تأخذك إلى أعماق الفكر

أُفول العَقل الإسلاموي بين التاريخ والعصر “مفهوم الخلافة أنموذجًا” (٢)

عرضنا في الجزء الأول من المقال، أبرز الدعائم المستقرَأة في ترسيخ مفهوم الخلافة في الوعي الجمعي “ميتافيزيقيا نهاية التاريخ، سيكولوجية التخلف الحضاري” والتي تجعل قابلية استحضار شكل الخلافة كنموذج ومفهوم للخلاص مِن وهن تأخّر الحاضر، وتمثل عناصر فاعلة في خلق دوافع حركية لاستعادة الخلافة. كما تناولنا صورة سريعة للذهن العربي المُشكِّل لنظام الخلافة. ومن هنا، سوف نتابع القراءة داخل بعض مضامين وقائع السلطة في التاريخ المفارِقة للصورة المثالية في الأذهان التقليدية الجمعية عن مفهوم الخلافة.

* التَشكّل في التاريخ والإشكال مع العصر: تاريخ الصراع السياسي للخلافة

“في دولة الراشدين -الدولة الإسلامية الأولى- انتهت النبوة فبدأت الدولة (وهي بصدد التكوين فعليًا) طريقَ العودة إلى التعبير عن ذاتها ككائن اجتماع طبيعي. وكان الفرقاء عند السقيفة أكثر فهمًا لطبيعتها فتحدثوا عن خلافة السلطة السياسية للرسول، أو “سلطان محمد” على حد تعبيرهم.. ظلّ الدين في موقعه كمظلة أخلاقية تظلل الأهداف، وظلّ حضوره طاغيًا في المعادلة على حضور الدولة التي لم يكن جهازها قد اكتمل نضوجًا بالمعنى التسلطي المعروف.”[١]

بالفعل كان الدين -النص القرآني وبيان النبي في حياته؛ السنة الفعلية والشفهية قبل التدوين- هو الباعث والواعظ في نفوس الجيل الأول في الإسلام الذي خَطَا مع الدين كنصّ ومقصد. ومع ذلك، لم تسلم الفترة الراشدة من الأزمات؛ فكانت التجربةُ العربيةُ بشريةً تُخرج آثام وعيوب البشر في واقع الاختلاف والتصارع؛ فهذا الجيل هو ذاته الذي أُخرجت على أثره أكبر صدعات في تاريخ دولة الإسلام الناشئة: فرّقت الصحابة وكشفت عن آثار الحميّة العائلية والأرستقراطية القبلية في الشخصية العربية الإسلامية التي آلت إلى التقسم إلى فرق متناحرة ظلّ أثرها إلى الآن. فالتعامل مع رموز صدر الإسلام يكون في سياق تاريخه بالمنظور البشري، إذ أنّ تحميلهم ما يفوق بشريتهم يجعل الأحداث التاريخية مضطربة، وتظهر أزمة في رفض المرويات بناءً على اللوحة المرسومة عن المثال المطلق وما يسمّى بمجموعات “الصحابة”، فالتاريخ يحكي الجانب الواقعي للصراع البشري.

