تأخذك إلى أعماق الفكر

الطبيعانية وعدم القابلية للمقارنة: دراسة في طبيعانية كواين 2

2- طبيعة المعرفة العلمية

  • (2.1) الحقيقة التقريبية approximate truth ونزعة إمكان الخطإ Fallibility

الحقيقة التقريبية والحقيقة المطلقة

بدأت الفلسفة الحديثة مع الحلم الديكارتي الخاص بتأسيس المعرفة على أرض يقينية صلبة، لقد جعل ديكارت الإبستيمولوجيا هي الفلسفة الأولى، وجعل سؤال الفلسفة هو سؤال المنهج، فوظيفة الفلسفة هي اكتشاف الطريق المؤدية إلى “الحقيقة”

وقد وجد ديكارت نقطة اليقين الأولى في الكوجيتو: “أنا أفكر إذًا أنا موجود”، ومنهج الوصول للحقائق هو منهج الاستبطان أو التأمل الذاتي القائم على التمييز والوضوح، فما يتصوره الذهن بوضوح ولا يستطيع أن يتصور نقيضه (بعد عمليات من التحليل) هو الحقيقة (حتى وإن خالفت تقريرات الحواس)، ومن هذه الحقائق نستطيع أن نستنبط عبر خطوات انتقال بسيطة وواضحة حقائق أخرى ومن خلال ذلك نعرف الحقيقة النهائية للوجود، من هنا تبلور المفهوم الديكارتي عن “الحقيقة” -في صورتها المثلى- بوصفها المعرفة اليقينية عن الواقع التي لا يرقى إليها الشك، وهنا تقبع مسلمة خفية تقوم عليها الواقعية العقلانية منذ أفلاطون حتى راسل وهي أن “حقائق العقل (ماهو بديهي ولا يمكن تصور نقيضه) هي حقائق للوجود أيضًا، أي حقائق من منظور خارجي موضوعي (أو ما يسمى منظور عين الله)

بينما تُصوَّر الحقيقية من منظور تجريبي مختلف أكبر الاختلاف عن المنظور العقلاني الميتافيزقي لها :

فجون لوك مثلًا يتبنى ما يُسمّى بالواقعية التمثيلية ويؤكد أن المعرفة الحسية تلك التي تقدم لنا طريقًا لمعرفة الحقيقة الخارجية (على عكس المعرفة الحدسية والبرهانية التي هي مجرد اتفاق واختلاف بين الأفكار)، هذه المعرفة الحسية ليست معرفة مباشرة أو مطلقة، فإننا لا نستطيع تعقب الارتباط بين الصفات الأولية والصفات الثانوية، ولا نستطيع أن ندرك الماهيات الحقيقية للجواهر التي هي العلل المجهولة لكلتا النوعين من الصفات، فالعلم يستطيع أن يقدم لنا القوانين الكلية التي تحكم حدوث الظواهر عن طريق الاستقراء ونستطيع بالتالي أن نتنبأ من خلالها بكل دقة بالظواهر المستقبلية ولكننا لا نستطيع أن نصل إلى العلل الخفية وراء الظواهر، أي لا نستطيع أن نحيط بالمنظور المطلق للحقيقة عن طريق المعرفة التجريبية، لذلك فمعرفتنا بحقيقة العالم الخارجي عن طريق حواسنا محدودة، ولا نستطيع التأكد بنفس اليقين الرياضي من الطبيعة الحقة للأشياء الخارجية و عللها. [i]

وهذا ما يؤكده صديقه نيوتن في عبارته الشهيرة : ” أنا لا أفرض الفروض” Hypotheses non fingo ” يقول نيوتن: لقد فرغنا من تفسير ظواهر السماء والبحار بقوة الجاذبية، ولكننا لم نستطيع أن نكتشف علة هذه القوة من الظواهر، وأنا لا أفرض الفروض، وليس للفروض مكان في الفلسفة التجريبية سواء كانت الفروض ميتافيزيقية أو فيزيقية، في هذه الفلسفة -أي التجريبية- تُستنبط القضايا الجزئية من الظواهر، ثم نجعلها عامة بالاستقراء.  إننا قانعون بمعرفتنا أن الجاذبية موجودة في الواقع وأنها تؤدي دورها حسب القوانين التي شرحناها” [ii] [iii]

