تأخذك إلى أعماق الفكر

الجزء الثالث من سلسلة الوعي

الوعي وعلم النفس

الوعي وعلم النفس

سنقسم المقال كالعادة إلى عدة محاور سنلخص فيها آراء علماء النفس كذلك نشرح بعض المصطلحات والتجارب الخاصة بهم وسيكون كالتالي:

1. كيفين أوريجان وعمى التغير.
2.دانييل وجنز وكبت الأفكار.
3. ريتشارد جويجوري والبزوغ.
4. ماكس فيلمانز والواحدية الانعكاسية.
5. بترا ستويرج والإبصار الأعمى.
6. ستيفن لابرج والأحلام الجلية.

1. كيفين أوريجان وعمى التغير

ولد عام 1948. درس الفيزياء الرياضية في جامعة ساسكس ثم في كمبردج وهناك بعد عامين انتقل لدراسة علم النفس وحصل على الدكتوراه في حركات العينين في أثناء القراءة. اهتم بدراسة التعرف على الكلمات وعمى التغير وثبات العالم المبصر بالرغم من حركات العينين، وكذلك الخبرة الذاتية الواعية المصاحبة للتنشيط الحسي، وطرح في ذلك نظرية حسية حركية في الإبصار. يعمل مدير المعمل علم النفسي التجريبي في باريس ومؤلف كتابي “لماذا لا يبدو اللون الأحمر كالناقوس” و”تفسير الإحساس بالوعي”. وبالإضافة لاهتماماته العلمية فهو يمارس الكابورا وهو فن عسكري برازيلي يشتمل على الرقص والموسيقى والأكروبات.

سنقسم آراءه في عدة نقاط كالتالي:

1. يرى أن مشكلة الوعي مشكلة كاذبة، يسهل حلها بالتوصل إلى الآليات الفيزيوكميائية التي تربط بين العمليات المخية والتجارب الذاتية، ولا يحتاج الأمر إلى أية كيانات إضافية سحرية.

2. تسيطر علينا “ميمة الذات” وهي وحدة الانتقال “التأثير الحضاري”: تقابل مفهوم الجين باعتباره وحدة الانتقال والتأثير البيولوجي، وتشمل الميمات المهارات والقصص والأغنيات والنظريات الاجتماعية والعادات والتقاليد والفنون، ويتم استنساخها من فرد لآخر في المجتمع. وتبعًا لهذة النظرية فإن الميمات عندما يتم استنساخها يحدث فيها تغيرات وانتقاء مما يؤدي إلى التطور الحضاري، ويرى أن ميمة الذات باعتبارها كيانًا حقيقيًا فعلًا حر الإرادة ذا مشاعر فطرية.

إعلان

3. إن الوعي/ الإبصار ليس هو الإشارات الكهربية العصبية، إنه ليس عملية في المخ، لكنه قدرة مخية.

4. يرى أن ما يعطينا توهم خبرة الإبصار ليس قدرتنا على النظر حولنا، ولكن “توقعنا” أننا إذا نظرنا حولنا فإن ذلك يثير تغيرات في المدخلات الحسية، وقد ثبت ذلك تجريبيًا بتجربة عمى التغير”كما يرى هو” وهي كما يشرحها كيفين: أنه أثناء التجربة، عرض صورة على أحد الأشخاص ثم أحدث تغييرًا كبيرًا بها، لقد عرض عليه صورة لشارع في باريس تشغل منها كنيسة نوتردام ثلث خلفية الصورة، ثم حركت الكنيسة بمقدار الربع إلى جانب الصورة، عادةً ستلاحظ ذلك التغير فورًا، لكن في التجربة مع تحريك الكنيسة في الصورة، وكنت أقطع العرض لمدة عشرين أو ثلاثة أعشار الثانية، كأنها طرفة عين، بحيث تبدو الصورة قبل وبعد التغيير كأنهما صورتان متتاليتان تفصلهما طرفة عين، عندما فعلت ذلك لم يلاحظ الأشخاص التغيير، لكن عندما قلت لهم: ألا ترون كنيسة نوتردام قد تحركت، قالوا: “كيف لم نرَ ذلك؟”، إن التغيير يكون واضح تمامًا عندما يُلفت إليه النظر، لذلك يندهش الناس كثيرًا.