بداية اندلاع الفتنة الكبرى

وبدأ الاحتقان في عصر خلافة عثمان لأسباب عديدة، وأكثرها بريقًا هو الوضع الاجتماعي؛ فقد خالف عثمان سياسة عمر في منع كبار أثرياء الصحابة من الخروج من المدينة وسمح لهم بالخروج والتملك الضخم وتشغيل رؤوس الأموال “فظهرت في الإسلام طبقة جديدة من الناس هي طبقة البلوتقراطية التي تمتاز إلى أرستقراطيتها التي تأتيها من المولد بكثرة المال وضخامة الثراء وكثرة الاتباع أيضًا”[٢]، وذلك له بالغ الأثر في الغليان الاجتماعي من جراء اتساع الفوارق الاجتماعية من الثروة. وبالإضافة إلى النزوع إلى تولية المحسوبية مما غلب بشكل كبير توليته للأقرباء من بني أميّة وما منح الأقارب من أموال، وما تبع ذلك من سخط على تلك السياسات “فقد روي أنّ عمار بن ياسر كان يكفّر عثمان ويستحلّ دمه ويسميه نعثل، وروي أنّ ابن مسعود كان يستحلّ دم عثمان أيام كان في الكوفة”[٣]. وإلى نقم أبا ذرّ الغفاري على حكم عثمان “ونظر ذات يوم فإذا عثمان يعطي مروان بن الحكم مالاً كثيرًا، ويعطي أخاه الحارث بن الحكم ثلثمائة ألف درهم (….) فينكر ذلك ويستكثره ويقول: بشّر الكانزين بالنار[٤]. والصحابي عبد الرحمن بن عوف “فإذا هو أحد المعارضين لعثمان في أمور الدين والسياسة معًا”[٥] وخالف عليّ بن أبي طالب لعثمان في سياساته مشهورة.

ولقد كان موقف عثمان من معارضيه حازمًا في الرفض وعدم الالتفات لخطورة الوضع “فإنه قد أسرف وترك عماله يسرفون في العنف بالرعية ضربًا ونفيًا وحبسًا”[٦]، فلم تكن المعارضة في المدينة فقط بل في الأمصار -مصر والعراق-، ولقد احتدم المشهد حتى سار إلى دعوته لخلع نفسه عن الخلافة وقد رفض بجملته الشهيرة “والله لا أنزع ثوبًا سـربلنيه االله (أي ألبسنيه الله)”[٧]. وما حدث بعد ذلك من محاصرة الثائرين لبيته وقتله، حتى أن “لبث عثمان بعدما قتل ليلتين لا يستطيعون دفنه ثم حمله أربعة”[٨]، وقد كان مقتل عثمان بداية عصر الفتنة الكبرى الذي سيؤول إلى تبلور شكل الحكم السياسي؛ فمع الصراع الشديد بين عليّ بن أبي طالب (بني هاشم) ومعاوية بن سفيان (بني أمية)؛ افترق المسلمون لثلاثة تيارات رئيسية؛ شيعة عليّ وشيعة معاوية وخوارج.

إعلان

مآلات الفتنة الكبرى والشكل السياسي للخلافة

  • تبلور شكل الحكم السياسي

وقد أدت تلك الحروب إلى مقتل آلالاف المسلمين وغالبية الصحابة -موقعة الجمل وصفّين والنهروان- وذلك في الموقف حول السلطة والخلافة. ولما استقرّت الخلافة بعد تخلّي الحسن بن عليّ عنها لمعاوية، بدأت حقبة جديدة من شكل السلطة والتي حاكت نماذج الممالك والقياصر وأصبح الخطاب السياسي معتمد على التغلب والقهر، فبعد خطاب أبو بكر “ولّيت عليكم ولست بخيركم”، أصبح الخطاب تسلطيًا صريحًا؛ يقول معاوية “والله ما ولّيتها بمحبة علمتها منكم ولا مسرة بولايتي، ولكني جالدتكم بسيفي هذا مجالدة”. وتهديد عبد الملك بن مروان “والله لا يأمرني أحد بتقوى الله بعد مقامي هذا إلا ضربت عنقه”[٩]. وفي أمر سليمان بن عبد الملك “اجمع الناس وأمرهم بالبيعة، فمن أبى أضرب عنقه”[١٠]. وهدّد يزيد أهل المدينة قبل موقعة الحرة، يقول “وأيم الله لئن آثرت أن أضعكم تحت قدمي لأطأتكم وطأة أقل منها عددكم، وأترككم أحاديث تتناسخ كأحاديث عاد وثمود”[١١]. فبذلك كانت الحجة للغلبة في العصر الأموي؛ وقد كان سفك الدماء مباحًا لدرجة الإفراط من أجل إحكام وإخماد كلّ حركات المعارضة؛ فجيش يزيد بن معاوية أخمد ثورة الحسين وأدّى إلى مقتله وقطع رأسه، كما سحق يزيد بجيش مسلم بن عقبة تمرد المدينة -واقعة الحرة- واستباحها جنوده أيامًا بالقتل والاغتصاب، وأكرهوهم على المبايعة “ووقعوا على النساء حتى قيل أنه حبلت ألف امرأة في تلك الأيام من غير زوج والله أعلم.”[١٢]. وبعد موت يزيد؛ أعلن عبد الله بن الزبير نفسه خليفة وبويع في مكة وبعث أخاه عبيد الله بن الزبير إلى المدينة فاستنابه عليها، وأمره بإجلاء بني أمية عن المدينة فأجلاهم. واستطاع ابن الزبير أن يسيطر على الكوفة والبصرة وقد تشارك مع بعض الخوارج، وعندما تولّى عبد الملك بن مروان الخلافة تمكّن من قتل وصلب بن الزبير والقضاء على حركته على يد الحجاج بن يوسف الثقفي.