وقد أدى تحليل ديفيد هيوم الإبستمولجي لزعزعة الثقة في هذا اليقين النيوتوني الخاص باستخلاص القوانين الكلية للظواهر عن طريق الاستقراء، من خلال تفجيره لمشكلة الاستقراء، فتحليل هيوم يبين أن الاستدلال الاستقرائي لا يكون استدلالًا سلميًا من الناحية المنطقية إلا بافتراض مبدإ العلية والاطّراد، والعلية (تحت معاول التحليل) ليست علاقة بسيطة من علاقات العقل (فإنكار العلية لا يقع بنا إلى التناقض) ولا هي معطى حسي، فلم يرَ أحدٌ من قبل العلية أو لمسها أو تعثر فيها في الطريق، فنحن نشاهد أن قطعة الحديد س تتمدد بالحرارة، وكذلك القطعة ع و ص ، ولكن العلم ليس مجرد حصر وتعداد لمجموعة من المشاهدات والوقائع ولكنه يستخلص القوانين الكلية العامة من مجموعة من الملاحظات الجزئية، فالقانون العلمي لايذكر قطعة الحديد  س أو ص أو ع، ولكنه يذكر الحديد بصفة عامة، أي أنه يعمم مجموعة من الحالات الجزئية بوصفها حالات لقانون كلي (كما اقتبسنا من نيوتن).

إعلان

“كل الحديد يتمدد بالحرارة”

ويلاحظ هيوم أن هذا الادعاء يتجاوز كل الملاحظات التي تمت، أو حتى التي يمكن من حيث المبدإ أن تتم.

وهيوم لا يرمي من نقده للعلية للتشكيك في المعرفة العلمية بالعكس تمامًا، يقول وليم كلي رايت: “لقد شرع هيوم في بناء ما يزال أساسًا ناقصًا لمباديء المنطق الاستقرائي الذي كان على (جون ستيوارت ميل) أن يصوغه بدقة أكثر في القرن التاسع عشر، وربما يكون التفسير الأكثر معقولية لمنظور هيوم المنطقي هو أنه ينظر إلى العلية واطراد الطبيعة على أنهما مسلمتان لا يمكن أن نبرهن عليهما، غير أنهما مفيدتان للغاية، ولا يمكن، في الواقع، الاستغناء عنهما، بالنسبة إلى التوجيه العلمي للحياة وسير كل بحث علمي خارج الرياضيات”[iv]

ولكن ما يعنيه هيوم بتحليله السيكولوجي والمنطقي لمفهوم العلية هو أن الاستدلال الاستقرائي غير مؤسس منطقيًا على بداهة لا يرقى إليها الشك كما كان يُعتقد، ومن ثم تكون معرفتنا العلمية بالعالم الخارجي معرفة تقريبية احتمالية وليست يقينة وغير قابلة للمراجعة، وقد رفض هيوم فكرة “الجوهر” أو العلة الخفية للظواهر (الحامل للصفات المحسوسة) بالكامل سواء الجوهر المادي الذي آمن به لوك ونيوتن أو الجوهر الروحي الذي آمن به جورج بيركلي، وإنكار فكرة الجوهر لا تعني أكثر من أن العلم غير معنيّ بطبيعة الأشياء من منظور مطلق (خلف الظواهر)، وقد أعلن هيوم هذا الادعاء في زمن كان ينظر فيه المشتغلون بالفلسفة الطبيعية إلى الكون نظرة مادية ميكانيكية ومن ثم اُعتبرت هذه النظرةُ الحقيقةَ النهائية عن طبيعة الوجود. وقد تغيرت هذه الرؤية تمامًا مع مطلع القرن العشرين مع ظهور النظرية النسبية وفيزياء ميكانيكا الكم، وقد أصبح الآن واضحًا تمامًا أمام فلاسفة العلم أن الحقيقة العلمية حقيقة تقريبية، وأنها قابلة دائمًا للمراجعة والتصحيح، فاعتبر كارل بوبر القضايا العلمية مرجحة الصدق ولكنها لا يمكن أبدًا أن تصل إلى مرتبة اليقين مهما اجتازت من اختبارات للتكذيب، وأعلن الوضعيون المناطقة أن القضايا التركيبية التي تخبرنا بجديد عن الواقع وهي قضايا احتمالية الصدق لا يقين فيها. ومن هنا ترسخ مفهوم ” الحقيقة التقريبية للعلم” فالحقيقة العلمية ليست مطلقة، لا بمعنى أنها نسبية (ذاتية) أو غير واقعية ولكن بمعنى أنها متطورة وتراكمية ومفتوحة للمراجعة، وهي نقطة قوة كبرى في المنهج العلمي، الذي ينتج المعرفة بشكل متطور وتراكمي يصحح نفسه بنفسه.