5. ليس هناك تفسير فسيولوجي واحد لاختصاص عصبونات القشرة البصرية بالإبصار والقشرة السمعية بالسمع، تفسير ذلك هو أن هذه الخبرات ترجع إلى ما يصاحب حركات العينين من تغير في المدخلات البصرية وكذلك السمع.

6. ليس لدينا تمثيل داخلي لما هو في الخارج، فذاكرتنا البصرية ضعيفة للغاية، وفي كل مرة ننظر فيها نحصل على إجابة التساؤلات التي طرحناها، ومن ثم ليس هناك صورة خارجية تقفز إلى عينيك، ليس هناك سوى ما يجيب عن تساؤلاتنا، أي إن الإبصار نشاط مخي وليس تصوير فوتوغرافي للخارج.

7. إن الذات “أنا” ليست آلية سحرية ينبغي إضافتها للمخ من أجل أن يشعر بالذاتية والوعي، إنها توهم يتيح للإنسان التفكير في الأشياء والحديث عنها مع الآخرين.

8. القول بأن الوعي والذات توهم لا يعني أن ليس لهما وجود، بل يعني أن تصوراتنا عنهما خطأ.

9. تكمن مشكلة الإنسان في جهله بأنه روبوت، ومع ذلك يتصور أنه أكثر من ذلك.

10. كل شخص يعتقد خطأً أن له إرادة حرة، حتى الروبوتات تفعل ذلك!

11. سنصبح خلال سنوات قادرين على تحميل شخصياتنا على حواسيب، تجعلنا نحيا حياة افتراضية بعد موتنا، هكذا يبقى الوعي بعد الموت!

2. دانييل ونجر

ولد في كندا سنة 1958، ودرس الفيزياء في ميتشجان ثم انتقل إلى دراسة علم النفس. بدأ اهتمامه بقضايا التحكم في الذات، والهوية وحرية الإرادة، أجرى عديدًا من التجارب على كبت الأفكار (سنتكلم عنها بتفصيل في السطور القادمة)، وكيف ينشأ توهم الإرادة الحرة كما يعتقد. قام بالتدريس في كلية ترينيتي في تكساس لمدة خمسة عشر عام، ثم أصبح أستاذًا لعلم النفس الاجتماعي في جامعة هارفارد. من أشهر كتبه: “الدببة البيضاء والأفكار الأخرى غير المرغوبة”، “وهم الإرادة الواعية”، و”نادي العقل” ونشر بعد وفاته.

هنا سنلخص آراءه في عدة نقاط:

1. تكمن المشكلة الرئيسية للوعي في أن كل شخص لديه وعي وليس لديه مدخل أو تصور عن وعي الآخرين، وما نعرفه عنهم ليس إلا عملية استنتاج.

2. من المشكلات الكبيرة، أن الذين يدرسون الوعي هم أنفسهم الذوات والأشياء المطروحة للبحث، أي أنه مطلوب منهم أن يكونوا موضوعيين بخصوص الذاتية.

3. إننا نخُبر العالم باعتباره حقل كبير من المدركات والأحداث، كما نشكل صورةً كاملةً عن بنية وأفعال أجسامنا، وبطريقة ما يتم إسقاط ذلك كله في وعينا، كما يبدو هناك “مشاهد” يراقب هذه الخبرات، هكذا تبدو الصورة، مما يتعارض مع رفض دانييل دينيت للمسرح الديكارتي (للمزيد يمكن الرجوع للمقال الثاني في سلسلة الوعي تحت عنوان الوعي والفلاسفة).