* لوحة فنية عن معركة كربلاء

أما زياد بن أبيه، والي العراق فقد شرَّع القتل بالظنة والشبهة في قتاله لثورات الخوارج، فقتل على يد نائبه سمرة بن جندب ثمانية آلاف من أهل العراق”[١٣] على الظن والشبهة. الأحداث التاريخية في القهر والغلبة للعصر الأموي غزيرة وكثيرة، وما يلاحظ من قراءة تلك الحقبة هو طبيعةُ المرحلة المضطربة داخليًا من ثورات الخوارج وثورة الأشعث والشيعة آل البيت “الزيدية” وبعد ذلك الحركة العباسية، إلى جانب الفتوحات الإسلامية خارجيًا في سياسة التوسع في الإمبراطورية الجديدة.

  • تموضع خطاب الدين من الدولة

     

وهنا نرى نظام حكم عربي عائلي قبلي يستفيد من بنية دول الشام والعراق ويؤسّس لشكل ملك توريثي، يكون موضع الدين من الدولة كجزء مؤسسي؛ “في حقبة الخلافة كان الدين غاية في ذاته، وكانت الدولة إحدى وسائله، كانت أهداف الدين هي الحافز الذي يحرك السلطة (……..)” أما بتحولها لملك “فبانتزاع الدولة من الدين لم تعد الدولة هي الدين، بل صار الدين مؤسسة من مؤسسات الدولة، لم يعد غاية في حد ذاته بل صار وسيلة في خدمة الدولة”[١٤؜]، حتى أنّ ابن خلدون قرر ذلك حين تحدث عن الحكم بعد معاوية “صار إلى الملك وبقيت معاني الخلافة من تحرّي الدين ومذاهبه والجري على منهاج الحق، ولم يظهر التغير إلا في الوازع الذي كان دينًا ثم انقلب عصبية وسيفًا”[١٥]. والعصر الأموي لم يتسم بالوفاق بين رجال الدين والخلفاء، إلى أن نجحت الحركة العباسية بقيادة أبي مسلم الخرساني في إنهاء العصر الأموي وقُتل مروان بن محمد -آخر خليفة أموي- وبويع العباس السفاح كأول خليفة عباسي، وقد نهجوا الشكيمة والقوة في الحكم منذ البداية حتى أنّ أبا جعفر المنصور -الخليفة الثاني، فتك بقائد الدولة أبو مسلم الخرساني الذي سفك الدماء لأجلهم وقاد سقوط الأمويين- مكانته مثل الحجاج بن يوسف الثقفي في ترسيخ الخلافة للأمويين.

وقتلوا أبا مسلم وقطعوه إربًا، ثم وقف المنصور عليه وهو قتيل فقال له: “رحمك الله يا أبا مسلم، بايعتنا فبايعناك وعاهدتنا فعاهدناك ووفيت لنا فوفينا لك، وإنا بايعناك على ألا يخرج علينا أحد في هذه الأيام إلا قتلناه، فخرجت علينا فقتلناك وحكمنا عليك حكمك على نفسك لنا”[١٦]. واستمرت الصراعات في الدولة العباسية قائمة وشهدت عديدًا من الانقسامات: أمويّون في الأندلس، فاطميّون في مصر، وبوهيون وسلاجقة.