وفي هذا يقول د. زكي نجيب محمود

“والعلوم الطبيعية كلها قائمة على الترجيح لا اليقين، فهي دائمًا معرضة للخطإ، لذلك فصدقها احتمالي، دون أن يكون ذلك علامة نقص فيها، أو دليل عيب في منطقها، ولكن العيب والنقص عند المنطقي يريد أن يجعل قضايا الرياضيات التي لا تقول شيئًا كالقضايا التركيبية التي تُنْبئ بجديد” [v]

وكواين يستبعد طلب التأسيس على اليقين المطلق ويتبنى نزعة إمكان الخطإ Fallabilty، أو اللاعصمة، وستتضح هذه النقطة أكثر عند مناقشة دعوى اللاتحديد والكلانية. وبالتالي يستبعد كواين الجانب المذهبي التسويغي Justificatory حتى في صورته الردية Reductionism عند الوضعيين المناطقة ويضع بدلًا منه الكلانية التأكيدية Confirmatory Holism ويميل إلى جانب هيوم قائلًا [vi]:

“من الناحية المذهبية، أنا لا أرى أننا تقدمنا اليوم أبعد من حيث تركنا هيوم، فالمأزق الهيومي هو المأزق الإنساني” [vii]

­ ما هي الحقيقة ؟!

إن مفھوم الحقیقة مختلف أشد الاختلاف بین الاستخدام العلمي (التجريبي) للكلمة والاستخدام المیتافیزیقي العقلاني للكلمة، فبینما ھذا الأخیر ینشد الحقیقة النھائیة الثابتة التي لایرقى إليها شك ولا تطولھا أیدي المراجعة، فإن العلم لا یؤمن بالحقیقة المیتافیزقیة من منظور عین الله God’s eye perspective ، فلا یمكننا أبدًا أن نتجاوز مخططنا المفھومي بالكامل طلبًا لنقطة إشراف مرجعیة مطلقة نشرف منھا على معرفتنا من الخارج ونحاكمھا من ھناك، إن الحقيقة إذًا هي أفضل تصور متاح لدينا الآن عن العالم الذي نتوصل إليه عن طريق “المنهج العلمي”. وبين الحين والآخر نغير بعضها هنا وهناك إلى الأفضل، من خلال مذهبنا الكلي المتطور، ونحكم على الحقيقية بكل يقين وثقة ممكنة، نعم هي قابلة للتصحيح ولكن هذا يمضي بدون أن يُقال.[viii]

فالكشف عن طبيعة الحقيقة مهمة العلم وحده، “بهذا المعنى يكون العلم هو الحَكَم الأخير للحقيقة.”[ix]

فلا معنى كذلك للتساؤل عن ما إذا كانت معرفتنا مطابقة للواقع في ذاته، أم لا، لأننا لا نستطيع أن نتجاوز حدودنا الإدراكية ومخططنا المفهومي لنقارنه بالواقع في ذاته، والحق أن النزعة الأسسية في التسويغ هي أساس الخلط و اللبس حول مصطلح الحقيقة فهي تستمد معقوليتها من الإرث الفلسفي الأفلاطوني الذي يفصل بين الحقيقة المثالية الترنسندنتالية في ذاتها وبين المعرفة بالظواهر، فكيف يمكن أن نتسائل إلى أي مدى يتطابق أو يختلف إطارنا النظري عن هذه الحقيقة الخام (من منظور عين الله، أو الشيء في ذاته، أو الحقيقة المطلقة)، إذا كنا لا نستطيع  أن نتصور الحقيقية إلا من خلال لغة معينة ومنظور نظري معين؟!

