تأخذك إلى أعماق الفكر

الجندي الضاحك

ما الذي أفعله هنا ؟

لأ أحد يعلم .. ولا أظن أن أحداً قد يعلم لماذا أقحمتني الحياة إلى تلك الساحة الباردة القاتمة حيث تتناسل بِرك الدماءِ كسلالة خصبة تفخر بوجودها على تلك الأرض الملعونة ..

الساعة السادسة صباحاً .. صوت أقدام الجنود بالغابة مُرعباً، حفيف الشجر كابوسياً وقبضة البرد تقوى على أن تهشم الحديد ليصير تراباً منثوراً. أرى الشياطين يكشفون عن ثغورهم وسط العشب والأشجار المهيبة, وأسمع صدى ضحكاتهم! أتظنني أتحدث عن الشياطين المذكورة بالكتب المقدسة؟! ساذج! إن الشيطان هو الوجه الآخر من عملة الإنسان! لا يوجد الأول دون وجود الثاني ولا معنى للثاني إلا بوجود الأول ..

أحمل أسلحتي فوق جسدي, أستطيع أن أحدثك بكل فخر عن قدرتي أن أنظر يميني ويساري وللأعلى وللأسفل 100 مرة في أقل من دقيقة! باستطاعة عصفور بريء يغرد دون اكتراث أن يجعلني انتفض وأزحف وألعق التراب من الأرض دون أن يدري أن أنشودته التي أتوق إلى سماعها قد باتت كابوساً يجثم على الروح .. لا مفرّ من الخوف!

أحمل أسلحتي وأحمل ثقلي, ما ليس له ثقل لا معنى له كما يخبروننا, فإن كان كونديرا قد كتب عن الخفة التي لا تحتمل, فعزيزي القارئ ما بين يديك هو مقتطف من حياة كائن لا يحتمل ثقله.

لماذا أحارب ؟!

لم أكن يوماً من هواة القتل, كنت أصنع العطور مع والدي بالمتجر وأقبع هناك حيث يحلق أريج العود والمسك والياسمين واللافندر. لطالما وصفتني أمي بأني جميل وبأني أجمل ما رأت من الأطفال. ذلك لإني أمتلك شعراً حريرياً وعينين واسعتين وشامة أسفل أنفى تميزني، بينما رأى أبي أنني أشبه النساء. لطالما تساءلت كيف أن أبي الرجل الذي يملك موهبة قد انزلقت عن رحم الجمال وهي موهبة صنع العطور! أن يبغض جمال روحي الذي سكنني من حياتي في متجره!

إعلان

تحدث أخي الأكبر وأبي حول الحرب وأنها المصير المحتوم .. وقيل أن الله قد كتبها وليس بيدنا سوى أن نشهدها. عارضت، وقلت أن الله لم يرد ذلك وإنما أراد الإنسان وألصق التهمة بالإله حتى يجعل حراك الأنفس عميقاً شرساً ولا يعرف معنى الرحمة. لم تكن لي كلمة مسموعة على أي حال. كان لي أخاً أكبر وأختاً تصغرني بعام. لم أكن على وفاق مع أخي. كنا كقابيل وهابيل. إخوة أعداء تتوارى عداوتنا خلاف ستار الأخوة. أحببت أختى وكنا نهوى اللعب سوياً على سطح البيت بالطائرات الورقية التي نصنعها والتي لم يستطع غيرنا لصنعها سبيلاً, ذلك لأن جدي قد علمنا طريقة سحرية لصنع طائرة ورقية. كنا نراقب الحمام يحلق حراً نحو شمس الغروب والسحُب القرمزية وكنا نغمض أعيننا ونطير حيث الحمام وكان يغمرني شعوراً بالدفء كما لو أن عطراً قد انسكب فوق قلبي وفاح أريجه بأعماق النفس. لم يحب أبي مرافقتي لأختي كثيراً ولطالما وصفني بأنني لا أشبه النساء فقط بل أتصرف مثلهم. لطالما عنفني وأهانني ولكني بالرغم من ذلك أحببت الحياة إلى أن انضممت جبراً للجيش.

أعلم أنك تتساءل عن جنسيتي وأي حربٍ تلك التي خضتها ..

لا يهم .. اعتبرني طيفاً قد حارب كل الحروب منذ أن وُجد الإنسان. فمن حارب حرباً واحدة كأنما حارب الحروب جميعاً.

الساعة السادسة والنصف صباحاً .. ساد هدوءٌ كهدوء الأفعى قبل انقضاضها على الفريسة. همهمت الأشجار بالحفيف وتضافرت السحب فوق رؤوس الجنود. شعرت أن الشجر العظيم يرمقنا من زاوية إلهية ويفتخر بهيمنته على الغابة , كذلك يحتقرنا , بالكاد يُبصرنا.. فالأمر أشبه بإنسان يحاول أن يبصر أسراباً من النمل تسير في غرفة مظلمة

كان ذلك قبل أن تسقط على رؤوسنا قذيفة من إحدى طائرات العدو. تناثرت الأشلاء وباتت أوجه المقاتلين الأحياء تنضح بالدماء. سقط قلبي أرضاً ولم أحمله. انبطح الجميع مُغمضاً بانتظار الموت ولم يأتٍ. أطلق العدو النيران في كل مكان. انطلقت كتيبتي ترمي النيران دون هوادة. حولي يسقط الرجال كورق الخريف وتدفئ دمائهم البرد القارص. أركض وأطلق النيران بلا جدوى وبلا معنى وبلا هدف. لا يهمني الموت من الحياة، لا أريد الألم لا أقوى على الألم. ولكنني في منتصف كهف الآلام بلا رجوع. يقال أنه عند اليونانين القدامى انتشرت عادة التوغل بالكهوف للصيد وأنه هناك نقطة بالكهف إذا وصل إليها الصياد لن يخرج من الكهف أبداً. لقد وصل العالم إلى تلك النقطة منذ زمن سحيق ولن يخرج. وأنا العالم متجسدٌ في جسدٍ هزيل ورداء بالٍ وسلاحٍ وضيع ونوايا خبيثة. سقط صديقي ولم انتشله, فكما أخبرتك لم أرد الألم. صرخ صرخة أفزعت العدو كما لو أن ملاكاً يهفهف صارخاً إيانا أن نتوقف.