وأما موضع الدين فقد اهتموا بتوثيق العلاقة برجال الدين على خلاف الأمويين. وقد نصبوا الخلافة تحت مسعى حماية ورعاية الدين -لأنهم كانوا حركة دينية من الأساس- فقد جمعوا بين السلطتين سياسية ودينية؛ الخليفة صاحب جهاز دولة تسلطي وحارس العقيدة، وهذا ما يتبدى في خطاب المنصور “أيها الناس إنما أنا سلطان الله في أرضه، أسوسكم بتوفيقه وتسديده وتأييده، وحارسه على ماله، أعمل فيه بمشيئته وإرادته فارغبوا إلى الله وسلوه أن يوفقني للرشاد والصواب”[١٧].

ومن جانب التاريخ وأحداثه ووقائعة الخاصة بالخلافة، نلاحظ جليًا الصراع الدنيوي البشري المحمّل بالرغبات والأهواء والآثام البشرية، وأنّ شكلَ الحكم الملكي مستوردٌ من تجارب الروم (البيزينطين) ومن الفرس (الساسانين). وأنّ موضع الدين اختلف في النماذج المتغيرة، حتى أنّ ما يسمّى بالفتوحات الإسلامية لم تكن لأجل نشر الدعوة خالصة لله، فالطموح السياسي التوسعي لأي إمبراطورية صاعدة يقتضي السير على خطى نفس المسالك للهيمنة والمتعارف عليها في تلك الفترات الزمنية، فالحروب والاحتلال للأمم لأهداف سياسية واقتصادية تمثّل للغازي فتحًا مبينًا وخيرًا لملكه، وتمثل للمغلوب والمحتل غزوًا ونهبًا؛ فالصورة الموضوعية ترى المشهد مكتمل السياق من حيث أنّ حكم الخلافة المتّسم بالعصبة القبلية ما هو إلا عمل بشري في طموحه السياسية ومطامعه الاقتصادية، ولا منطقية من اختزال الصورة بأنه نشر للدين وفتح للإسلام.

 أكان هؤلاء الخلفاء نموذجًا لدعوة الإسلام؟!

إنكار عامل القوة والغزو في توسّع مناطق المسلمين، وبالتالي القدرة على الدعوة للإسلام إما عن رضا أو فرض واقعٍ حينها، لَمِن الغشاوات المقدسة المسدلة على تاريخ الخلافة الإسلامية؛ فالتوسع والغزو يقتضيان القوة والسيطرة، لذلك تُقابَل البلدان المقاوِمة بفرض القوة حتى تذعن وتخضع، وفي سبيل ذلك تسيل الدماء وتُنتهك الأعراض وتُفرض الثقافة. فمن متناقضات التاريخ الإسلامي، اعتبار توسع الفتح للأمم مشروعًا عن باقي تاريخ الإمبراطوريات السابقة واللاحقة، ومثال الهند من شواهد التاريخ على أن حروب الخلافة غارقة في البشرية وخطاياها “لعلّ الفتح الإسلامي للهند أن يكون أكثر قصص التاريخ تلطخًا بالدماء؛ وإن حكاية الفتح لمما يبعث اليأس في النفوس لأن مغزاها الواضح هو أن المدنية مضطربة الخطى، وأن مُركَّبها الرقيق الذي قوامه النظام والحرية، والثقافة والسلام، قد يتحطم في لحظة على أيدي جماعة من الهمج تأتي من الخارج غازية”[١٨].

هذا من جانب بعض ملامح التاريخ. أما محاولة النظر في العقل المعاصر الغارق في أحلام الماضي -العقل الإسلاموي الحالم بالخلافة- فيجب أن ننظر في تاريخ الفقه الإسلامي، حيث هو المكون الجوهري في تأصيلاته للقضايا المرتبطة بالهوية الإسلامية.

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.