مع التحليلي والبعدي يتداخل مع التركيبي.

أولًا، فقد اعتقد الكثير من الفلاسفة أنّ هناك بعض الحالات التي يكون فيها التبرير قبليًّا تركيبيًا. لنتأمل مثلًا الادعاء القائل بأنه إذا كان شيء ما لونه أحمر بالكامل فلا يمكن أن يكون أخضرًا بالكامل. إنّ التصديق بهذا القول هو في الظاهر مبرّر بشكل مستقلّ عن التجربة؛ فبالتفكير ببساطة حول ما يعنيه أن يكون شيء ما أحمرًا بالكامل؛ حيث أنه من الواضح أنّ شيئًا ما بهذه الخاصية لا يمكن أن يكون أخضرًا بالكامل في الوقت نفسه. إلا أنه يبدو جليًا بأنّ القضية التي هي نحن بصددها ليست تحليلية؛ إذ أنّ كون الشيء أخضرًاً ليس جزءًا من تعريف كونه أحمرًا ولا متضمَنًا في مفهومها. وإذا كانت أمثلة كهذه يتمّ أخذها بالقيمة الاسمية فإنه من الخطأ الظن بأنّ كون قضية ما قبلية يشترط بالتالي أن تكون تحليلية.

ثانيًا: إنّ التصديق باعتقادات تحليلية معينة هو مبرر أحيانًا عن طريق الشهادة فتصبح بعدية كنتيجة لذلك؛ فربما يصدق شخص ولو بشكل نموذجي أنّ للمكعب ستة أضلاع لأن هذا التصديق قدّمه له أحد ما يعرف هو أنّ الذي قدّمه هو وسيط معرفيّ موثوق. إن اعتقادًا كهذا يعتبر بعديًا لأنه منطقي بحكم تجربة استقبال هذا الشخص لشهادة الوسيط ومعرفته بموثوقيتها. وهكذا فمن الخطأ أيضًا الظن بأنه إذا كانت القضية بعدية فإنه لا بد لها أن تكون تركيبية.

ثالثًا: ليس هناك سبب مبدئيّ للظن بأنّ كل قضية يمكن معرفتها؛ إذ أنّ بعض القضايا التحليلية والتركيبية لا يمكن معرفتها بالنسبة لوسطاء معرفيين مثلنا على الأقل. فعلى سبيل المثال، ربما نكون غير قادرين على فهم المعاني أو الخلفيات المدعمة لبعض القضايا بطريقة المفاهيم أو القوانين. وعليه، فإنّ كون القضايا تحليلية أو تركيبية لا يقتضي أن تكون قبلية أو بعدية. هذا بدوره يطرح سؤالًا حول المفهوم الذي تمكن فيه معرفة هذا القول إذا كان ما يميزه هو أن يكون إما قبليًا أو بعديًا، ولمن سيكون هذا القول ممكن المعرفة؟ لأيّ إنسان منطقي أم للأكثرية، أم لله وحده؟ ربما لا يكون هناك أي طريقة منضبطة بالكامل للإجابة عن هذا السؤال. على الرغم من ذلك، فمن الخطأ تعريف ما يمكن معرفته بشكل واسع على أنه ما يميز قضية ما هو كونها قبلية أو بعدية إذا أمكنت معرفتها من عدد محدود جدًا من الناس أو ربما غير البشر أو حتى كائن إلهيّ؛ فكلما ضاق تعريف ما يمكن معرفته، كلما كانت احتمالية أن يكون القضايا التي يمكن معرفتها لا يمكن معرفتها أكبر. إنّ افتراض جولدباك القائل بأنّ “كلّ عدد صحيح هو ناتج جمع عددين أوليين” يرجع إليه على أنه مثال على قضية لا يمكن معرفتها عند أي إنسان [kripke [1972.

3 اختلاف الضروري والشرطي:

تعرف القضية الضرورية بأنها القضية التي تبقى قيمة الحقيقة ثابتة فيها في شتى الحالات. وهكذا فإن القضية الصادقة بالضرورة هي التي تبقى صادقة في كلّ حالة محتملة. أما القضية الكاذبة بالضرورة فهي التي تبقى كاذبة في كل حالة محتملة. وعلى نقيض ما سبق، فإنّ صدق القضية الشرطية غير ثابت في كل الحالات، لأن أي قضية شرطية لها حالة تكون فيها صادقة على الأقل، وحالة أخرى تكون فيها كاذبة على الأقل.

إعلان

مصدر مصدر الترجمة

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.