تأخذك إلى أعماق الفكر

الاستشراق بوصفه قضية إعـلامية

منذ إصدار كتاب إدوارد سعيد المشهور “الاستشراق” وحتَّى الآن، أحدثت نظرته المبتكرة عاصفة في العالَم الأكاديمي بإدانته الجريئة والمنتقدة بشدّة للطريقة التّي ينظر بها “الغرب” إلى “الشرق”، ولا يمكن التقليل من أهمية هذا الموضوع والتأثير الهائل الذي أحدثه، حيث تعرّضت شركات مثل ديزني مؤخرًا لانتقادات مرّة أُخرى لإعادة سردها لقصّة علاء الدين الشهيرة بشكل مثير للجدل.

ببساطة الاستشراق هو عدسة يرى الناس من خلالها العالَم الذّي يستعرض “الغرب” وكأنّه أكثر هيمنة أو حضارة من “الشرق”، ومع ذلك يجادل سعيد بأن الهدف من الاستشراق ليس مجرّد إنشاء قصّة وهميّة عن العالَم “الشرقي”، بدلًا من ذلك قال: إنه يجب أن يُنظَر إليه على أنّه “أسلوبٌ فكريّ قائم على تمييز وجوديّ ومعرفيّ بين “الشرق” و”الغرب”، وبعبارة أُخرى هذه الطريقة في النّظر إلى العالَم هادفة، وقد صُنِعَت من قبل الفِكر “الغربيّ” في محاولة لخلق “آخر” يمكنُ التّلاعب به والسّيطرة عليه، في الاقتباس أدناه يشرح سعيد هذه الفكرة بعبارةٍ تُسلّط الضوء على الأهمية المذهلة لموضوع كهذا:

ما أراه هو أنّه بدون دراسة الاستشراق بوصفه خطابًا لا يمكن للمرء أن يفهم التّوجه المنهجيّ الهائل الذّي تمكنت الثقافة الأوروبية من خلاله من إدارة -بل وحتى إنتاج- الشرق سياسيًا واجتماعيًا وعسكريًا وأيديولوجيًا وعلميًا وخياليًا خلال فترة ما بعد التنوير.

الشرق والغرب كلمتان لا ينبغي أن تعنيا شيئًا حقًا، ومع ذلك فقد تم تضمينها في عدة موضوعات ذات الصلة بشكل كبير نظرًا لحاجةِ ثقافةِ أوروبا الغربية إلى إنتاج مواجهة لها، لسوء الحظّ فإنّ هذا الاعتقاد بـ “الآخر” -كما يسميه إدوارد سعيد- لن يلبث أن ينمو فقط كتمييز عدوانيّ نراه في كثير من الأحيان من خلال ممارسات المجتمع الحديث”.

كان الإعلام في الغرب لاعبًا رئيسًا في ظهور هذه المفاهيم الاستشراقية، حيث يتمّ ترسيخ الصّور النّمطية التّي تنتجها هذه الآراء باستمرار من خلال وسائل الإعلام التّي نستهلكها، بالإضافة إلى التمويل الكبير الذّي تحظى به وجهات النّظر الاستشراقية في الأفلام الرّائجة مثل ديزني “علاء الدين”، وتعرّضت شركات أُخرى مثل كوكاكولا لانتقادات مؤخّرًا لتقديمها مفاهيم مماثلة تنمّط النّاس “الشرقيين”.

في إعلانٍ “لسوبر باول” تمّ عرضه في عام 2013م يظهر رجل عربيّ يُسيِّر جَمَلًا عبر الصحراء باتّجاه زجاجة كوكاكولا كبيرة بشكل هزليّ وهو يرتدي الكندورة (الدشداش الخليجي)، ومن ثم سرعان ما تظهر مجموعة من الشّخصيات التّي تتسابق لنيل الزجاجة بما في ذلك رعاة البقر، وفتيات استعراض لاس فيغاس، ومجموعة من قُطّاع الطّرق الذّين يبدو أنّهم جميعًا ينتمون إلى عصور مختلفة من صناعة الأفلام في هوليوود.

إعلان

كان الهدف من هذه الحملة هو تشجيع المشاهدين على زيارة الموقع المدرج آخر الإعلان للتصويت على من سيفوز بالسباق الذي لم يكن العربيّ جزءًا منه، إذ تمّ إقصاؤه من الاستطلاع أيضًا، إنّ استبعاده- أي العربيّ-  يُخبِر بالكثير عن كيفية إلقاء الضوء على وجهات نظر المستشرقين، لأنّ التّمثيل الوحيد الذّي تمّ منحه لهذا الرجل هو تصويرٌ عفا عليه الزمن، ونمطيّة “للشّرق”، بمعنًى آخر العربيّ بجمله هو البيدق المُتخلّف الذي لا يمتلك أيّ فرصة لمواكبة “الغرب” المتقدّم.

في مقال نشرته “هافينغتون بوست” حول هذا الجدل ذُكِر أنّ شبكة “سي بي إس” رفضت التّعليق على الفيديو، لكنّ المُتحدّثة باسم شركة كوكاكولا لورين تومسون، قالت: إنّ الشركة اتّبعت نهجًا “سينمائيًا” في الإعلان باستخدام الشّخصيات في إشارةٍ إلى أفلام الماضي. على أيّة حالٍ إنّ هذا التبرير لا يهدِف لتعزيز النقد المُعلن لهوليوود، حيث هناك افتقار إلى التمثيل “الشرقي” المناسب بطرق ذات مغزى في وسائل الإعلام “الغربية”.