4. نحن نتوهم أننا نقوم باستحضار ما نفكر فيه، لكن الحقيقة أن “الافكار تأتينا تلقائيا”، وكلما حاولنا كبتها فإنها تطل برأسها بإلحاح من وقت لآخر، ولا سبيل لإيقاف انسياب الأفكار إلا بتحقيقها على أرض الواقع، ويمكن التخفيف من إلحاحها عن طريق مناقشتها مع من نثق به، أو بالانشغال عنها بأفكار وأعمال أخرى، في ما يسمى بـ”كبت الأفكار” وهنا يشرح ونجز تجربة كبت الأفكار كالتالي: أنه عندما أجرى بعض التجارب البسيطة وطلب من بعض الاشخاص أن يحاولوا ألّا يفكروا في دب أبيض، وأن يستعينوا على ذلك بأن يتحدثوا بصوت مرتفع في الميكروفون على أن يستحضروا الدب الابيض وأن يشيروا إلى ذلك مرة كل دقيقة ثم يعودوا إلى كبت التفكير فيه، وهكذا. وبالرغم من أنهم حاولوا ذلك لمدة نصف الساعة فإنهم لم ينجحوا في فترات عدم التفكير في كبت فكرة الدب الأبيض.

5. إن الخبرة الذاتية لا توجه الأحداث، لكنها “بوصلة العقل” التي تنبهنا إلى توجهاتنا لما يحدث وقت السلوك، وهذا يتماشى مع طرح الجبريين في العقائد الدينية التي تنسب الأفعال إلى الإله، وكلا الطرحين يحققان للإنسان الارتياح النفسي إذ يخليان مسؤوليته.

6. الشعور بالإرادة الحرة هو توهم يرجع إلى أن العقل يحدد لنا الأفعال ويحدد الأفكار المتعلقة بها، ويرجع استشعارنا بالإرادة الحرة إلى أننا “نتصور علاقة سببية” بين الأفكار والأفعال.

7. الشعور بالإرادة الحرة مسؤول عن شعورنا بـ”المسؤولية عن أفعالنا” ومن ثم يسمح بالمحاسبة الأخلاقية والقانونية على ما نقترف من إساءات.

8. الإرادة الحرة توهم عميق متغلغل في النفس يجلي لنا ما نشعر بأننا فعلناه.

3.ريتشارد جريجوري والبزوغ

ولد في بريطانيا عام 1923، خدم في القوات الجوية الملكية في أثناء الحرب العالمية الثانية، ثم درس الفلسفة وعلم النفس التجريبي في كمبردج التي عمل فيها لمدة سنوات كمدير لمعمل الحواس الخاصة، واهتم فيه بمعافاة حالات العمى وبالتوهمات البصرية وفرضيات الإدراك. وفي عام 1967 أسس في جامعة إدنبرة قسم ذكاء إدراك الآلات وعمل على الروبوتات المبكرة، وفي عام 1970 انتقل إلى بريستول أستاذ لعلم النفس العصبي ومدير لمعمل المخ والإدراك، وقد قاده حبه للعلم ولطرح الاسئلة في جميع المجالات إلى تأسيس متحف “الاستكشافي”.
من كتبه: “العين والمخ” سنة 1966، “العقل في العلم” 1981، “الإدراكات الغريبة” 1986، “الإبصار من خلال التوهم” 2009، “صناع العقل” 1998.

أفكاره في سطور:

1. يرى أن الوعي يمثل مشكلةً بسبب الفجوة الهائلة بين خبراتنا الذاتية “الكواليا” وبين نظام المخ الفيزيائي، والمتمثلة في كيف تنتج الفيزياء شيئًا غير فيزيائي بالمرة، وتاريخ العلم وحاضره مليء بالفجوات، وقد يأتي حل هذه الفجوة بطريقة جديدة وغير مباشرة.

2. إن تفسير الوعي أو أية ظاهرة أخرى بـ”البزوغ” يعكس جهلنا وعجزنا عن الوصول لتفسير صحيح، ويصف المتخصصون ظهور منظومة ما بـ”البزوغ” عندما تكون خصائصها أكبر من مجموع خصائص مكوناتها، والمثال المشهور على ذلك “بلل الماء” الذي لا يمكن توقعه من مجموع صفات الهيدروجين والأوكسجين، ومع ذلك فهو يبزغ من اتحادهما.

3. وظيفة الوعي هي التمييز بين الماضي والمستقبل وبين الحاضر الذي نحسه الآن كخبرة ذاتية ويتطلب منا أفعالًا آنية.

4. الوعي ملكة أضيفت إلى الكائنات في أثناء التطور، وكان يمكن ألا توجد، لذلك الزومبي الفلسفي ممكن طالما تعاملنا مع المستوى الأول للسلوك من خلال ردود الأفعال الانعاكاسية، أما على المستويات المعرفية الأعلى فإنه غير ممكن.