ركضت وركضت وقتلت .. صرت بارعاً في اصطياد اخوتي, أنا قابيل القاتل. أنا سليله وأحمل من خبثه الكثير, أقتل اخوتي دون هوادة. لقد حاربنا 20 يوماً وقد أحببت انفلات النيران عن سلاحي. وأصبح معنى الحياة في نفسي هو إنهاؤها عند نفس الأخرين .. بلا معنى!!

أصرخ بلا صوت ! أو حريّ بي القول أن بواطني تستغيث ألا تتقطع أوصالها مع ما تبقى من شعور .. ولكن لكي أتجنب الألم يجب أن أصنعه, لكي أتجنب الألم يجب أن أركض وأطلق النيران. في الحرب لا يمكنك الهرب ولن تقوى على الاختباء طويلاً, حتى وإن أصابتك رصاصة في فخذك الأيسر, حتى وإن التحمت بجندي عدو بعدما انتهت ذخيرتك وسقطتما سوياً في الوحل وتبادلتما اللكمات وقمت بطعنه في عينه بسكينك بعدما كاد أن يُفقدك وعيك من لكماته, حتى وإن التوى كاحلك بعدما ارتطمت قدمك في جذع شجرة فسقطت أرضا وانجرحت ركبتك اليمنى, حتى وإن تناثرت الدماء حولك كالشلالات وعلت أصوات الجرحى المتلويّن من الألم, فإما أن تقتل وإما أن تُقتَل وفي كلتا الحالتين .. عليك أن تركض.

لأركض إذاً ! لأجرجر كاحلي الملتوي وفخذي المصاب وأركض طويلاً حتى تتكسّر قدماي , حتى يتوقف قلبي , حتى تنقطع أنفاسي أركض طويلاً ولكنني كسيزيف المُعاقب من الألهة ! أعيد الطريق من جديد مرات ومرات , يتجدد الطريق ولا تتجدد أنفاسي. أتخيل أن ممثلاً يافعاً سيجسدني في إحدى الأفلام التي تتحدث عن تلك الحرب, كذلك الفيلم الذي شاهدته مع أبي حينما كنت صغيراً والذي يحكي عن إحدى أشرس الحروب في التاريخ والتي لا يهم ذكرها فالحرب واحدة وهي ممتدة منذ مقتل هابيل وحتى يومنا هذا. أتخيل أن ذلك الممثل اليافع سيجسد مشاهد الموت مرات ومرات حتى يقتنع المخرج. إن لذلك الممثل عدداً من المرات التي يمكن أن يموت فيها ويحيى, كم هو محظوظ! أما بالنسبة لي فموتٌ واحدٌ سيبتلعني وأغدو طيّ النسيان.

وبينما كنت أركض وأرمي النيران أبصرت جندياً في رداء العدو يضحك ضحكاً مريباً. وجهت سلاحي نحوه لأسحب روحه, بيد أن إحدى القنابل المتساقطة قد هالت الوحل على وجهي فحجبت رؤيتي لثوانٍ..

لقد رآني الجندي الضاحك

ولكنه لم يتحرك ولم ينبس ببنت شفة ولم يفعل شيئاً سوى أنه واصل الضحك.

أبصرت وجه الجندي, كان شعره حريرياً ولديه شامة أسفل أنفه تميزه وعينيه واسعتين!

لم يكن يضحك .. بل يبكي ضحكاً! يضحك كالمهرج بينما الدموع تنهمر عن عينه. سقط رعبٌ مروعٌ بنفسي كما لو أنّ سوطاً من الألم قد ابرّق بداخلي! فبين الدماء الساخنة والضلوع المكسورة وآهات الجنود الصارخة والأشلاء المتناثرة .. لم يرهبني سوى جندي برداء العدو يضحك!

رأيت من خلفه الحمام يتطاير حراً .. ورويداً رويداً تضاءل صوت النيران والصراخ والقذائف بأذني ولم أشعر بأي شيء سوى ملح الدموع يلمس شفتاي. حملق الجندي الضاحك برداء العدو بي وأجثم الخوف والضيق على قلبي حتى كاد ينفجر .. صرخت طويلاً دون توقف ولم يسمعنى أحد واقترب مني الجندي الضاحك بسرعة .. لكنه لم يكمل خطوته حتى رميته بالنيران بكل أنحاء جسده! فسقط سريعاً واختفى صوته.

اقتربت منه بحذر , لم تختفي الضحكة عن ثغره! سمعته يهمهم فاقتربت بحذر أشد ..

سمعته يقول: أردت أن أحتضنك.

ثم مات ..

نرشح لك: الغُرفة، قصة قصيرة

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: حازم عماد

تحرير/تنسيق: نهال أسامة

تدقيق لغوي: سدرة الأصبحي

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.