في دراسة أجرتها أكاديمية مينا للفنون تمّ الكشف عن مجموعة إحصائيات تصِف واقع تمثيل الدّراما للشّرق الأوسط وشمال أفريقيا، وكانت النتائج مُحبطة للغاية، تشكّل هذه المجموعة العرقية 3.2٪ من سكّان الولايات المتحدة مع ما يُقدّر بنحو 10 ملايين شخص، ومع ذلك تُظهِر الدراسة أنّ 92٪ من البرامج التلفزيونية النّصية لا تتضمّن شخصيّات تمثّل الشّرق الأوسط وشمال أفريقيا، وعندما يتمّ منحهم فُرَص التّمثيل يظهر 67٪ من ممثلو الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في الجريمة أو الأعمال الدّرامية الجيوسياسية، علاوةً على ذلك يتمّ تصوير معظم الشّخصيات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بنسبة 78٪ على وجه الدّقة، على أنّهم إرهابيون أو عملاء أو جنود أو طغاة، ممّا يؤديّ فقط إلى تفاقم الصّور النّمطية المستشرقة التّي ناقشناها، كما يتمّ تصوير هؤلاء الأشخاص باستمرار على أنّهم أجانب أو غرباء على الرغم من أنّ 67٪ من هذه الفئة يتحدّثون بلهجةٍ أجنبيّة واضحة لا ينبغي أن تؤديّ إلى تعزيز هذه الآراء.

إنّ تصوير النّاس أمرٌ مهمٌ، حيث إنّ التعزيز المستمر للصور النمطية في جميع أنحاء هوليوود والتّلفزيون لا يؤديّ إلّا إلى إلحاق المزيد من الضّرر بحقّ مجتَمع الشّرق الأوسط وشمال أفريقيا، ويشجّع أولئك الذّين يؤمنون بهذه الأفكار الاستشراقية، وعلى الرغم من أنّ هناك بعض التّقدّم لتحسين مشكلة التّمثيل هذه في هوليوود إلّا أنّنا ما زلنا بعيدين عن حلِّ هذه المشكلة.

ومع ذلك فإن القضايا المتعلقة بتمثيل هوليوود للشّعوب العربية ليست سوى حمار حجا الذّي يُضرَبُ به المثل عندما يتعلّق الأمر بالتّعميم الهائل وتوسيعِ نطاق وجهات النّظر الاستشراقية، في حين أنّ الإعلام الأمريكيّ هو محطّ الاهتمام حاليًا، يجب على المهتمين بمعرفة المزيد عن الاستشراق أن يتعمّقوا قليلًا ليروا حقًا مدى عمق هذه المفاهيم عن البنية في مجتمعنا.

إن تأثير الاستشراق واسع الانتشار، في فيديو من فيلم وثائقي يُظهِر لنا كيف تُكمل هذه الآراء مفعولها خارج عالم الترفيه، يستعرض الفيلم في الثواني الافتتاحيّة موسيقى “عربية” نمطيّة وإعلانًا قويًا أنّ أزمة قناة السويس كانت قضية بين المملكة المتحدة وأمّة “عربية”، إنّ العروض النّمطية للدّول “الشّرقيّة” مُتفشيّة، حقيقة أنّ هذا الفيلم الوثائقيّ، الذّي أنتجته هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)، يُحوّل مصر إلى كلمةٍ وصفية مثل “أمّة عربية” له نفس تأثير الصورة النمطية المَعروضة في هوليوود.

هذه ليست قضية في الإعلام فقط، حيث تعكِس الأفلام الوثائقية والكتب المدرسية في جميع أنحاء البلاد هذه الصور النمطية، لدرجة أنّنا بالكاد نُلاحِظها اليوم، تمثيل شرائح المجتمع والنّاس في كلّ مكان مهم، لكن يجب أن نكون مجتهدين بشكل كافٍ لتجنّب الزخارف الاستشراقية التّي أصبحت بسهولةٍ شديدةَ التّجذر لتشكّل الطريقة اليومية التّي نفكر بها حول العالم.

ملاحظة المترجم: إنّ مفردة “الشرق الأوسط” التي قام الكاتب باستخدمها هي تعبير مستشرق أيضًا، يَصِف مجموعة دول تقع في أفريقيا وآسيا، لأنّ الاتّجاهات أمرٌ نسبيّ، فما هو شرق لأمريكا يشكّل الغرب للصّين، ما يعكِس ضرورة عدم التّعامل مع هذا التّعبير بكونه مجرّد من الدّلالات، خصوصًا وأنّه أصبح أكثر ارتباطًا بمفاهيم أبرزها الصّراع وشن الحروب وإراقة الدّماء وحكم الدكتاتورية وتدنيّ الوعي.

نرشح لك: محمود شاكر ونَقْد الاستشراق من خلال كتاب (رسالة في الطريق إلى ثقافتنا)

مصدر الترجمة

إعلان

فريق الإعداد

ترجمة: افنان ابو يحيى

تحرير/تنسيق: نهال أسامة

تدقيق لغوي: سلمى الحبشي

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.