5. هناك فجوة هائلة بين فرضياتنا وتصوراتنا عن الأشياء كالنظام الشمسي وبين الأشياء ذاتها.

6. لا ينبغي إنكار الكواليا بسبب عجزنا عن الوصول إلى العلاقة بين الخبرات الذاتية والعمليات المخية الفيزيائية، بل ينبغي أن يكون ذلك دافعًا للبحث عن تفسير، ويعتبر تجاهل الخبرة الذاتية بدافع العجز عن التفسير خطأً كبيرًا يقع فيه دينيت.

7. إن حمرة الوجه تبث إشاراتها كأي موقف حاضر، أي إنها تجعل خبرة الماضي كأنها خبرة حاضرة حية، فيثير ذلك خبرتنا الذاتية آنيًا، هذا الطرح يتماشي مع نظرية جيمس-لانج وهي نظرية قدمها وليم جيمس وكارل لانج كل على حدة، وتتبنى النظرية أن الانفعالات هي نتيجة تأثيرات فسيولوجية كزيادة في ضربات القلب والتوتر العضلي والتعرق وليست سبب لهذه التغيرات، ويعبر وليم جيمس عن ذلك بقوله: “نحن نشعر بالأسف لأننا نبكي، ونخاف لأننا نرتجف، وليس العكس”.
وهناك استثناء “تخيلات مقتبل النوم” التي تكون حيةً كالواقع، وتكون نصف واعية، ويمكن توجيهها جزئيًا، فأنا أستطيع أن أتحرك كيفما أشاء في تلك الغابة المدارية المفعمة بالألوان الجميلة. وعندما سُئل ريتشارد عن هل تحلِّق في الهواء أثناء تخيلات مقتبل النوم فأجاب بنعم وأسهب: “لكن ليست هناك أصوات، إنها عادة تكون أحلامًا بصرية وحية للغاية دون شك، واستثناء ثالث هو الأحلام الجلية، ثم تأثير عقاقير الهلوسة والانفصام، ففي هذه الحالات تستشعرين أشياء ليست حاضرة كخبرات ذاتية، في كل هذه الحالات تضطرب منظومة الوعي بالحاضر”، والمقصود بالحلم الجلي Lucid dream: هو الحلم الذي تعرف أثناءه أن ما تراه هو حلم.

وقد أظهرت الدراسات أن 30-40% من الناس قد خبروا الأحلام الجلية ولو مرة واحدة على الأقل، ويمر بعض الناس بهذه الخبرة بشكل متكرر، وقليلون للغاية يمرون بهذه الأحلام بإراداتهم، ويذكر هؤلاء الحالمين أن كل شيء في الحلم يكون أكثر غنى وإشراقًا، وأنهم قد يستطيعون التحكم في محتوى هذه الأحلام ويعتبر لابيرج (سنقوم بعرض آرائه في السطور القادمة) رائد التجريب على الأحلام الجلية.

4. ماكس فيلمانز و الواحدية الانعكاسية

ولد في أمستردام عام 1942، درس الهندسة الكهربائية في سيدني بأستراليا ثم حصل على الدكتوراه في علم النفس من جامعة لندن. يهتم في أبحاثه بين الفلسفة والعلوم العصبية والنفسية وعلاقة العقل بالجسم وبين الممارسة الإكلينكية، ويسعى إلى تأسيس برنامج بحثي لعلم الوعي من خلال نظرة غير اختزالية، يشغل منصب أستاذ علم النفس في كلية جولد سميث بجامعة لندن، نشر العديد من الأبحاث حول الوعي ومن أهم كتبه: “نحو فهم أعمق للوعي” عام 2016، كذلك كتاب “فهم الوعي” عام 2000، وكتاب “كيف تؤثر الخبرات الواعية في الأمخاخ” عام 2003.

آراؤه:

1. الخبرات الذاتية التي هي محور الوعي خبرات حقيقية وليست توهمات، وينبغي أن ننطلق في دراستنا للوعي من هذا المنطلق.

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: خالد أبو الخير

تدقيق لغوي: أبرار وهدان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.