يقول كواين : ” السؤال الفلسفي الذي يبدو أساسيًا، إلى أي مدى تساهم اللغة، وإلى أي مدى يساهم الواقع في تشكيل علمنا؟!، هو ربما سأل سؤالًا زائفًا والذي ينشأ هو نفسه بالكامل عن نوع محدد من اللغة. لا ريب أننا سنكون في مأزق إذا حاولنا إجابة مثل هذا السؤال، لأنه لكي نجيب عن هذا السؤال يجب أن نتحدث عن العالم وأن نتحدث كذلك عن اللغة، ولكي نتحدث عن العالم لابد أن نطبق على العالم مخططًا مفهومًا خاصًا بلغتنا المعينة. ولكن على الرغم من ذلك لا يجب أن نقفز إلى النتيجة الجبرية القائلة أننا أسرى مخططنا المفهومي الذي نشأنا وترعرعنا عليه، بل أننا يمكننا تغييره، جزءًا جزءًا ولوحًا لوحًا، وخلال ذلك ليس هناك ما نقف عليه إلا مخططنا المتطور نفسه، ولقد شبه نيوراث تشبيهًا مصيبًا مهمةَ الفيلسوف بمهمة البحار الذي يتوجب عليه إعادة بناء سفينته في عرض البحر، يمكننا تحسين مخططنا المفهومي، فلسفتنا، جزءًا بجزءٍ، في الوقت نفسه الذي نستمرفيه في الاعتماد عليه، ولكننا لا نستطيع أن نفصل أنفسنا عنه وأن نقارنه موضوعيًا بحقيقة واقعية خارج مخططنا المفهومي. لذا أعتقد، أنه لا معنى للبحث في صحة المخطط المفهومي المطلقة بوصفه مرآة للواقع.” [x]

إن مفهوم الحقيقة إذًا هو نفسه جزء من شبكتنا المعرفية ومخططنا المفهومي، فلا معنى للحديث عن حقيقة سابقة منطقيًا على الخبرة (منظور عين الله)، إن معنى الكلمات في استعمالها meaning is use وإذا بحثنا عن معنى كلمة “الحقيقة” وجدناها تشير إلى ما هو متاح للإدراك البشري السليم بالأساس، في مقابل الخطإ والوهم والظن، فالحس المشترك هو نقطة الانطلاق البدائية للعلم، وما العلم إلا الحس المشترك، وقد أصبح واعيًا بنفسه  Science is self-conscious common-sense، فإننا ننطلق من الحس المشترك نحو فهم أعمق للواقع، ويمكننا أن نراجع الحس المشترك وأكثر مسلماته بداهة ولكن فقط بعد أن نكون قد تقدمنا في العلم انطلاقًا من الحس المشترك نفسه إلى مناطق نستطيع الارتكاز عليها لنحاكم الحس المشترك، فقابلية المعرفة للخطإ وعدم عصمتها، لا يجب أن يقذف بنا إلى الشك أو إلى المثالية الذهنية mentalism، فكون الحقيقة لابد أن تكون محتواةً في مخططٍ مفهومي و إطار نظري بالنسبة لنا، لا يقدح بتاتًا من كونها “حقيقة” بل إن هذا هو المعنى العادي -وربما الوحيد- للكلمة، ولكن يقدح بالتالي في الحلم الديكارتي الأفلاطوني في الوصول إلى الحقيقة الميتافيزقية الخام، الثابتة والنهائية والمجردة عن أي مرشحات إدراكية أو وجهات للنظر، إن طلب مثل هذه “الحقيقة” لهو نوع من المرض اللغوي -على حد تعبير فنجنشتين-.

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.